يا شَمس هاكي سِن الحمار واديني سِن الغزال
( وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُون )
تنويه لطيف ‼️
يحتوي هذا المقال على صور طبية متعلقة بطب الأسنان
قد تكون مزعجة للبعض، خصوصًا لمن يعانون من فوبيا طبيب الأسنان (مجرد ذكر كرسي الأسنان كفيل بإثارة التوتر أعلم ذلك). وربما تتخيل رائحة العيادة أيضًا،لا تقلق،الأمر لا يتعدى الشاشة.
أتمنى لك قراءة مفيدة وممتعة وخالية من التوتر.
كثيرون منّا ترعرعوا على خرافات وتعويذات الجدّات والأمهات، وكثيرون انساقوا خلفها حتى أصبحت من العادات والتقاليد المُسلَّم بها، دون تفكير أو رجوع إلى حكمها الشرعي. أذكر أنه عندما كنت صغيرة، كنت ألعب في حوش منزلنا، وإذا بسنّي المتخلخل يسقط. ذهبت راكضة إلى أمي أحمل سني والدم يسيل قليلًا من فمي، وعيناي يملؤهما الخوف. فارتسمت على وجه أمي ابتسامة، وقالت لي: "اذهبي وألقيه وقولي يا شمس،هاكِ سن الحمار، وأديني سن الغزال". ذهبت مسرعة وردّدت ما قالته أمي، وعدتُ وفي داخلي يقين بأن أسناني ستصبح جميلة كالغزال. لم أكن أعلم أنني في يوم من الأيام سأصبح طبيبة أسنان وأصطدم بالواقع المُرّ. فالأسنان تلعب دورًا كبيرًا ومحوريًا في مختلف الثقافات التي تحتفل بسقوط الأسنان، مثل "جنية الأسنان"، وفي بعض البلدان يحتفظ الناس بهذه الأسنان كتمائم أو رموز للحماية. لكن هذه الطقوس، بالنسبة لنا كمسلمين، لا تصح ولا تجوز، لأن الاستعانة بغير الله شرك. والحمد لله، كثير من الناس اليوم بدأوا ينتبهون لتلك الممارسات، وتوقفوا عن ترديد هذه التعويذات والشركيات.
ما حملني على كتابة هذا المقال كان لحظة تأمل في خلق الله وآياته المنتشرة حولنا، كنت أراجع دروسي حين رغبت في أخذ استراحة قصيرة، فجلست أمعن النظر في نفسي، وتحديدًا في أسناني. تساءلت لماذا عددها بهذا الشكل؟ ولماذا لا تكون موحدة؟ ولماذا لم نُولد بها، بل ننتظر سنوات حتى تبدأ بالبزوغ؟ تذكرت قول الله عز وجل "وفي أنفسكم أفلا تبصرون" دعوة صريحة من الخالق لنا بأن نتأمل في أنفسنا، في تفاصيلنا الدقيقة، في هذا الجسد الذي نحمله كل يوم دون أن نفكر كثيرًا في كيفية عمله. وأعتقد أن كل من يدخل المجال الطبي، ويطّلع على كيفية عمل الأجهزة الحيوية والخلايا والأنسجة، ويرى هذا الترابط المعجز والدقة المذهلة في وظائف الأعضاء، لا يملك إلا أن يقف عاجزًا أمام قدرة الله وبديع صنعه سبحانه وتعالى. ما أردت ربطه هنا هو أن دورة حياة الأسنان تشبه بشكل كبير دورة حياة الإنسان. نعم، كل شيء فينا يكبر بمرور الزمن الأنف، الفم، الجسد بأكمله، لكن ما يلفت الانتباه هي التغيرات الداخلية، الهرمونات، والانفعالات، والتطور النفسي والفكري ، تمامًا كما يحدث في دورة الأسنان من نمو وبزوغ وتبدل وسقوط، وكل مرحلة منها مرتبطة بمرحلة عمرية معينة. والرسالة التي أريد إيصالها من خلال هذا المقال هي أننا بحاجة إلى أن نعيش كل مرحلة من حياتنا بكامل تفاصيلها، أن نُقبِل عليها بحلوها ومرّها، دون أن نُفرط في التعلق بالماضي أو القلق من المستقبل.
(وَكَانَ الإِنْسَانُ عَجُولاً)
كنت قد قرأت منشورًا يتحدث عن "الخوف من المجهول"، وذكر فيه أن أكثر ما يميز الإنسان هو أنه يقضي الجزء الأكبر من يومه متطلعًا إلى المستقبل، يترقب وقوع شيء لم يحدث بعد، ولهذا سُمّي بـ "Homo Prospectus" أي الإنسان المُترقِّب. الرابط المشترك دائمًا في فكر الإنسان هو أنه يرحل بنفسه إلى لحظة قادمة لم تحن بعد، فيُصاب بالقلق والارتباك. وقد شبّهت هذه الحالة بحالة طبية تُعرف باسم "Natal Teeth" أي الأسنان الولادية، و"Neonatal Teeth" أي الأسنان الولادية الحديثة، حيث يشير المصطلح الأول إلى ولادة الطفل وهو يحمل سنًا بازغًا في فمه، أما الثاني فيشير إلى بزوغ سن خلال الشهر الأول بعد الولادة. وكأن بعض البشر يولدون مسبقين لأوانهم، يريدون القفز إلى المستقبل قبل أوانه، تمامًا كما تفعل هذه الأسنان التي تظهر قبل موعدها الطبيعي.
وهي ظاهرة غير شائعة، لكنها تُعطي دلالة رمزية عميقة أننا حين نستعجل الأمور قبل أوانها، فإن هذا الاستعجال قد يكون سببًا في الأذى أو الهلاك. فلكل مرحلة من حياتنا وعيها الخاص، واستعدادها النفسي والجسدي. ظهور الأسنان مبكرًا قد يُعرض الأم للألم أثناء الرضاعة، وقد يُؤذي المولود نفسه أيضًا بسبب حدة الأسنان، ما قد يؤدي إلى تقرحات في اللسان أو التهابات أخرى. كذلك هو الإنسان، حين يُقحم نفسه في تجارب أو مراحل لم ينضج لها بعد، فإنه غالبًا ما يدفع الثمن من راحته أو توازنه.نعود إلى استكمال الحديث حول الإنسان المُترقِّب، فالفكرة الجديدة التي طرحها مارتن سليغمان ومدرسته في علم النفس، هي أن من الأدق فهم الإنسان وسلوكه واضطراباته من خلال نظرته إلى المستقبل، لا من خلال ماضيه أو حتى حاضره كما تفعل باقي مدارس علم النفس. وفقًا لهذا المنظور، تتمثل مهمة الإنسان في تقليص احتمالات الخطأ المستقبلية عبر اتخاذ مواقف صحيحة في اللحظة الراهنة. وهذا هو السبب في أننا نحذّر دائمًا المرضى من الاهتمام بالعناية بصحتهم، مثل تفريش الأسنان بانتظام وتجنّب الإفراط في السكريات. لكن، في هذه المرحلة تحديدًا، كثيرًا ما يُهمل الأهل هذه النصائح ظنًّا منهم أن بزوغ الأسنان الدائمة سيُعالج المشكلة تلقائيًا، متناسين أن التسوّس قد يتوغل ويصل إلى الأسنان الدائمة، مُسبّبًا مضاعفات صحية خطيرة. وهنا يحضرني حديث ابن عمر رضي الله عنهما:" أخَذَ رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بمَنْكِبِي، فَقَالَ: كُنْ في الدُّنْيَا كَأنَّكَ غَرِيبٌ أوْ عَابِرُ سَبِيلٍ. وكانَ ابنُ عُمَرَ يقولُ: إذَا أمْسَيْتَ فلا تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ، وإذَا أصْبَحْتَ فلا تَنْتَظِرِ المَسَاءَ، وخُذْ مِن صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ، ومِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ". (صحيح البخاري). هذا الحديث يذكّرنا بوضوح أن استباق المستقبل لا يعني القلق منه، بل اتخاذ القرارات الصحيحة في الحاضر لصنع مستقبل أفضل.
إنّ أفضل طريقة لتبديد خوفك من المجهول، هي أن تُحسِن ما تفعله في هذه الّلحظة، وأن تعتني بالبدايات .
يكبر الطفل ويصل إلى مرحلة مختلفة، تمتزج فيها جذور الطفولة مع لمسات المراهقة. مزيجٌ بين هذا وذاك، نلمح من خلاله تغيرات في أجسادنا وأصواتنا.في هذه الفترة يمر الطفل بمرحلة تُعرف في طب الأسنان بـ"مرحلة الأسنان المختلطة" (Mixed Dentition)، وهي المرحلة الانتقالية التي تبدأ عندما تبدأ الأسنان اللبنية بالسقوط وتبدأ الأسنان الدائمة بالظهور ثم تليها "مرحلة البطة القبيحة" (Ugly Duckling Stage). تُعد هذه المرحلة طبيعية في نمو أسنان الأطفال، وتحدث عادةً بين سن 7 و12 عامًا. خلال هذه الفترة، تظهر فجوات بين الأسنان الأمامية العلوية (القواطع) نتيجة لنمو الأنياب الدائمة، التي تدفع القواطع جانبًا. هذه الفجوات قد تجعل الأسنان تبدو غير مرتبة مؤقتًا، لكنها غالبًا ما تختفي من تلقاء نفسها مع اكتمال نمو الأنياب وسقوط الأسنان اللبنية، حيث تعود القواطع إلى أماكنها الطبيعية
في هذه المرحلة، وما بعدها أي خلال مرحلة المراهقة تبدأ التغيرات الهرمونية، ويبدأ الجسم باتخاذ شكل آخر، فتبدأ الملامح الأنثوية بالتكوّن لدى الفتاة، والملامح الذكورية لدى الفتى، شيئًا فشيئًا. ومع بقاء جذور الطفولة، وظهور ملامح الفتوة والصبا، يقف الإنسان حائرًا أمام هذه التغيرات.تُعتبر هذه المرحلة من أصعب المراحل، لما فيها من صراع داخلي بين الطفولة والمراهقة، وصراع خارجي مع الأهل والمجتمع. هنا نصف حالة "البطة القبيحة"، وأشبهها بالصراع الذي يخوضه الإنسان مع ذاته. ففيها تعيش صراعك مع إثبات ذاتك، وسعيك نحو الاستقلال، وتواجه تغيرات مفاجئة، وأحكامًا تصدر عن الآخرين ومحاولات لفرض الرأي وتحديد الحدود الشخصية. إنها مرحلة مليئة بالتقلبات، نأمل في نهايتها أن نصل إلى السلام الداخلي والحكمة .ومن هنا نصل إلى المرحلة الأخيرة، إلى آخر سن يظهر في فم الإنسان، وهو ضرس العقل او سِن الحكمة (Wisdom Tooth)، الذي ارتبط بمسميات كثيرة توحي بأن الإنسان قد بلغ النضج أخيرًا بعد كل تلك التقلبات العويصة.
لكن، هل يعني تأخر بعض الأمور في الظهور أنها بالضرورة تحمل قيمة؟ وهل الوصول إلى عمر معين يعني أنك نضجت فعلًا؟ ومن أكثر المشكلات التي تواجهنا في عيادات الأسنان هي مشاكل ضرس العقل. والمفارقة أنه لا يظهر دائمًا في سن الثامنة عشرة كما هو شائع، بل قد يمتد ظهوره إلى سن الثانية والعشرين أو حتى الخامسة والعشرين، وقد لا يظهر إطلاقًا وهذا طبيعي جدًا. فليس له فائدة قصوى، إذ إن وجود ضرسين قبله كافٍ لطحن الطعام. بل إنه، في بعض الأحيان، يكون مطمورًا في سباتٍ عميق، ولا يسبب أي ضرر، ما لم يضغط على الأعصاب أو يسبب التهابات.ويجدر الذكر أيضًا أن خلع ضرس العقل لا يؤثر إطلاقًا على العقل أو التفكير، كما قد يظن البعض، ولا يؤثر كذلك على القدرة على مضغ الطعام بكفاءة، إذ إن بقية الأضراس تؤدي هذا الدور بشكل كاف. وما نتعلّمه من ضرس العقل هو أن (العمر مجرد رقم ) جملة صحيحة بكل ما تحمله من معنى. فكونك وصلت إلى عمر معين لا يعني بالضرورة أنك أصبحت ناضجًا، بل إن النضج الحقيقي هو ما تكتسبه من التجارب التي مررت بها، والمحن التي واجهتها، والعثرات التي أسقطتك مرارًا، وما زلت تنهض بعدها. تلك التجارب تصقلك، وتنضجك، وتضيف إلى رصيدك، حتى لو لم تبلغ "العمر التقليدي" للنضج.فذلك العمر الذي وُصف لك كمقياس، قد يأتي، ولكنه قد لا يجدي نفعًا حقيقيًا إن لم يكن وراءه تجارب عميقة.
فـالحكمة، يا صاحبي، ليست مرتبطة بسنٍ معين، ولا بمرحلة محددة، وإنما تكمن في الرحلة، في السعي، لا في الوصول.أن تعيش كل مرحلة من مراحل حياتك بكل حب، وتستمتع بها، حتى لو لُقّبت خلالها بـ"البطة القبيحة"، ستغدو هذه الذكريات لاحقًا جميلة، مشبعة بالمعنى. فـعَيش اللحظة الحقيقي لا يعني فقط أن تغرق فيها، بل أن تُدرك معناها، وأن ترى آثارها ومآلاتها القادمة، أن تُبصر الصورة الكاملة، وأن تعي أن هذه اللحظات، بتراكمها، تُشكّل شخصيتك، وتؤثر في مصيرك، وستُحاسب عليها يومًا ما.
الحِلمُ، والأَناةُ
أخرج الترمذي في سننه حديثا عن عبد الله بن عباس رضي الله عنه، أن النبي ﷺ قال لأَشجّ بن عبد القيس رضي الله عنه: (إنَّ فيكَ خَصلتينِ يحبُّهُما اللَّهُ: الحِلمُ، والأَناةُ) وأما الحلم فهو العقل، وأما الأناة فهي التثبيت وترك العجلة .
ختامًا: الحياة تكمن في التفاصيل الصغيرة، لم يخلق الله هذا الكون عبثًا، بل لنقف فيه قليلًا نتأمله ونتفكر فيه. ربما يكون تأملك في النجوم سببًا لطمأنينةٍ تسري في قلبك، وربما هرةٌ تطعمها برحمة، تكون طريقك إلى الجنة، كما كانت سببًا في دخول امرأةٍ النار. الله سبحانه وتعالى يهتم بهذه التفاصيل دمعةٌ من خشية، ابتسامةٌ في وجه أخيك، كلمةٌ طيبة، كلها تُكتب، وتُوزن وتُرفع. العالم قد يُشعرك اليوم بأنك بلا قيمة، لأنك لا تنتمي لمقاييسه ، لكن الله يريدك أنت، كما أنت بضعفك، بدموعك، بانكسارك، يريدك بقلبك، لا بقوالبهم. ومن جميل ما قرأت: أن لسنٍّ واحدة من أسنانك، إن وقع عليها اعتداء، فهي عند الله حقٌّ محفوظ، ويُقتص لها بعدل دقيق كما قال تعالى: ﴿ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ ﴾.
الحياة العامة حسب المعايير السائدة ليس بالضرورة حكماً مصيباً أو نهائياً، وأن الإنسان قد يفشل بالمعايير السائدة، ولكنه قد ينجح بمعايير أكثر أصالة وإبداعاً .
عبد الوهاب المسيري
﴿ ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍۢ ثُمَّ جَعَلَ مِنۢ بَعْدِ ضَعْفٍۢ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنۢ بَعْدِ قُوَّةٍۢ ضَعْفًا وَشَيْبَةً ۚ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ ۖ وَهُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْقَدِيرُ ).
اللهمَّ انفَعْني بما علَّمتَني، وعلِّمْني ما ينفَعُني، وزِدْني علمًا، والحمدُ للهِ على كُلِّ حالٍ.








حللوووووووة يا غيدااااءء حلوووة و مفيدة و ذكييه 🩷🩷
رااااااااااائعة !