" فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُم ْ "
نحن مقبلون على أيام عظيمة جدًا، هي أيام العشر من ذي الحجة، التي العمل فيها خيرٌ من الجهاد في سبيل الله.
وقد شهد لها الرسول صلى الله عليه وسلم بأنها أفضل أيام الدنيا، وحثَّ على الإكثار من العمل الصالح فيها.
بل إن الله تعالى أقسم بها، وهذا وحده كافٍ في بيان شرفها وفضلها، إذ إن العظيم لا يُقسم إلا بعظيم.
وهذه الأيام المباركة من هذا الشهر الفضيل، هي من الأشهر الحُرُم التي عظّمها الله عزَ وجل .
الأشهُر الحُرُم :
وهي رجب وذو القعدة وذو الحجة ومحرم .
لماذا سُمِيت بهذا الاسم ؟فالله -عز وجل- نهى عباده عن الظُّلْم، ولا سيما ظُلم النفس الذي يكون بالتعدي على حرمات الله أو ترك أوامره، أو يكون بالتعدي على حقوق عباده سبحانه، وهو محرمٌ في كلِّ زمانٍ وفي كلِّ مكانٍ، لكن الظلم قد يغلظ ويعظم في بعض الأزمنة أكثر من غيرها كالأشهر الحرم، يغلظ ويعظم في بعض الأماكن أكثر من غيرها كمكة والمدينة؛ من أجل ذلك نهى الله سبحانه عن ظلم النفس وخصّ بالذِّكْر هذه الأشهر الحرم، فقال تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة: 36]
وذلك لأن هذه الأشهر أشهر سلمٍ وسلامٍ، وأمنٍ وأمانٍ، يأمن الناس فيها على أموالهم وأعراضهم ودمائهم، فيأمنون في أشهر الحج لأداء فريضة الحج، ويأمنون في شهر رجب لأداء العمرة كما كانت عادة العرب؛ لذلك عظّم الله في هذه الأشهر سفك الدماء.
- فضائل العَشر من ذي الحجَة :
١- إن الله أقسم بها ولا يقسم ربنا إلا بعظيم من المخلوقات أو الأوقات،قال تعالى: (وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ)
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أفضلُ أيامِ الدنيا أيامُ العشْرِ)
أيام عشر ذي الحجة أفضل أيام الدنيا،فأيامها أفضل من أيام رمضان وليالي رمضان أفضل من ليالي ذي الحجة.
٢- : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام ! قالوا يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك بشيء " .
وَفِي الْحَدِيثِ: "رَأْسُ الأَمْرِ: الإِسْلامِ، وَعَمُودُهُ: الصَّلاةُ، وَذِرْوَةُ سَنَامِهِ: الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ الله"
السَّنام: هو أعلى الشيء، وسنام البعير: أعلاه، والذروة: أعلى السنام؛ لأن السنام أعلى شيء، وأعلى شيء في السنام هو الذروة، وأطلق على الجهاد أنه ذروة سنام الإسلام؛ لأن فيه علو الإسلام وظهوره وقوة المسلمين وتفوقهم على الكفار وغلبتهم لهم .
فعملك الصالح في هذه الأيام الايام أفضل من الجهاد في سبيل الله .
٣- اجتماع أمهات العبادة فيها:
قال الحافظ ابن حجر في الفتح: (والذي يظهر أن السبب في امتياز عشر ذي الحجة لمكان اجتماع أمهات العبادة فيه، وهي الصلاة والصيام والصدقة والحج، ولا يتأتى ذلك في غيره).
"وها نحن قد وافَتنا أيام عظيمة هي شامَة في جَبين العُمر، وغُرَّة في تاريخ الإسلام ، والخائب الخاسر مَن مرَّت عليه أيامًا كالأيام، وقضى أوقاتها كما تُقضى سائر الأوقات، والسعيد من وفَّقه الله فجعلها ظَرفا لأنواع الصالحات وأصناف البِر، وإنها لَفُرصةٌ عظيمة يستدرك فيها مَن قَصّر في رمضان أو فَرَّط، فإنَّ منزلة هذه العَشر الأوائل كتلك العشر الأواخر من رمضان، في الخير والبركة ونزول الرحمات والعتق من النار".
كيف أغتنم العشر من ذي الحجة ؟؟
أريد أن أشير إلى نقطة مهمة: نعم، هذه الأيام عظيمة جداً، وهي من شعائر الله، قال تعالى:{وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ} وكلنا نريد الأجر والثواب، وأسأل الله أن يوفقنا جميعاً لاستغلال كل دقيقة من وقتنا في الأعمال الصالحة في هذه الأيام، وأن نجتهد فيها، ونُرغم أنفسنا على اغتنامها.ولكن أحياناً يدخل إلى النفس شعور بالخوف من التقصير في أداء الأعمال كما ينبغي، والخوف من أن تضيع هذه الأيام سُدى. وهذا مدخل من مداخل الشيطان، ليصرفك عن عبادة الله، ويزرع اليأس والإحباط في قلبك، حتى تترك المحاولة.لكن أريد أن أطمئنك: الله يعلم بنيتك وما في قلبك، وقد يُضاعف لك الأجر في عمل تراه بسيطاً، لكنه عند الله عظيم. فالله يريد الكيف لا الكم، والله أعلم بحالنا، ولا يُكلِّف نفساً إلا وُسعها.فقد يفتح الله لك باباً في عبادة معيّنة، ويُغلق عليك باباً في عبادة أخرى. لذلك، فإن الدعاء مهم جداً: أن تسأل الله أن يوفقك لذكره وعبادته، {لا تدعَنَّ دبرَ كلِّ صلاةٍ أن تقولَ اللهمَّ أعنِّي على ذكرِك وشكرِك وحسنِ عبادَتِك } .لأن كل شيء هو توفيق من الله عز وجل، وليس فقط باجتهادك أو علمك .
الأعمال المستحبة في العشر :
١- تجديد النية والتوبة إلى الله :
كلنا نخطئ بالليل والنهار، وكلنا مستورون برحمة الله وفضله. ومن فضل الله علينا أن منّ علينا بأيام مباركة مثل هذه، لِنرجع إليه ونتوب قال رسول الله ﷺ:«لَلَّهُ أَفْرَحُ بتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِن أَحَدِكُمْ سَقَطَ علَى بَعِيرِهِ، وقد أَضَلَّهُ في أَرْضٍ فَلَاةٍ» .
٢- الصلاة :
يقولُ اللَّهُ تبارك وتعالى: ما تقرَّبَ إليَّ عبدي بشيءٍ أفضل من أداء ما افترضتُ عليْهِ، وما يزالُ يتقرَّبُ عبدي إليَّ بالنَّوافلِ حتَّى أحبَّهُ، فإذا أحببتُهُ كنتُ سمعَهُ الَّذي يسمعُ بِهِ، وبصرَهُ الَّذي يبصرُ بِهِ، ويدَهُ الَّتي يبطشُ بِها، ولئن سألني لأعطينَّهُ، ولئن دعاني لأجيبنه، ولئن استعاذَني لأعيذنَّهُ، وما تردَّدتُ عن شيءٍ أنا فاعلُهُ تردُّدي عن نفسِ المؤمنِ، يَكرَهُ الموتَ وأَكرَهُ مساءتَهُ .
قيام الليل :
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل ))
٣- الصيام :
«ما من عبد يصوم يومًا في سبيل الله إلا باعد الله بذلك اليوم وجهه عن النار سبعين خريفًا»
الصيام وحده يباعدك عن النار سبعين خريفًا فكيف بصيام ذي الحجة؟
صيام الأيام التسعة الأولى من ذي الحجة مستحب فقد ثبت عن النبي صيامهن فقد كان يصوم تسع أيام من ذي الحجة وعاشوراء وثلاثة أيام من كل شهر.
سيِّد الأيام "عرفة"
يوم عرفة هو اليوم التاسع من ذي الحجة , يقِفُ عليها الحجَّاجُ يومَ التَّاسِعِ من ذي الحِجَّةِ يَدْعونَ اللهَ ويَستَغفرونَه، «وإنَّه» سُبحانَه وتَعالى «لَيدْنو» دُنُوًّا يَليقُ بجَلالِهِ وعَظمَتِه، كما أثْبَتَه سُبحانَه لِنَفسِه، دُونَ تَشبيهٍ أوْ تَمثيلٍ، ثُمَّ يُباهي المَلائكةَ بمَن بعَرَفةَ منَ المسلِمينَ الواقِفينَ؛ فيُظهِرُ فَضْلَهم لهم ويُرِيهِم حُسنَ عَملِهم، ويُثْني عَليهم عِندَهم، وأَصلُ البَهاءِ: الحُسنُ والجَمالُ، فيُفاخِرُ بهم ويُعظِّمُهم بحَضرةِ الملائكةِ، «فيَقولُ: ما أَرادَ هَؤلاءِ؟»، أي: أيُّ شَيءٍ أَرادَ هَؤلاءِ حيثُ تَركوا أهْلَهم وأَوْطانَهم وصَرَفوا أَموالَهم وأَتعَبوا أَبْدانَهم؟ والجوابُ ما أرادوا إلَّا المَغفرةَ والرِّضا .
- أن صيامه يكفر سنتين: قال صلى الله عليه وسلم: " صيامُ يَوْمِ عَرَفَةَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ
- عظم الدعاء يوم عرفة قال النبي صلى الله عليه وسلم: (خير الدعاء دعاء يوم عرفة ) قال ﷺ: (خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير).
دعاءعرفة مُجابٌ كُلُّه في الأغلب-إن شاء الله- إلا للمعتدين في الدعاء بما لا يُرضي الله". يقول أحد الصالحين : والله ما دعوتُ دعوةً يوم عرفة وما دار عليها الحول إلا رأيتها مثل فلق الصبح ! وكان الأوزاعي يقول : أدركتُ أقواماً كانوا يُخبِّئون الحاجات إلى يومِ عرفة ليسألوا اللهَ إياها ! الحّو في الدعاء واطلبوا من الله كل شي من خيري الدنيا والاخرة فان ربكم كريم .- أنه يوم مغفرة الذنوب والعتق من النار والمباهاة بأهل الموقف:
قال نبيناﷺ: ما من يوم أَكثر من أَنْ يُعتق الله فيه عبدا من النّار من يوم عرفة..
٤- الذكر :
قال صلى الله عليه وسلم: " ما من أيامٍ أعْظَمُ عندَ اللهِ ولَا أَحَبُّ إلى اللهِ العملُ فيهِنَّ مِنْ أَيَّامِ العشْرِ فأَكْثِرُوا فيهِنَّ مِنَ التسبيحِ والتهليلِ والتحميدِ والتكبيرِ "
٥- قراءة القران :
عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من قرأ حرفا من كتاب الله فله حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: ألم حرف، ولكن: ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف»
٦- وهناك أعمال أخرى يستحب الإكثار منها :
الصدقة ـ والاستغفار ـ وبر الوالدين ـ وصلة الأرحام والأقارب ـ وإفشاء السلام وإطعام الطعام ـ والإصلاح بين الناس ـ والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ـ وحفظ اللسان والفرج ـ والإحسان إلى الجيران ـ وإكرام الضيف ـ والإنفاق في سبيل الله ـ وإماطة الأذى عن الطريق وغيرها .
فاستبقوا الخيرات وسارعوا إلى مغفرة من الله وجنةٍ عرضها السماوات والأرض , ولا ننسى الدعاء للإخواننا في غزَة والسودان والمستضعفين في كل مكان وأن يعم الأمن والسلام في سائر بلاد المسلمين .
( وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ).
بودكاست وعي لمن يرغب في فهم أعمق عن العشر من ذي الحجة، في هذا الرابط تجدون حلقة من بودكاست وعي تطرّقوا فيها إلى مواضيع متعددة. حلقة ممتعة ومفيدة جدًا .
أسأل الله بمنه وكرمه أن يوفقنا وإياكم الى فعل كل خير واجتناب كل شر، وأن يكتب لنا وإياكم في هذه الأيام المباركة خير ما كتبه لعباده الصالحين .
وصلّ الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.





