في قلبي حديقة سرية مليئة بالورود
❀ جَنَّتِي وَبُسْتَانِي فِي صَدْرِي ❀
في قلبي حديقةٌ سرّيةٌ مليئةٌ بالورود، لا يراها أحد سواي. كلُّ صباحٍ، أفتح أبواب هذه الحديقة بهدوء، أرى الشمس تتسلل بين أغصان أشجارها، وتداعب أزهارها بأشعتها الدافئة. عبير الزهور يملأ المكان ويبث في الأرجاء طمأنينةً وسكينة. أمشي بين الممرات الضيقة، أُفَتِّش عن البراعم الجديدة، وأسقيها بالماء، وأراقب بذور الأمس وقد بدأت تنبض بالحياة. ثم أختار ظلًا تحت شجرة بهية، وأجلس هناك، أتأمل الحديقة من بعيد، كما لو أنني أمام لوحةٍ فنيةٍ مهيبة؛ جمالها يأسرني، لدرجة أنني أخشى أن أفسدها بكثرة التأمل. تتسلل إلى وجهي ابتسامةٌ دافئة، كما لو أن قلبي شكرني بصمت على زيارتي.
بعد أن أنتهي، أغلق الباب بعناية وأذهب لأكافح في هذه الحياة، متمسكةً بربيع الزهور الذي يساعدني على تحمل تعبها. دائمًا تعجبني فكرة المخبأ السري؛ أن يكون لك شيء خاص بعيد عن الناس، مثل بيت الشجرة الذي يظهر في الأفلام عندما يتسلل إليه الطفل والناس نيام،أو مقهى سري في الحي لا يعرفه أحد، اكتشفته صدفة، وصرْتَ تذهب إليه كثيرًا، حتى شعرتَ كأنك كوّنت فيه أسرة صغيرة، يعاملونك بودّ خاص، كأنك واحد منهم، وكأن بينك وبين المكان سرًّا لا يعرفه أحد سواك. أو خزانتك السرية التي تخفي فيها رسائلك الورقية أو أي شيء ثمين تود أن تبقيه بعيدًا عن أنظار الناس. تلك الحميمية بينك وبين أشيائك الخاصة تضفي عليك شعورًا بالأمان، وكأنك في ملاذ خاص لا يعرفه إلا أنت ! وكذلك نفسك، هناك شيء سري بينك وبينها، لا تريد أحدًا أن يطلع عليه. ليس بالضرورة أن يكون شيئًا سيئًا، لكنه جزء من كينونتك، وإذا فقدته ستصبح كأنك بلا جذور. في معظم العلاقات، يذوب الناس مع بعضهم دون أن يحافظوا على هذا الشيء الخاص، الذي بدوره يقوي العلاقة ويمنحها عمقًا.
بدونه، ستنصهر حتى تتحول إلى رماد، يتبدد في التراب، فتغدو صحراء قاحلة. لقد كنت أنا هذه الحديقة، التي كانت يومًا ما صحراء بائسة، تعصف بها رياح جامحة لدرجة أنني كنت أشعر بها، بل ومن شدّتها أحسست أن رمالها وصلت إلى عيني. تركت غشاوة عليهما، أرى بها الأشياء ولكن لا أبصرها، ألمس الأشياء ولكن لا أحسّ بها، أقول الكلام، ولكن لا أذوق معناه. حتى جاء يوم نزل فيه مطر شديد، غزير، لم أعهده من قبل. قبل ذلك، كانت الأيام ملبّدة بالغيوم، حتى صار النهار كالليل، والليل كظلمات البحر اللُّجي. كانت الغيوم كأنها صدرٌ مكتوم، لا يحتاج إلا تنهيدة واحدة لينفجر. شعرت بهزّات في روحي، ربما كان ذلك صوت الرعد، الذي جاء لينذرني بأن الوقت قد حان لهطول المطر. فأمطرت، وأمطرت، وأمطرت، كأن السماء تبكي بالنيابة عني، حتى زالت الغشاوة عن عيني، فأبصرت. وفي بقعة ما من تلك الصحراء، ربما كانت هناك بذرة، ربما كانت رحمةً من الله، أو عملًا صالحًا قدّمته خالصًا لوجهه ثم نسيته. تلك البذرة لم تكن تعلم أنها ستنبت، وتصبح حديقةً متكاملة. ربما كانت تحتاج فقط إلى قطرة ماء لتنمو، لكنها لم تكن تدري أن الله سيمطر من أجلها. فمقاييس الله عظيمة، لا يدركها العقل البشري المحدود. كما حدث مع السيدة هاجر - عليها السلام - التي كانت في محنةٍ عظيمة، تبحث يائسَةً عن الماء لطفلها الرضيع. تركض هنا وهناك، تأمل أن يأتي الفرج من هذا الاتجاه أو ذاك. لكنها لم تكن تعلم أن الرحمة الإلهية لا تأتي دائمًا من حيث نتوقع؛ فقد نبع الماء الغزير من تحت أقدام طفلها - اسماعيل عليه السلام - فجعل الله هذا البئر ينبوع الحياة الذي ما زال ينبض حتى اليوم.وكذلك نحن، نظن أحيانًا أن الفرج والسعادة يجب أن يأتي من الخارج، من ظروف معينة أو أشخاص محددين، ولكن الحقيقة أن الفرج الحقيقي يبدأ من تلك البذرة الصغيرة في داخلنا، في حديقة القلب السرية التي تسقى بالإيمان واليقين والرضا. فهي التي تنمو وتزدهر، وتصبح مصدر نور وسكينة لا ينضب.
فأنا الآن أعيش على بذرة الحب التي زرعها الله في قلبي، تلك البذرة الصغيرة التي سُقيت بلطفه ورعايته، فأنبتت في داخلي حديقة من سكينة ونور. أتمشى حولها وأتأملها، أُعالج ما تضرّر منها، وأرى النامي يكبر ويزدهر، وأسمح لنسمات السكون أن تداعب روحي. أراقب الغروب، وأسمح لألوانه الدافئة أن تمسح عن قلبي ثقل التعب. تفيض الدموع صامتة، ويحتضنني ضوء القمر ورفقة النجوم في وحدتي، وأُحدّث نفسي كصديقٍ قريب، يفهم حتى صمتي، ذلك النوع من الأصدقاء الذين يكفي وجودهم لتشعر أنك بخير. فجأة، وأنا أكتب، خطر في بالي توتورو. لا أدري لماذا، ربما لأنني تذكرت شعور الطمأنينة العميق الذي تبثّه أفلام غيبلي، وارتبطت بهذا الشعور الداخلي الذي ينمو في قلبي. توتورو، ذلك الكائن الودود من أفلام ستوديو غيبلي التي أحبها، كنت ألجأ إليه في أيام حزني لما تنشره من راحة وهدوء. من بين كل الشخصيات التي أحبها في تلك الأفلام، يبرز توتورو كرمز للطمأنينة التي أبحث عنها. ولمن لا يعرفه، فهو كائن محبوب يظهر في قصة تبعث على الانشراح والسلام. وأعتقد أن الجميع يرغب، ولو ليومٍ واحد، أن يعيش داخل قصة من قصص غيبلي، لما تمنحه من سكون داخلي ونقاء، كأنها نسيم يمرّ عبر الروح. فقلت لنفسي: لِم لا أُجسّد هذا الصفاء الذي بدأ ينبت داخلي؟ أخشى أن يمرّ كنسمة ولا أعيشه كما يستحق. لطالما مررت على لحظات السعادة دون أن أمنحها حقها، كأنني كنت أعتذر عن الفرح أو أؤجّله. لكن الآن، أريد أن أعيشه بكامل كياني، أن أتمسك به، وأقصي عني كل ما يعكر صفوه أو يفسده، مهما كان.
هل ربما هذه هي جنة الله في الأرض؟
فقد سمعت مقولة لشيخ الإسلام ابن تيمية يقول فيها: "إن في الدنيا جنة، من لم يدخلها لا يدخل جنة الآخرة." وقال لي مرة: "ما يصنع أعدائي بي؟ أنا جنتي وبستاني في صدري، إن رُحت فهي معي لا تفارقني، وإن حُبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة."
وهذه المقولة تُعجبني كثيرًا، لأنها تؤكد أن السعادة الحقيقية تنبع من الداخل. حتى لو كنت وحدك، في كوخ أو كهف، يمكنك أن تصنع من حولك بُستانًا، فقط إن غيّرت طريقة نظرك للأشياء.
مُضْغَةً
قال النبي ﷺ: «ألا وإنَّ في الجَسَدِ مُضْغَةً، إذا صَلَحَتْ، صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وإذا فَسَدَتْ، فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، ألا وهي القَلْبُ» .
أوصيك يا صاحبي أن تعتني بقلبك. هذا العضو الذي ينبض داخلك هو أنفس ما تملك. لا تتركه في أيدي العابرين، ولا تستهِن به، بل جاهد أشدّ الجهاد لتبقيه حيًّا، نابضًا، مشرقًا. أعلم أنك قد تعبت، وتحملت، وجاهدت. هذه الدنيا لا ترحم، ونحن نعيش في زمنٍ مخيف. فاحفظ قلبك، واستودعه عند ربّك، فهو الرحمن الرحيم، لا يريد منك سوى قلبك. لا علمك، ولا عملك، ولا مالك؛ يريد هذه الجوهرة الساكنة في صدرك، لأنها هي التي تُحرّكك، وهي التي تُنير دربك. هذه المضغة الصغيرة هي ما يريده الله منك، فاجعلها في حفظه، واسقِها بذكره، وكن معه دائمًا. فوالله، لن ينفعك شيء إلا أن تكون في رحابه، وتحت لطفه، وبرعايته. بل سيجبرك، ويغسل عنك كل ألم، كأنك لم تبكِ يومًا، ولم تُكسر يومًا، ولم تزرع خيبة. أعلم أن هذه الرحلة طويلة. فقدت فيها أشياء، واكتسبت أشياء. تحبطُ أحيانًا، ثم تقف من جديد. لا أريد شيئًا سوى أن أبعث فيك الأمل من جديد. كل شيء من حولنا يدعونا للانكسار: الوجوه المرهقة، الرتابة، الضغوط، لكن الله يريدنا أن نجاهد ونحن متفائلون. هذه الدنيا سجن المؤمن، والخلاص الوحيد فيها هو الجنّة. فاسأل الله أن يجمعنا في الجنة، على سررٍ متقابلين، كأننا لم نذق في الدنيا تعبًا، ولا وجعًا، ولا خيبة. فهوِّن عليك، يا صاحبي.. فكلّ ما دون الجنّة، دُون.







إليكِ يا غيداء...
يا من يَنبض قلبكِ لا بالحياة فقط،
بل بِالورد، واللطف، ونُبل الروح.
أكتب لكِ لأنكِ لستِ كأيّ أحد…
يا مَن تنبت في قلبها الورد وتخفي
العطر عن الضجيج،
أنتِ نقاءٌ تمشى، وسلامٌ يُزرَع، وضياءٌ
ينعكس في عيون من حولك.
طيبة قلبكِ تُدهش، وصدق مشاعركِ يُبهِر.
وحديثكِ يُريح، ودعاؤكِ يصل.
فدمتِ يا غيداء كما أنتِ…
قلبًا لا يُشبه أحدًا، ونبضًا يُشبه الحياة.
كتابة لطيفة على القلب ✨