وَاسَوْأَتَاهُ مِنْكَ وَإِنْ عَفَوْتَ
ما بين الخوف والرجاء
وأنا أناجي ربي كنت دائمًا أسأله يا رب هل أنت راضٍ عني؟ هل أنا على الطريق الصحيح؟ أسأل ربي هذا السؤال راجيةً إجابة تطمئنني، لكن ماذا لو كانت الإجابة نعم؟ هل سأُكمل الطريق أم سأأمَنُ ؟ وإذا كانت لا، هل سأكمل أيضًا أم سأيأس؟ فتوصلت إلى قناعةأني يا رب أحتاجك في كل نفسٍ أتنفسه أحتاج إليك في فرحي، وحزني، وضيقي، وتعبي . أن تُديم احتياجي إليك، هو أعظم نعمة. توصلتُ إلى أن هذا الشعور الذي يُقلقني، وشكّي، وتناقضات مشاعري، ما هي إلا دليل على الحياة، ووقودٌ للاستمرار في هذا الطريق. في خضم هذا العالم الذي يتأرجح دون توقف، تبحث الروح عن التوازن، وتسعى للوصول إلى تلك المرحلة، وتحارب هذا الكمّ من التناقضات لتحظى أخيرًا بالسلام والنور والحب. ولكن، كيف سنشعر بلذة هذا السلام إن لم نذق ضده؟ كيف سنرى النور إن لم نغص في الظلمات؟ كيف سنفهم الحب والسلام إن لم نمرّ بفوضى المشاعر وألمها؟ المغزى ليس في أن نتخلص من الشعور السيئ، بل أن نعيشه ونحتويه، ونحن نعلم في قرارة أنفسنا أنه سيزول يومًا ما، وأن نعطي كل شعور حقّه. أُشبّه هذه المشاعر وكيفية التحكم بها وصولًا إلى حالة الاتزان بالقارب والمجاديف، فلكي يتحرك القارب، يجب علينا التجديف، ويجب أن يكون التجديف من الجهتين،كل جهة تمثل شعورًا ونقيضه، ويجب أن أعيش كليهما لأتحرك بثبات، فإلا لن يتحرك القارب، بل سيدور في مكانه أو يغير اتجاهه.وندرك أيضًا أن هذه المشاعر لن تزول تمامًا، بل إنها تخبو وتشتعل من جديد كلما وُجد ما يحفّزها. فليست الغاية أن نهرب منها، بل أن نتعلم مواجهتها بصدق، واحتواءها بوعي. وكذلك في عبادتنا لربنا تبارك وتعالى، نعبده بالخوف والرجاء، بحيث لا تطغى جهة على الأخرى، لنستمر على الطريق، الطريق المستقيم.
قال ابن القيم رحمه الله :
"تَعلَم أنك ناقص، وكل ما يأتي من الناقص ناقص، وهو يُوجب اعتذاره منه لا محالة، فعلى العبد أن يعتذر إلى ربه من كل ما يأتي به من خير وشر؛ أما الشر فظاهر، وأما الخير فيعتذر من نقصانه، ولا يراه صالحًا لربه، فهو مع إحسانه معتذر في إحسانه، ولذلك مدح الله أولياءه بالوجل منه مع إحسانهم، بقوله: (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ)". أي: يَفعَلون ما يَفعَلون مِن الأعمالِ وقلوبُهم خائفةٌ .
فإذا أمِنّا تكاسلت النفس وربما ضعف إيمانها، وعلى الجهة الأخرى إن خفنا ألّا تُقبل أعمالنا دخلنا في دائرة اليأس التي حذّرنا الله منها: {وَلَا تَيْئَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ}. وإنما نجدف باستمرار راجين رحمته وخائفين من عذابه، ونعلم أن كل بلاء ومِحنة إنما هما رحمة من اللّه ، لأننا قد نضعف وقد نصطدم بالمعوّقات في طريقنا، فقبل أن يتملّكنا الأسى، أو تطغى بنا الفرحة، يوقظنا الله بابتلاء يعيد إلينا الاتزان. وهنا أتذكّر الآية الجليلة التي تبعث الطمأنينة وتخفّف من وطأة الشعور: ﴿لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ .وقد يظنّ البعض أن هذا الابتلاء شر، لكن لو تأمّلنا فيه لوجدنا فيه خيرًا كثيرًا، فالله حتى في منعه عطاء .

فهذا التوازن بدوره يقودنا إلى الطريق المستقيم الذي ندعو الله به في كل صلاة (اهدنا الصراط المستقيم). كنت أتساءل دائمًا في صغري هل يجب على كلٍّ منا أن يكون على هذا الصراط المستقيم؟ كنت أظن بسذاجة مني أن هذا الطريق مخصص للمصطفين من الناس، الكاملين الذين لا يكلّون ولا يملّون من أداء جميع العبادات دون فُتور أو تعب، وكنت أربط هذا الطريق بالكمال. لكن تبيّن لي لاحقًا أن الله يريدني على هذا الطريق بنقصي، أن أسقط تارة وأن أنحرف تارة، لكنني أُعيد الاتزان دائمًا إلى الوجهة الصحيحة.فنحن مهما عبدنا الله، لن نبلغ الكمال، ولهذا شُرعت التوبة والاستغفار، لأن الله يعلم ضعف نفوسنا، ويحب أن نرجع إليه، وفي الحديث: (استقيموا ولن تُحصوا)، أي: لن تستطيعوا أن تعدّوا وتستكملوا كل وجوه الخير والطاعات بحولكم وقوّتكم ولا باجتهادكم واستطاعتكم، بل لن تطيقوه، وإن بذلتم مجهودكم. وكل ذلك يتطلّب الاستقامة مع الاستعانة بالله، وحُسن الرجاء فيه مع الخوف منه. وحتى لو ظننت أنك تقوم بجميع العبادات على أكمل وجه، ودخل في قلبك العُجْب والغرور، فسيقهرك الله ويجعلك تذنب لتعود إليه، فهو القاهر فوق عباده، وهو الذي وفقك لهذه العبادات، فحتى إذا عملت العمل الصالح ، يجب أن تسأل الله أن يتقبله منك. فإذا توجهت إلى هذا الطريق، اتّزن فيك كل شيء، وليس محصورًا في العبادة فحسب، بل يشمل جميع أمور حياتك، من أفكارك وأفعالك وأقوالك، وحتى تعاملاتك مع الناس.فالمغزى أن تثّبت هذا القلب على الصراط المستقيم على الفطرة السليمة. ومع سرعة هذا العالم وتقدم التكنولوجيا، أصبح الإنسان حائرًا ومشتتًا لا يعرف إلى أين ينتمي. تشوّهت الفطرة السليمة بمعتقدات كثيرة مغلوطة طمست نور القلب وجعلته أعمى. ولكي يستنير هذا القلب، وجب عليه أن يرجع إلى نور ربه وطريقه لينعش قلبه.فالإنسان يحتاج إلى تثبيت الإيمان في قلبه ثم يستقيم، لأن القلب هو الأساس، وهو موضع نظر الرب تعالى «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم». فإذا صلح القلب وطُهّر وزُكي، استقام الإنسان على الطريق المستقيم وعرف إلى أين ينتمي حقًا، لأن الانتماء الحقيقي ينبع من ثبات القلب على الإيمان، فهذا الطريق يجعلك تُفرق بين ما هو حقيقي وبين ما هو زائف ومادي، فطريق الله واحد ونوره واحد، والظلمات وسبلها كثيرة، ولذلك حذرنا الله من اتباعها في قوله:{وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله}. فبهذا تصل إلى عمق رسالة هذا الدين العظيم: (وكذلك جعلناكم أمة وسطًا لتكونوا شهداء على الناس)، دين يدعو إلى الوسطية والعدل، دين امتنّ الله عز وجل به على هذه الأمة المحمدية، بأن جعلهم أمة وسطًا، أي عدولًا خيارًا بين الأمم في كل شيء. دينهم أكمل الأديان، وكتابهم القرآن أعظم الكتب، ورسولهم خاتم الرسل وأفضلهم. قال ابن القيم: "وظهرت حكمته في أن اختار لهم أفضل قبلة وأشرفها، لتتكامل جهات الفضل في حقهم بالقبلة والرسول والكتاب والشريعة".
إلهي، أرجو رحمتك رجاء الملهوف، وأخشَى عذابك خشية المذنب المعترف، وأتأرجح بين الخوف والرجاء، فلا يغلبني اليأسُ فأقنط، ولا يغمرني الأملُ فأأمن، بل أقف بينهما وقوف العبد المحتاج، راجيًا رضاك، وخائفًا سخطك .





كلماتك لامست اعماق قلبي بارك الله فيكِ, سؤالك: "هل أنت راضٍ عني؟" ليس مجرد تساؤل، بل هو مقامُ يقظة، لا يسأله إلا قلب حيٌّ يخاف ان يغفل عن ذكر الله ويرجوا أن تقبل اعماله بصدق وخوف و محبة ورجاء.
والأجمل أنكِ وصلتِ إلى الحقيقة العظمى: أننا نحتاج الله في كل لحظة، في كل شعور، في كل نظرة، في كل تنهيدة. فأعظم نعمة أن نشعر بالحاجة إليه، أن لا نكتفي بأنفسنا، ولا نطمئن إلى حالنا.
ودائمًا أُذكّر نفسي في كل عبادة، إن قَلَّ فيها خشوعي أو خالطني ضعفٌ أو فتور، أنني أنا الضعيف، أنا من يحتاج الله، وليس هو من يحتاجني.هو الغني عن العالمين، وأنا الفقير المفتقر إليه في كل لحظة، في كل سجدة، في كل نفس.
أجمل مقال قرأته