لماذا يأمرنا الله بالتحرك والسعي وهو قادر على أن يستجيب لنا في طرفة عَين ؟
إذًا فلن يضيعنا الله
السعي هو من أكثر الأمور التي تساءلت عنها في حياتي. كنت في حِيرة دائمة، ودائمًا أبحث عن هذا الأمر وأستفسر من الآخرين. كان يشغلني جدًا، لم أكن أفهم هل هو سعي بالقلب أم يجب علي أن أتحرك وأسعى وأتعب؟ مع انه لدينا رب قادر على كل شيء، بل هو قادر أن يُذهب بنا جميعًا ويأتي بقوم آخرين فقط بكلمة “كن”. سؤال يجر بعده مئات الأسئلة. فبدأت أسأل ربي: “هل تريدني، يا رب، أن أسعى في هذا الموضوع أم لا؟ هل أنت تريد مني هذا الأمر أصلاً؟ هل سأحصل على ما أبحث عنه في النهاية أم سأضيع وقتي في التفكير في أمر لم تكتبه لي من الأساس؟ ماذا أفعل يا ربي؟” وكثير من التساؤلات التي تدور في ذهني. لكن الله سبحانه وتعالى لن يتركك في حيرة من أمرك، بل هو يعلم قلبك، ويعلم تساؤلاتك، ويعلم وسوسة نفسك. كما قال تعالى: “وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ”. يعلم الله كل شيء، عندما قال الله لنبيه: “قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ”، هنا حتى تقلباتك وتخبطاتك وحركاتك كلها محسوبة ومعلومة عند الله. إذاً، اذا كان الله يعلم كل هذا، فما الهدف من السعي؟
سأجيب عن هذا التساؤل بأجمل قصة لدي ، أحبها كثيرًا. كل مرة أقرأها وأستشعرها، أرى أن الأمور التي أفكر فيها، مقارنةً بما مرت به، لا تُعتبر شيئًا. هي قصة امرأة عظيمة بالفعل وقدوة حسنة لنا جميعًا. قصة تعلمنا معنى السعي، والإصرار، وقوة التوكل والتسليم ، واليقين بالله جل في علاه.
السيدة هَاجَر عليها السلام
«إذًا فلن يضيعنا الله»
عندما أتذكر موضوع السعي، أول ما يتبادر إلى ذهني هو قصة السيدة هاجر رضي الله عنها. تخيلوا معي، أنكم في صحراء قاحلة، لا أحد معكم، لا طعام ولا شراب، فقط أنتم وطفلكم الرضيع. هذا هو حال السيدة هاجر رضي الله عنها عندما تركها إبراهيم عليه السلام في تلك البقعة القاحلة، حيث كان أصعب شيء يمكن أن يفعله هو ترك زوجته وطفله في هذا المكان القاسي، وكلما تأملنا في هذا الموقف، نشعر بعظمته وقسوته. فإبراهيم عليه السلام وضعهما في مكان غير مأهول، ليس فيه أحد ولا ماء. وضع معهما جرابًا فيه تمر وسقاء فيه ماء، ثم قفى منطلقًا. تبعت السيدة هاجر زوجها، وقالت له: "يا إبراهيم، أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه أنيس ولا شيء؟" كانت تردد هذه الكلمات مرارًا، ولكن إبراهيم عليه السلام كان لا يلتفت إليها. فسألته: "آلله أمرك بهذا؟" فقال: "نعم". قالت: "إذن لا يضيعنا الله". هنا، أظهرت السيدة هاجر تسليمًا كاملاً لله، لم تجزع أو تستسلم، بل ظل قلبها ثابتًا، مملوءا بالثقة في الله، رغم قسوة الموقف.بل علمت أنه عندما يأمرنا الله بشيء ونحن نصدق في التسليم، فإننا تحت حماية الله، فلا يهم إن كنا في قمة جبل أو في وسط البحر أو في قصر أو في صحراء قاحلة، فالله لا يترك عبده أبدًا. بدأت السيدة هاجر ترضع إسماعيل وتشرب من الماء حتى نفد ما في السقاء، وكان الحر الشديد في مكة، وعطش ابنها. بدأت تشعر بقلق شديد عليه، إذ كانت تراه يتلوى ويتألم، فركضت وانطلقت كراهية أن تنظر إليه، بحثًا عن الماء، فصعدت إلى الصفا، أقرب جبل إليها، لتبحث عن أي مخلوق أو ماء، ولكنها لم تجد شيئًا. هبطت من الصفا، ثم اتجهت نحو المروة، وبدأت سعيها بين الجبلين سبع مرات، وهي تكافح مع التعب الشديد والحر، حتى وصل بها الجهد إلى أقصى حد، لنا أن نتخيل حالة أم مرضعة، منهكة، في حر شديد، تواجه صعوبة في صعود الجبل. وقد ورد في الحديث أنها سعت سعي الإنسان المجهود، والمجهود هنا يعني الذي أصابه التعب الشديد. استمرت في السعي حتى جاوزت الوادي، ثم توجهت نحو المروة، فصعدت عليها، ونظرت، لكن لم ترَ أحدًا. ففعلت ذلك سبع مرات، لم تيأس أو تقنط، بل واصلت سعيها، متأكدة أن الله لن يضيعها. قال ابن عباس رضي الله عنهما: قال النبي ﷺ: "فذلك سعي الناس بينهما“. اقتداءً بهذه المرأة العظيمة . فانطلق إبراهيم عليه السلام حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه، استقبل بوجهه البيت، ثم دعا بهذه الكلمات ورفع يديه: {رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ} (إبراهيم 37). دعاء إبراهيم عليه السلام كان استوداعًا لله أهله في مكان خالٍ من الحياة. عندما تستودع الله أهلك وعائلتك وأشيائك، لا تخاف عليها، فهي في حفظ الله ورعايته. لذلك، من أحب الدعوات إليَّ هي "أستودِعُكَ اللهَ الذي لا يُضيِّعُ ودائِعَهُ"، مُوقنة أن الله سيحفظ لي كل شيء استودعته عنده، فهو الحفيظ سبحانه. فعندما استودع إبراهيم عليه السلام أهله في هذا المكان، دعا الله أن يرسل في طريقهم أفئدة من الناس، وهنا لدي لفتة من تدبرات الشيخ محمد المقرمي:
عند قوله تعالى: “فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ”، حيث يقول: “هؤلاء ليسوا أناسًا عاديين، هؤلاء أفئدة تسير على الأرض”. لذا كانت دعوة إبراهيم عليه السلام أن يجعل الله من الناس “أفئدة”، وتحقق ذلك عندما كانت نتيجتهم محمد صلى الله عليه وسلم، ابن عبد الله.
“فالفؤاد” هو محل الإحساس والشعور، وهنا في الآية، ذكر الله أنهم “أفئدة تمشي”. هذا التشبيه يتجسد في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما شبه بعض أهل الجنة بأفئدة الطير،”يدخل الجنةَ أقوامٌ أفئدتهم مثل أفئدة الطير “ ومن هنا، عندما رآوا السيدة هاجر وطفلها إسماعيل عليه السلام في تلك الظروف، تأثروا بحالهما وحنوا إليهما، فمكثوا معهم، وتزوج إسماعيل من بينهم، ليخرج من ذريته محمد صلى الله عليه وسلم الذي أرسله الله رحمة للعالمين . فكلما تردد العبد على هذه الأماكن، ازداد شوقه وعظم ولعه وتوقه لهذه البقعة المباركة.
هذه المشاعر بدأت تتولد في داخلي في كل مرة أذهب فيها إلى البيت الحرام لأداء العمرة. ففي العمرات السابقة، كنت أؤدي العمرة دون أن أستشعر شيئًا، كنت أفكر فقط في عدد الأشواط التي قطعتها وكم بقي، وكان السعي أيضًا بنفس الطريقة. ولكن كلما تأملت في قصص الأنبياء والصحابيات، أصبحت أستشعر النسك والعبادات ـــ بفضل الله.. في آخر عمرة لي، شعرت فعلاً بكمية التعب والجهد وأنا أسعى مشيًا فقط، فكيف كان حال السيدة هاجر عليها السلام وهي تركض في تلك الظروف الصعبة؟ . لقد جعل الله سعي السيدة هاجر وخطواتها ركن من اركان الحج والعمرة ، نسكًا نؤديه في كل مرة اردنا اداء العمرة او الحج تخليدًا لها وتكريمًا لهذه المرأة العظيمة. و قد كنت أتساءل لماذا لا نهرول نحن النساء بين العلمين الأخضرين اقتداءً بالسيدة هاجر؟ ألسنا أولى بذلك؟ لماذا هذه السنة مخصصة للرجال فقط؟ وعندما أرى الرجال وهم يركضون عند العلمين الأخضرين والنساء من خلفهم يمشين بسكينة ووقار، أدرك أن الله يريدهم أن يستشعروا تعب السيدة هاجر وهي تركض بين الجبلين، كيف تحملت وصبرت وكافحت في تلك الظروف الصعبة. إذ من المعروف أن الرجل هو من يبحث عن الماء والطعام، بينما المرأة تعتني بطفلها، لكن في هذه القصة حصل العكس تمامًا، فقد جعل الله سعي السيدة هاجر عبادة واجبة علينا تخليدًا وتكريمًا لها ،وسمعت أيضًآ أن النساء لا يركضن بين العلمين الأخضرين، لأن السيدة هاجر ركضت نيابة عن كل نساء المسلمين ، وهذا أثر فيَّ كثيرًا. هذا التفريق بين الرجل والمرأة ليس تمييزًا سلبيًا، بل هو مراعاة فطرية لطبيعة كل منهما. الإسلام لم يُحمّل المرأة مشقة لا تليق بها، ولم يُطالبها بإظهار القوة البدنية كما يُطلب من الرجل في السعي أو الطواف. هاجر نفسها لم تكن تهرول لكونها امرأة، بل بدافع إنساني طبيعي. وحتى حين خُلِّدت قصتها، لم يُطلب من النساء تقليدها في الحركة، بل في الصبر، والإيمان، والثقة بالله. أما الرجال، فأُمروا بالهرولة إحياءً لذلك المشهد وتعبيرًا عن التضحية، والاقتداء الكامل بخطى السعي. عندما أرى هذا التكريم من الله عز وجل للسيدة هاجر ونساء المؤمنين والصحابة، كيف أن الله لا ينسى شيئًا، أُدرك أن خطواتنا لا تضيع في الدنيا ولا في الآخرة. الله لا ينسى حتى دموعنا، فهو رحيم ولطيف بنا. فقد يصيبنا الكثير من الإحباطات وفقدان الأمل والتعب، ولكنني أقول لك: لا تستسلم. والله لا ينسى تعبك، وستصل إلى درجة تدرك فيها رحمة الله بك التي تحيطك من جميع الجهات. هذا الموقف يجعلني أفكر في حياتنا أحيانًا، حينما نواجه صعوبات قد تشعرنا أننا في صحراء قاحلة، وأن جميع الأبواب قد أغلقت في وجهنا. قد يتخلى عنك أقرب الناس، وتنقطع عنك سبل المعونة، وتصبح وحيدًا كما في تلك الصحراء. ولكن كيف حال قلبك في تلك اللحظات؟ هل قلبك يقول "لن يضيعنا الله"؟ قد تتعب وتذهب تسأل هنا وهناك وتحاول مرة تلو الأخرى ولا تسمع شيئًا ولا ترى شيئًا. هل ستتوقف؟ السيدة هاجر لم تتوقف، بل استمرت في الركض حتى سمعت صوتًا، ولكن لم تكن تعرف مصدره. وإذا بجبريل عليه السلام ينزل بأمر الله عز وجل، وقال: "من أنتي؟" فقالت: "أنا أم ولد إبراهيم". فسألها جبريل: "إلى من وكلكما في هذا المكان؟" فأجابته: "إلى الله". فقال جبريل: "وكلكما إلى كافل"، ثم ضرب بجناحه أو رجله الأرض فظهرت بئر زمزم، وتدفق الماء من هناك، وهو ما أصبح مصدرًا للرزق والرحمة لأجيال كثيرة. هذه القصة تعلمنا أنه مهما كانت الظروف، ومهما واجهنا من تحديات، الله لن يضيعنا إذا كنا صادقين في تسليمنا له.
هنا، عندما سألها جبريل: “إلى من وكلكما؟”، قالت: “إلى الله”. هنا يكمن الاختبار. مع التعب والجهد الذي بذلته، قد تنسى وتتشبث بأي شيء، وقد تقول: “ليس معنا أحد، فقط أنا وطفلي”، لكن هنا كانت واثقة، وفورًا قالت: “الله”. هذا هو اليقين التام الذي يريدنا الله أن نصل إليه. وكأن الله يختبرنا في أهم نقطة نحتاجها. حتى كما أتى جبريل إلى السيدة مريم عليها السلام، وتمثل في هيئة رجل حسن المظهر، لم يقل شيئًا، وكان هنا هو الاختبار ليرى الله ماذا ستقول أو كيف ستتصرف. قالت: “إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا”. استعاذت بالله عز وجل، وقد يمتحننا الله في واقعنا بعد أن مررنا بصعاب وابتلاءات ومشاكل ومحاولات كثيرة. فإذا وجدنا فرصة بعد هذا التعب كله، هنا يكمن اختبارنا: هل نرضى فورًا قبل أن نسأل: هل هذه الفرصة فيها ما يغضب الله؟ هل هذه الوظيفة حلال أم حرام؟ هل البيئة أو البلد مناسب لديني أم لا؟ وهكذا. هنا، عندما يرى الله التسليم الكامل وحسن ظننا وتوكلنا عليه، ستأتي المعجزة. في قصة أمنا هاجر، فجر الله لها ينبوعًا ما زال ينبض إلى الآن، وهو زمزم، فجعلت تحوضه، أي تجعل حوله كالحوض، وتقول بيدها هكذا، كأنها تريد أن تلملم الماء خوفًا من أن ينفد. وقال رسول الله ﷺ في ذلك: “رحم الله أم إسماعيل، لو تركت زمزم لكانت زمزم عينًا معينًا”، أي ظاهرة للعيان يراها الناس على الأرض، لا تكون بئرًا، بل عينًا معينًا تنبع دون الحاجة إلى دلاء. وهنا، ونحن نسعى، قد نظن أن الفرج بعيد المنال، وأنه لن يأتي إلا بعد مدة أو خارج منطقتي، لكن الفرج قد يكون قريبًا منك، بل قد يكون بجوارك. فالماء الذي جاءها نبع من تحت أقدام سيدنا إسماعيل عليه السلام ولم يأت من ناحية الصفا أو المروة. قد يأتي الفرج من جهة أخرى غير التي سعينا فيها، لأن الأمر ليس بما نريد، بل هو مجرد سعي وأخذ بالأسباب.
عندما شربت السيدة هاجر وأرضعت ولدها، قال لها الملك: “لا تخافي الضيعة، لا تخافي الضياع والهلاك، فالله -تبارك وتعالى- يحفظكم ويرعاكم.”
لذا في قصة إبراهيم عليه السلام، الذي يُعد من أعظم الأنبياء، عندما يقول الله عز وجل: “إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً” ، فقد كان إبراهيم عليه السلام بمفرده أمة، وسماه الله «خليل الله» . وذلك لأن إبراهيم عليه السلام قد وصل إلى أعظم درجات التسليم، فالله امتحنه في مختلف مراحل حياته ليختبر مدى تسليمه، فكان ابتلاءه في التسليم هو المحك. فكما ذكرنا، كان ابتلاءه مع زوجته حين أمره الله بأن يتركها وابنه في أرض قاحلة، وهو أمر صعب للغاية على النفس، ولكنه سلم أمره لله. وكذلك عندما أمره الله بذبح ابنه إسماعيل عليه السلام، فقد رأى في المنام أنه يذبحه، وكان هذا اختباراً آخر من الله عز وجل له، ليختبر مدى استعداده لتسليم نفسه لله. وعندما وقع هذا الأمر الذي هو شديد جداً على النفس، توجه إبراهيم عليه السلام إلى ابنه، وكان رد إسماعيل عليه السلام: “يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ” . وهنا تكمن النقطة المهمة، وهي أن التسليم كان من جهتهما معاً. لذلك قال الله تعالى: “فَلَمَّا أَسْلَمَا” ، وهنا نلاحظ أن الله لم يقل “أسلم وحده”، بل قال “أسلما”، أي أن التسليم كان من إبراهيم وابنه معاً. وهذا يُعلمنا أن في اللحظات الصعبة، عندما نمر بمشاكل أو ضائقة ونحن مع أفراد من عائلتنا أو من نحبهم، من الأفضل أن نسلم جميعنا، لأننا في هذه الحالة سنتقوى معًا، كما فعل إبراهيم عليه السلام مع ابنه وزوجته، حيث كان التسليم الجماعي هو القوة الحقيقية. الأبناء قد يضغطون على آبائهم أو يستعطفونهم، ولكن إسماعيل عليه السلام ثبت وقال لأبيه: “يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ”، ولم يقل كما قد نقول نحن: “افعل ما يريحك” أو “على راحتك”.وهنا قد قد يشعر الطرف الآخر بالعاطفة ويتراجع عن الأمر، لكن إسماعيل عليه السلام بقي ثابتاً وقال له: “افعل ما تُؤْمَرُ”. وكذلك زوجته، التي قالت له: “آلله أمرك بهذا”. وبالتالي، كان الجميع يمتلك نفس العقلية والتفكير، وهو أنه عندما تأتي الأوامر من الله، يجب أن نقول “سمعنا وأطعنا”، دون أن نسمح للعواطف أن تعيقنا، لأن ما يامرنا به الله هو خير لنا، حتى وإن بدا في البداية كشر. كما قال تعالى: “وَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ” . فإن الله سبحانه وتعالى يريد أن يعرف منا هذه النقطة الجوهرية: هل نكون مستعدين لترك أي شيء من أجله ، حتى لو كان أحب شيء إلينا؟ فإذا رأى الله منا هذا التسليم الكامل، فإنه يوفقنا ويرزقنا مرادنا، كما حدث مع إبراهيم عليه السلام. وعندما وضع السكين على عنق ابنه، جاء الأمر الإلهي: “قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا” وهذا هو السعي الحقيقي ..
ولكن هذا السعي لم يكن سعيًا عشوائيًا أو خاليًا من التساؤلات. فقد مر إبراهيم عليه السلام بمراحل متعددة من الشكوك والأسئلة التي كانت تزدحم في قلبه وتؤرقه. وعندما رموه في النار، وصل إلى مرحلة عميقة من التسليم، ولكنها لم تأتِ فجأة، بل جاءت بعد تساؤلات وجهاد طويل. من بداية قصته، كان يتساءل: من ربي؟ وكيف يحيي الله الموتى؟ وعندما أراد أن يطمئن قلبه، كانت كلها تساؤلات وجهاد جعلته يصل إلى هذه المرحلة العميقة من التسليم. وهذا كان من السعي أيضًا؛ أن تسعى بالأسئلة، تبحث وتتفكر، مثلما فعل العديد من المفكرين والمثقفين، بل وحتى بعض الشيوخ الذين مروا بتساؤلات عميقة، وغيروا دياناتهم ومفاهيمهم، بل بعضهم ألحدوا، ثم في النهاية وصلوا إلى الله. هؤلاء، عندما عرفوا الله حقًا، أصبح إيمانهم راسخًا لا تهزه أي شكوك أو تحديات، لأنهم سلكوا طريق البحث والتساؤل حتى وصلوا إلى اليقين: “وَاعَبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيكَ الْيَقِينُ.” أن تصل في رحلة السعي واليقين إلى مرحلة تقول فيها مثلما قال ابن القيم رحمه الله: “لو أن أحدكم همّ بإزالة جبل وهو واثق بالله لأزاله.” أن تكون مثل الطير في التوكل، “تغدو خماصًا وتروح بطانًا.” أن تكون مثل موسى عليه السلام عندما قال: “كَلَّا إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ.” وفي الآية عندما قال الله: “الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا.” فلم يزدهم تخويف المشركين إلا إيمانا بالله واتكالا عليه.
لم أكن أعي هذه النقطة، كنت أسعى في أي شيء في الحياة، أسعى، ولكن قلبي ما زال متعلقًا بالخلق، وأرجو منهم أن يقبلوني وأن ينظروا في موضوعي. ولكن عندما غيرت طريقة تفكيري، صرت أسعى والله صوب نظري متعلقة بالله وليس بالخلق، لأن الله هو الذي سيسخر الناس حتى ينظروا في موضوعك أو يحلوا مشكلتك، وليس فعلًا نابعًا منهم، بل هو من الله عز وجل. بل حتى لو لاحظتم في كثير من الأحيان وأنتم تسيرون في طريقكم المعتاد، وفجأة يطرأ في بالكم تغيير الاتجاه إلى مكان آخر، قد يهيئ لكم الله لقاء شخص أو وصول إلى مكان قد يكون سببًا في حل مشكلتكم. أو ربما شعور داخلي يدفعكم للذهاب إلى مكان أو مناسبة قد لا ترغبون في الذهاب إليها، ومع ذلك تذهبون، ويكون هذا التوجه سببًا لحل ما كنت تسعون إليه. مهما كان، فالأسباب كلها بيد الله. الله يهيئ لكم الأسباب، وكل ما عليكم هو أن تتحركوا وتتوكلوا عليه، فهو الذي يسهل لكم الطريق. وهكذا أصبحت أسعى وكأنني أصعد سلمًا إلى الله، كل محاولة فاشلة أو خيبة أو دعاء لم يُستجب كان يقربني من الله أكثر، وكان يرقيني إلى درجة أعلى، حتى تصل إلى الله، تصل إليه بقلب سليم. أعتبر هذه الصعوبات والمعرقلات تصفية، أو أنك كمن يحمل حقيبة مليئة بهذه التساؤلات والشكوك، وكل رفض يزيل عنك عبء هذا الحمل، ويجيبك عن شيء معين أو يجعلك تستشعر عبادة معينة، وترتقي بسهولة. هكذا تصل، وإذا وصلت لن يكون لديك هذا التعلق الشديد بالأشياء، ستصل ولكن ستعامل كل شيء وفقًا لمراد الله، وليس مرادك كما في المرة الأولى. فهذه هي خلاص السعي: أن تسعى إلى الله، وعندها سَيُأَمنك الله، كما قال تعالى: “أُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ”. أن تكون آمنًا في سعيك بدون خوف أو قلق مَرضي، ستكون آمنًا مطمئنًا. عندها، عندما يعطيك الله ما أردت، ستتعامل معه وفقًا لإرادة الله، وهنا سيزدهر وينمو معك لأن الله باركه لك. ولكنني أولًا كنت أسعى لمرادي أنا، الله لم يكن الوجهة. الجاه والمال كانا الوجهة. في تلك الحالة، قد يعطيك الله ولكن سيمتحنك فيه حتى تفهم الرسالة. ولكن من خلال الطريق الصعب، ستصل إلى فهم أن كل شيء إليك يا ربي، أن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين. كل شيء فيني يا رب. وفي قصة إبراهيم عليه السلام، كلما أمره الله بشيء لم يتردد، بل جرد نفسه من الشهوات والشبهات والهوى، وأصبح لا ينظر إلا إلى الله، أراد أن يذهب إليه بقلب سليم، قلب مجرد من الشكوك والتساؤلات، قلب مليء بحب الله ونوره.. وهكذا، يصبح السعي الحقيقي أن نسعى لله، أن نتوجه إليه بكل ما فينا، أن نترك كل شيء من أجل مراده، وأن نعيش حياتنا على مبدأ التسليم التام له، فهو خير حافظًا وهو أرحم الراحمين .
قد تجد هذا المقال مفيدًا أيضًا
في هذا المقال، تناولت تلك اللحظات التي نصل فيها إلى أقصى درجات اليأس والقنوط، ثم يأتي عوض الله فجأة، ليُشعرنا أن كل ما مررنا به كان مقدرًا لخير أعظم. أنصحك بقراءته حتى تتضح لك الصورة بشكل أعمق، ونفهم معًا التسليم الكامل لله بفضل الله وتوفيقه.










غيداء اسأل الله أن يبارك فيك ولا يضرك وينفعك وينفع بك
هززتي مشاعري ودخلت كلماتك إلى أقاصي قلبي ونفضت من الهم والحَزن ما نفضت
وملأت أركانه إطمئنانًا و سكينة وراحة
تعرفين الحين في بالي اذا الله كتب ورحت مكة وانا أسعى كلامك بيخطر على بالي
وقت ما أفتح دفاتري وأمسك قلمي كلامك بيجي في بالي
وقت ما أحس ان الأبواب أغلقت كلامك بيظهر بين عيوني
الله يكتب أجرك وييسر أمرك
فعلًا يجيني إحساس التداعي وافكار بالتوقف، وين رايحة؟ متى بتوصلين؟
رايحة حيث ما وجههي الله، وسأصل للمكان اللي ربي كاتبه لي وكاتب إني بأوصله
شكرًا لله أولا ثم لك
الله يبارك فيك ويحفظك وينفعك وينفع بك 🤍
مقال اقل مايقال عنه رائع جزاكِ الله خير المقال فتح لمبات بعقلي