كُنْ سَلْمُونًا حِينَ يَنْجَرِفُ الجَمِيع
لونك الخاص يستحق أن يُرى
﴿ صِبْغَةَ اللَّهِ ﴾
دائمًا ما كانت قصص المخلوقات من حولي تجعلني أقف متأملة في عظمة الله سبحانه وتعالى وبديع صنعه في خلقه؛ فسبحان الله كيف أن كل مخلوق يحمل بداخله قصة وآية من آيات الله، ولكننا أحيانًا نمر عليها دون أن ننتبه لهذا الجمال المخفي. قصة سمك السلمون كانت من القصص التي حُفرت في ذاكرتي، لأنها جعلتني أتأمل أكثر في دقة خلق الله وحكمته، وكيف أن مخلوقًا صغيرًا قد يعيد تعريفنا لمعنى الحياة، ويفتح أعيننا على معانٍ عميقة لم نكن ننتبه لها من قبل. وسبحان الله كيف تتغير نظرتنا للأشياء مع مرور الوقت؛ فقد كنت سابقًاعندما تبدأ قناة ناشونال جيوغرافيك أغيّرها فورً وأتساءل: من لديه الوقت ليتابع حياة الحيوانات؟ أما اليوم فأجد نفسي أتأمل في عالمها بشغف، وأرى فيه بديع صنع الله عز وجل في خلقه. لم أكن أعرف عن سمكة السلمون سوى لونها البرتقالي وطعمها القريب من سمك التونة، لكنني لم أكن أعلم أن هذا اللون الذي ارتبط بها في أذهاننا لم يكن لونها الأصلي، بل إن لونها الحقيقي في بدايتها كان رماديًا مائلًا إلى الفضي لكن خلف هذا التحول قصة طويلة من التغير والكفاح، رحلة خاضتها حتى اكتسبت ذلك اللون الذي أصبح علامة تميزها. لا أعلم إن كنتم تعرفون قصة السلمون من قبل، لكنني أريد أن أرويها لكم بطريقة مختلفة؛ أن تعيشوا هذه الرحلة وكأنكم أنتم سمكة السلمون، تشعرون بمراحلها وتحدياتها، ثم نتوقف عند كل مرحلة لنستخرج منها تأملًا صغيرًا مما علمتني إياه هذه الرحلة العجيبة. وسنغوص معًا إلى أعماق أبعد مما توقعت، من رحلة سمكة صغيرة في البحار إلى معاني أعمق عن الحياة، وعن الألوان التي نراها ونحملها، حتى نصل إلى مفهوم اللون في علم طب الأسنان ونظام مانسل، ثم إلى معنى أعظم وهو صبغة الله ونور الله في القلوب. وكل هذا بدأ من مخلوق بسيط… سمكة سلمون، لكنها قادتنا إلى التأمل في عظمة الخالق وبديع صنعه..
أنت الآن سمكة سلمون، فتحت عينيك فجأة، فإذا بك تجد نفسك تسبح في الماء، محاطًا بملايين الأسماك التي تشبهك. حاولت أن تقترب منها، لعلّك تعرف من أنت، وأين أنت، وما الذي تفعلونه هنا؟ لكنك وجدت نفسك تدور معها في نفس الاتجاه، دون أن تعرف شيئًا سوى أنكم جميعًا تتحركون معًا.مضت الأسابيع الأولى، وأنتم في المياه العذبة، مسترخون، آمنون، مطمئنون. ثم بدأت تلاحظ أن حجمك يزداد يومًا بعد يوم، وبدأتم تتجمعون معًا وتتشكّلون في مجموعات، وكأن هناك شيئًا يُعدّكم لمرحلة جديدة. لقد حان وقت الاستعداد للهجرة نحو المحيط، فمع نموّكم أصبحت حاجتكم إلى الطعام أكبر، ولم تعد المياه العذبة المكان الذي ستكملون فيه رحلتكم. هناك طريق آخر ينتظركم، ورحلة أعظم لم تبدأ بعد.
وفي هذه المرحلة، ستبدأ أنت وبقية الأسماك بالتجمع وتشكيل مجموعات استعدادًا لبدء هجرتكم الأولى نحو المحيط. ستعيش هناك ما بين عامين إلى سبعة أعوام، تقضيها في المياه المالحة، تتغذى وتكتسب ما يكفي من الطاقة، حتى تنمو وتنضج ويصبح جسدك مهيئًا بشكل غريزي للمرحلة القادمة؛ مرحلة التكاثر ووضع البيض. فالمياه المالحة الغنية بالموارد الغذائية تمنحك البيئة المثالية التي تحتاجها، فتساعدك على مضاعفة حجمك واكتساب أكثر من ٩٩٪ من وزنك خلال هذه الفترة، لتخزن في جسدك الطاقة الكافية للرحلة الأصعب التي ستعود فيها لاحقًا إلى موطنك الأول؛ المياه العذبة. وبعد سنوات طويلة قضيتها في المحيط، حان الوقت للعودة… حان وقت التكاثر للمرة الثانية في حياتك. ستتجمع أنت وبقية أسماك السلمون من جديد استعدادًا للهجرة، لكن هذه الهجرة ليست كالهجرة الأولى؛ فهذه المرة ليست رحلة بحث عن الغذاء، بل رحلة عودة إلى الأصل، رحلة لوضع البيض واستمرار الحياة. ولأنك لا تستطيع وضع البيض إلا في المياه العذبة، فعليك العودة مرة أخرى إلى الأنهار. والأعجب من ذلك أنك لن تضع بيضك في أي مكان، بل ستعود إلى المكان نفسه الذي بدأت فيه حياتك؛ إلى النهر الذي فقست فيه أول مرة. كيف تستطيع تذكر هذا المكان بعد سنوات طويلة قضيتها تائهًا في المحيطات؟ كيف تعرف الطريق إلى موطنك الأول رغم المسافات الهائلة التي قطعتها؟ إنها قدرة عجيبة ما زالت تحيّر العلماء، ولا يعلم سرها إلا الله سبحانه وتعالى. وفي شهري سبتمبر ونوفمبر، عندما تبدأ أوراق الأشجار بالتساقط معلنةً قدوم الخريف، يحين موعد هجرتك. لا يهم كم ستقطع من المسافات، ولا حجم المحيطات التي عبرتها، فأنت تحمل في داخلك بوصلة خفية تقودك نحو مصب النهر الذي زرته لأول مرة في حياتك. ومن هناك تبدأ الرحلة الأصعب… تبدأ السباحة عكس التيار، صعودًا نحو الأعلى، متحديًا قوة الأنهار الجارفة. وتبهرنا من جديد بقدرتك العجيبة، إذ تستطيع السباحة عكس اتجاه التيارات لمسافة تصل إلى ٥٠ كيلومترًا في اليوم الواحد. سبحان الله… كيف لسمكة صغيرة أن تواجه قوة الماء وتسير بعكس اتجاهه؟ وليس هذا هو التحدي الوحيد، فطريق العودة مليء بالمخاطر، إذ تنتظرك في رحلتك مفترسات عديدة، وعلى رأسها الدببة التي تترقب وصولك بفارغ الصبر. فموسم هجرة السلمون بالنسبة للدببة ليس مجرد وقت عابر، بل هو حدث سنوي تنتظره كل عام، وكأنه احتفال خاص بالطبيعة. تقف على حواف الأنهار تراقب المياه، منتظرة لحظة قفزك أمامها أثناء محاولتك مواصلة طريقك. لكن هذه الهجرة ليست كهجرتك الأولى… فهذه المرة الطريق أكثر قسوة، والمخاطر أكبر، ولن يصل الجميع إلى النهاية. فالكثير من أسماك السلمون ستنتهي رحلتها هنا قبل أن تحقق هدفها الأخير..
فبعد أن قطعت آلاف الكيلومترات في هجرتها، لا تزال رحلتك لم تنتهِ بعد؛ فالعودة إلى المياه العذبة قد تستغرق منك أسابيع طويلة، وخلال هذه الرحلة تتوقف عن التغذي بشكل تدريجي، لأن جسدك أصبح مهيأً بشكل غريزي للمرحلة الأخيرة؛ مرحلة وضع البيض.
تستهلك كل طاقتك في السباحة عكس تيارات الأنهار القوية، حتى يصل بك الأمر إلى استهلاك معظم الدهون المخزنة في جسدك، فتتغير الصبغات الموجودة في جسمك ويتحول لونك تدريجيًا إلى اللون الأحمر المميز. لونٌ أصبح علامة مرتبطة بك، فبمجرد أن يُذكر اسمك يتبادر إلى الذهن هذا اللون مباشرة، لون يميزك عن غيرك ويخبر العالم بقصة الرحلة التي خضتها.وفي كثير من الأحيان نحن أيضًا نغفل عن لوننا الخاص؛ ذلك اللون الذي تشكل من خلال ما مررنا به من صعوبات ومحن وابتلاءات. نظن أحيانًا أن هذه الرحلات أرهقتنا فقط، لكن ربما كان الهدف منها أن تصقلنا وتقوينا، أن تزيل الغبار الذي غطى جوهرنا حتى يظهر الذهب الذي بداخلنا، وحتى يصبح لنا لوننا الخاص الذي يميزنا ويشع بين الناس.وبعد رحلة طويلة وشاقة، تصل أخيرًا إلى المكان الذي كنت تبحث عنه… نهر هادئ وسط الغابة، بمياه نقية، مكان مثالي لوضع البيض وبداية حياة جديدة. وبعد أن يتم تخصيب البيض، تنتهي رحلة الوالدين؛ حيث يموت الذكر والأنثى بسبب استنزاف طاقتهما خلال هذه الرحلة المرهقة. ومع ذلك، هناك عدد قليل جدًا من الأسماك التي تستطيع النجاة والعودة مرة أخرى إلى المحيط، أما معظمها فتنتهي رحلتها هناك.لكن حتى موتك لم يكن بلا معنى، فستصبح أجساد السلمون غذاءً للعوالق، ثم تصبح هذه العوالق غذاءً لسكان النهر، ومن بينهم صغار السلمون التي ستفقس لاحقًا، وكأن دورة الحياة تستمر حتى بعد انتهاء رحلتك.إنك يا سمكة السلمون أحد أكثر الكائنات إثارة للإعجاب على هذا الكوكب؛ تقاوم تيارات المياه، وتتحمل الجروح والمخاطر، وتقطع المسافات الهائلة من أجل هدف واحد فقط… أن تصل إلى المكان الذي ستضع فيه بيضك. أنت لا تعرف من هما والداك، لكنك تعرف شيئًا واحدًا بفطرتك؛ أن أطفالك يجب أن ينمووا في أفضل مكان ممكن، وبالنسبة لك فإن أفضل مكان هو المكان الذي بدأت فيه حياتك أنت..
وسبحان الله… قصتها أثرت فيّ كثيرًا، لأنني شعرت أنها اختصرت معنى الحياة بأكملها. وبالتأكيد هناك قصص لا تُحصى في عالم النبات والحيوان، وفي أنفسنا، وفي الكون كله، ولو تأملنا فيها بصدق فإنها ستقودنا في النهاية إلى عظمة الله جل جلاله، وإلى فهم أعمق للحياة التي نعيشها. فمنذ بداية رحلة السلمون نلاحظ أن كل شيء كان مهيأً بالتدريج؛ فقد بدأت حياته في المياه العذبة، في مرحلة تشبه فترة الرخاء والتهيئة، ثم انتقل إلى مرحلة أخرى تناسب وعيه وحجمه وعمره، حتى وصل إلى المحيط، حيث بدأت مرحلة الشدة والمواجهة. وهذا يذكرنا بقول النبي ﷺ: «تعرَّف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة»، فكيف استطاع السلمون أن يتذكر موطن ولادته بعد سنوات طويلة قضاها في المحيط؟ وكيف عرف الطريق الذي يجب أن يعود إليه رغم المسافات والمخاطر؟ ربما لأن الله أودع فيه فطرة تهديه، فمع الفطرة والتسليم استطاع أن يعود إلى المكان الذي بدأ فيه حياته، وأن يصل إلى المكان الذي سيضع فيه بيضه. إنها قدرة من علم الله سبحانه وتعالى، ومن نوره الذي يهدي به خلقه، وكأنها بوصلة داخلية تقوده إلى الطريق الصحيح رغم الخوف والصعاب، وهذا هو الإرشاد الإلهي الذي يضعه الله في مخلوقاته. وكأن الهدف من هذه الرحلة الطويلة لم يكن الوصول فقط، بل أن يعيش السلمون رحلة الجهاد والسعي والتوكل، أن يبذل كل ما لديه، وأن يُهيَّأ ويُقوّى حتى يعود إلى موطنه الأول حاملًا رسالة أكبر منه؛ استمرار الحياة. فهو لم يُخلق ليحيا لنفسه فقط، بل ليؤدي دوره، يزرع البذرة للأجيال القادمة، ثم يترك النتيجة لله. فهو يجاهد، ويسبح عكس التيار، ويواجه المخاطر، ثم يؤدي مهمته ويمضي، دون أن يرى أبناءه وهم يكبرون، ودون أن يشهد ما سيحققونه، وكأن الرسالة تقول لنا: ليس مطلوبًا منك دائمًا أن ترى ثمرة عملك، بل المطلوب أن تؤدي ما عليك بإخلاص، أما النتائج فهي بيد الله. وهذا المعنى يذكرني بحديث النبي ﷺ: «إن قامت على أحدكم القيامة، وفي يده فسيلة فليغرسها»، فالمقصود ليس أن ترى أنت النتيجة النهائية لكل شيء، بل أن تقوم بدورك، وأن تغرس فسلتك، وأن تبذل ما تستطيع وأنت متوكل على الله. وهذا المعنى نجده أيضًا في قصص الأنبياء عليهم السلام؛ فقد مروا بمراحل مشابهة، مراحل إعداد وتهيئة، ثم مراحل شدة وابتلاء، وكان الله معهم في كل خطوة. وبعد أن صقلتهم تلك الرحلات وأعدّتهم، آتاهم الله من نوره الحكمة والعلم والقوة، ثم أعادهم إلى أقوامهم وهم يحملون رسالة أعظم مما كانوا يحملونه من قبل. ونجد في كثير من هذه القصص أن الله يبعد الإنسان أحيانًا عن المكان الذي بدأ منه، وكأن هناك مرحلة مخاض تسبق الولادة الجديدة؛ مرحلة تهيئة أو عزلة، يُعيد فيها الإنسان بناء نفسه. فنرى موسى عليه السلام يخرج من قومه، ويوسف عليه السلام يبتعد عن أهله، ومريم عليها السلام تعتزل قومها، ولم تكن تلك العزلة نهاية الطريق، بل كانت إعدادًا لمرحلة أعظم. ثم يأتي وقت العودة من جديد، لكن العودة هذه المرة ليست كالسابق؛ فالاختبار الحقيقي يكون: هل ستعود بنفسك القديمة؟ أم ستعود وقد تغيّرت وصُقلت وتمسكت بالله أكثر؟ هل ستسمح للخوف وكلام الناس ومعتقداتهم وعاداتهم أن تعيدك إلى الوراء؟ أم ستتمسك بالنور الذي أعطاك الله إياه؟ وكأن الله لا يختبر فقط قدرتنا على تحمل الصعاب، بل يختبر أيضًا قدرتنا على الثبات بعد أن نخرج منها؛ هل سنختار التسليم والثقة بالله، أم سنحنّ إلى النسخة القديمة منا التي كانت تخاف وتضعف؟ وفي النهاية، رحلة السلمون تذكرنا بأن الحياة ليست طريقًا مستقيمًا بلا تحديات، بل رحلة فيها مراحل من الرخاء والشدة، من الابتعاد والعودة، من التهيئة والتمكين. وكل مرحلة لها حكمة، وكل طريق يسوقه الله لنا يحمل في داخله درسًا، فسبحان من خلق فأبدع، وسبحان من جعل في مخلوق صغير كالسلمون قصةً تذكرنا بعظمة الخالق ومعنى السعي والتوكل والرسالة التي نحملها في هذه الحياة…
كنت أظن أنني سأُنهي المقال هنا، ولكن كما تعرفونني أحب دائمًا أن أغوص أكثر في الأعماق، وبما أننا نتحدث عن السمك والبحار، فلمَ لا نغوص قليلًا؟؟
﴿صِبْغَةَ اللَّهِ ۖ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً ۖ وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾
هَلْ لِلَّهِ لَوْنٌ ؟
سبحانه، يتنزه ربنا وتعالى عن كل تشبيه وعيب ونقص، ولا يماثله شيء من خلقه، فهو ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾،
وحول قوله تعالى “صبغة الله” صراحةً كنت أمرُ على هذه الآية سريعًا دون أن أقف على تفسيرها، وفي كل مرة أقول لنفسي سأفسرها ثم أنسى، إلى أن رأيت ذات مرة تفسيرها باللغة الإنجليزية، وجاء في الترجمة (the color of Allah) أي: "لون الله". توقفت عندها متسائلةً: هل لله لون؟ ثم أدركت جمال التعبير القرآني ودقته؛ فالله سبحانه لم يقل لون الله، بل قال: “صبغة الله”، واختار لفظًا يحمل معنى أعمق وأثبت. فالصبغة ليست مجرد لون عابر يظهر ثم يزول، بل هي شيء يتغلغل ويثبت في الشيء حتى يصبح جزءًا منه، بينما اللون قد يتغير أو يزول بسهولة. وهنا تظهر بلاغة القرآن الكريم؛ فالله سبحانه اختار كلمة "الصبغة" لأنها تعبّر عن أثر هذا الدين في الإنسان، فهو ليس مجرد مظهر خارجي أو أمر مؤقت، بل نور يتشربه القلب حتى يصبح صفة ثابتة فيه، ويظهر أثره في أفعاله وأخلاقه وحياته..
فبفطرتنا التي جبلنا الله عليها، خلق الله في كل واحدٍ منا لونًا خاصًا ومميزًا، لونًا يعبّر عن فطرته وشخصيته وما أودعه الله فيه من صفات وقدرات. وأعتقد أن لكل إنسان لونًا يتفرد به، لكننا أحيانًا لا نكتشفه بعد، أو يكون هذا اللون خاملًا ينتظر من يوقظه ويُظهر إشراقه. لذلك فمهمتنا أن نسعى لاكتشاف هذا اللون وتنميته حتى يصبح أكثر وضوحًا وإشعاعًا. ولكن المشكلة أننا مع مرور الوقت قد نبتعد عن ألواننا الحقيقية؛ إذ نمتلئ بأفكار ومعتقدات ومعلومات كثيرة قادمة من مصادر مختلفة ومن أشخاص متعددين، حتى ننسى ذلك اللون الداخلي الذي يمثل الفطرة التي فطرنا الله عليها. ويزداد الأمر صعوبة عندما نعيش في مجتمعات تحاول أحيانًا أن تجعل الجميع بلون واحد؛ لونًا مبرمجًا يحدد لك كيف تلبس، وكيف تفكر، وكيف تتصرف، وما الذي يجعلك مقبولًا، وكأن أي اختلاف عن هذا القالب هو خطأ يجب تغييره، حتى يصبح الإنسان نسخة من غيره فقط لأنه اختار أن يكون مختلفًا. ولهذا قد ننجرف مع التيار ونحاول أن نستمد نورنا من الآخرين، فنأخذ ألوانًا ليست ألواننا، ونبحث عن قيمتنا في مصادر خارجية، لكنها تظل ألوانًا سطحية مؤقتة تزول بزوال مصدرها. أما حين ندرك أن مصدر النور الحقيقي هو الله سبحانه وتعالى، ونستمد منه هدايتنا ومعاييرنا، فهنا تظهر حقيقة قوله تعالى: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾؛ فالله هو مصدر النور الحق، وهو الذي يعيد للفطرة إشراقها ويكشف اللون الحقيقي الذي أودعه فينا.
ولكن يبقى السؤال الأهم: كيف نعرف لوننا الحقيقي؟ وكيف نكتشف ذلك النور الذي أودعه الله في فطرتنا؟
۞ اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ
فبنوره أضاءت السماوات والأرض.،وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ﴾قالَ: ذاكَ نُورُهُ الَّذِي هو نُورُهُ إذا تَجَلّى بِهِ لَمْ يَقُمْ لَهُ شَيْءٌ”. وسبحان الله… نور الله أعظم من أن تحيط به عقولنا أو تدرك حقيقته، وكيف لنا أن نحيط به، وكل صفات الله سبحانه وتعالى صفات كمال تليق بجلاله وعظمته؟ فإذا حاولنا وصفه بما نعرفه من صفات البشر أو مخلوقاته فإن الوصف لا بد أن يعتريه النقص؛ لأننا نحن المخلوقون محدودون، وهو سبحانه الكامل جلّ في علاه. وإنما نضرب الأمثال ونستعين بما نفهمه من عالمنا لتقريب المعاني إلى عقولنا. فالله سبحانه هو مصدر النور كله، ومنه نستمد الهداية والبصيرة التي بها ندرك الأشياء ونميزها..
وتخيلوا معي فقط لو رُفع الحجاب، وكُشف لنا من نور الله سبحانه وتعالى وجلاله ما لا تحتمله أبصارنا، كيف سيكون حالنا أمام هذا النور العظيم؟ فنور الله لا يشبه أي نور نعرفه، ولا يمكن لعقولنا القاصرة أن تحيط بعظمته، وإنما نؤمن بما أخبرنا به الله ورسوله ﷺ: «حجابُه النُّورُ لَو كشفَها لأحرقت سبحاتُ وجهِه كلَّ شيءٍ أدرَكَه بصرُه»، ولو رفَعَ الحقُّ سُبحانَه ذلك الحِجابَ وأزالَه، لأحرَقَت سُبُحاتُ وَجهِه ما وصَلَ إليه بَصَرُه عزَّ وجلَّ من خَلقِهِ، وليس لِبَصرِه جَلَّ شأنُه نِهايةٌ ولا مَدًى . وفي الحديثِ: أنَّ رُؤيةَ اللهِ مُمتَنِعَةٌ على جَميعِ الخَلقِ في دارِ الدُّنيا، ويُكرِمُ اللهُ بها مَن يَشاءُ من عِبادِه في الآخِرةِ. ولهذا فإن أعظم نعمة يمكن أن ينالها الإنسان هي رؤية وجه الله عز وجل، فهي الغاية التي تتوق إليها القلوب، ومن أجمل الأدعية التي ندعو الله بها: «اللهم إني أسألك لذة النظر إلى وجهك الكريم» ..
وقرأت تشبيه بليغ لابن القيم - رحمه الله - عن هذه الآية وهي من الآيات المحببة إلى قلبي :
﴿ ۞ اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ۖ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ۖ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ ۚ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ ۗ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ .
وهنا قال ابن القيم - رحمه الله - :
هَذا النُّورُ إذا تَمَكَّنَ مِنَ القَلْبِ، وأشْرَقَ فِيهِ فاضَ عَلى الجَوارِحِ، فَيُرى أثَرُهُ في الوَجْهِ والعَيْنِ، ويَظْهَرُ في القَوْلِ والعَمَلِ، وقَدْ يَقْوى حَتّى يُشاهِدَهُ صاحِبُهُ عِيانًا، وذَلِكَ لِاسْتِيلاءِ أحْكامِ القَلْبِ عَلَيْهِ، وغَيْبَةِ أحْكامِ النَّفْسِ.
وهذا هو النور الذي أودعه في قلبه من معرفته ومحبته والإيمان به وذكره، وهو نوره الذي أنزله إليهم فأحياهم به وجعلهم يمشون به بين الناس، وأصله في قلوبهم ثم تقوى مادته فتتزايد حتى يظهر على وجوههم وجوارحهم وأبدانهم، بل ثيابهم ودورهم، يبصره من هو من جنسهم وسائر الخلق له منكر.. هكذا المؤمن قلبه مضيء يكاد يعرف الحق بفطرته وعقله ولكن لا مادة له من نفسه، فجاءت مادة الوحي فباشرت قلبه وخالطت بشاشته فازداد نورًا بالوحي على نوره الذي فطره الله تعالى عليه، فاجتمع له نور الوحي إلى نور الفطرة، نور على نور، فيكاد ينطق بالحق وإن لم يسمع فيه أثر، ثم يسمع الأثر مطابقًا لما شهدت به فطرته فيكون نورًا على نور .
وحتى اللون الذي نراه من حولنا هو في حقيقته مرتبط بالنور؛ فاللون ليس خاصية مستقلة تمتلكها الأجسام بذاتها، بل هو إدراك بصري ينتج عن تفاعل الضوء مع الأشياء. يأتي النور فينعكس من الأجسام، فتلتقطه العين، ثم يفسّره الدماغ، فنقول: هذا أحمر، وهذا أزرق، وهذا أخضر. وهكذا حتى أبسط الأشياء التي نراها من حولنا لا ندركها إلا بوجود النور. وأتذكر أنني كنت أشاهد بثًا مرئيًا ذات مرة، فأعجبتني فكرة طرحتها إحدى الفتيات حين قالت إنها تحب الاجتماع بصديقاتها حين تمتاز كل واحدة منهن بشيء يميزها عن الأخريات، وكأن لكل واحدة لونًا خاصًا بها، وهذا ما يجعل جلستهن جميلة وممتعة؛ لأن كل واحدة منهن تأتي بلونها الخاص، بما تعلمته، وما جربته، وما تحمله من أفكار وتجارب. تمامًا كألوان الطيف التي نراها في قوس المطر؛ ألوان مختلفة، لكنها اجتمعت لتشكل مشهدًا واحدًا بديعًا.
وهذا القوس الذي هو من خلق الله أصبح للأسف في الآونة الأخيرة مرتبطًا بمفاهيم أخرى منحرفة، فهذه الألوان قبل كل شيء آية من آيات الله وجزء من جمال خلقه، والله سبحانه لا يُنسب إليه إلا كل جميل. لذا نحاول على الأقل ألا نطبع مع هذا المفهوم الخاطئ وألا نترك هذه الألوان حكرًا لتلك الفئة . ومن هنا ألهمني الله أن أتأمل أكثر في علاقة اللون بالنور، وكيف أن رؤيتنا لأنفسنا أحيانًا تشبه رؤيتنا لضوء الشمس.
فنحن نرى ضوء الشمس الأبيض في السماء ونظنه لونًا واحدًا بسيطًا، لكنه في الحقيقة يحمل داخله مزيجًا بديعًا من الألوان الكامنة، إلا أن هذه الألوان لا تظهر لنا إلا عندما يمر الضوء بظرف يكشف جماله الداخلي؛ فعندما يصطدم بقطرات الماء يظهر لنا قوس المطر بألوانه المتعددة. وهكذا الإنسان أيضًا، قد يرى نفسه لونًا واحدًا، ولا يعرف حجم الطاقات والصفات الكامنة بداخله إلا عندما يمر بمواقف تغيّر مساره وتكشف له أجزاءً جديدة من نفسه. ومن هنا ألهمني الله أيضًا أن أشبّه الابتلاء بقطرة المطر؛ لأن المطر في أصله رحمة من الله وليس مجرد قطرات ماء تنزل من السماء، فقد قال النبي ﷺ عند نزول المطر: «إنه حديث عهد بربه». فكما أن قطرة المطر تكشف لنا ألوان النور التي كانت مخفية، قد يأتي الابتلاء ليكشف لنا ألوانًا وصفاتٍ كانت كامنة في داخلنا ولم نعرفها إلا من خلاله. لذلك فالابتلاءات التي تمر بنا، وإن ظهرت في بدايتها كصعوبة أو ألم أو تغيير لم نكن نريده، قد تكون في حقيقتها رحمة من الله تعيد ترتيبنا وتقرّبنا منه، وتُظهر لنا جوانب من أنفسنا لم تكن ظاهرة من قبل. وعندما يتغير فهمنا للابتلاء، لن نراه مجرد عقوبة أو مصيبة، بل فرصة للتطهير والنمو والعودة إلى الفطرة الأولى ونور الله وهدايته، فكل ابتلاء قد يكون قطرةً يمر بها نور حياتنا، لتظهر بعدها ألوان جديدة من أنفسنا لم نكن نعرفها إلا من خلال رحمة الله وتدبيره.
وعندما يمر ضوء الشمس عبر قطرات المطر ينكسر الضوء ويتغير مساره بسبب اختلاف الكثافة بين الهواء والماء، ثم ينعكس داخليًا داخل القطرة، ويحدث الانعكاس الأول فيجعل الألوان تتشتت داخلها، فتبدو كأنها اختلطت وفقدت انتظامها، ثم عندما ينعكس الضوء مرة ثانية داخل القطرة يبدأ هذا التشتت في الترتب من جديد، وتعود الألوان إلى الانفصال والتدرّج بشكل دقيق حتى تخرج من القطرة بهذا الترتيب البديع الذي نراه في قوس المطر، وكما يحدث للضوء داخل القطرة يحدث شيء شبيه في النفس عند الابتلاء، فقد يأتي الابتلاء فيُحدث اضطرابًا أو تشتتًا داخليًا، كأن المعاني والمشاعر قد اختلطت وتفرقت، لكن وظيفة الإنسان ليست الاستسلام لهذا التشتت، بل أن يعيد ترتيب داخله من جديد عن طريق التزكية، ومحاسبة النفس، واللجوء إلى الله سبحانه وتعالى، والاستقامة على هديه. وعندما يبدأ الإنسان بإصلاح ما بداخله وترتيبه، فإن هذا الأمر لا يبقى داخليًا فقط، بل ينعكس على ظاهره ومشاعره وطريقة تعامله مع الحياة، فتخرج منه مشاعر أكثر اتزانًا وسلامًا، وتعكس الجمال الذي أصبح موجودًا في داخله. وكأن الإنسان يحمل في داخله ألوانًا كثيرة أودعها الله فيه، لكنها قد تبقى مخفية لا تظهر إلا عندما يمر بمواقف وتجارب تكشف ما بداخله. فكما أن بعض الجمال لا يظهر إلا عندما تتغير الظروف من حوله، كذلك الإنسان قد لا يكتشف بعض صفاته وقدراته إلا عندما يواجه مواقف تدفعه إلى أعماقه. فقد تكشف له الحياة صبرًا لم يكن يعلم أنه يملكه، أو رحمةً لم يكن يعرف أنها تسكن قلبه، أو قوةً لم يظن يومًا أنها موجودة بداخله. وهنا ندرك أن التجارب لا تأتي دائمًا لتغيّر الإنسان، بل قد تأتي لتكشف له الجمال الذي وضعه الله فيه، وتُظهر ألوانه الحقيقية التي كانت كامنة تنتظر لحظة ظهورها.. ولأننا أحيانًا لا ندرك أن الحل قد يكون كامنًا داخل المشكلة نفسها. وهنا أتذكر تدبرًا سمعته من الشيخ محمد المقرمي رحمه الله، أشار فيه إلى أن الحل قد يكون موجودًا في قلب المشكلة، وضرب مثالًا بخرق السفينة في قصة موسى والخضر عليهما السلام؛ فقد بدا الخرق في ظاهره أمرًا مؤذيًا، لكنه كان في حقيقته سببًا للنجاة. وقد أشار علماء التزكية في هذا المعنى ، وهو أن الإنسان يحتاج أحيانًا إلى خرق العادات التي اعتاد عليها؛ فلا يبقى أسيرًا للخوف والقلق والحزن عند تغير الظروف، بل يتعلم أن يكون مستعدًا لما يقدّره الله له، وأن يثق بحكمته وتدبيره. وهذا يشبه ضوء الشمس الذي لا يكشف عن ألوانه الجميلة إلا بعد أن يخترق قطرة المطر وينكسر داخلها؛ فلو قاوم الإنسان هذا التغيير وظل متعلقًا بما اعتاده، فقد لا يستطيع أن يرى الألوان الجميلة التي أودعها الله بداخله، أما إذا سلّم أمره لله ووثق به، فإن الله يُريه من إبداعه وحكمته ما لم يكن يتوقعه..
"Be a person who adds color to everything they touch."
كن شخصًا يضيف ألوانًا على كل ما يلمسه.
طيب ، بعد أن عرف الإنسان لونه الذي كشفه له الابتلاء، يبقى السؤال الأهم: كيف يطوّر هذا اللون ويجعله أكثر إشراقًا؟ وكيف يمكنه أن يقيم هذا اللون ويطوره؟ لأن معرفة اللون وحدها لا تكفي، فقد يكون اللون موجودًا لكنه باهت أو لم يُنمَّ بالشكل الصحيح فالمعرفة وحدها لا تكفي، لأن الإنسان قد يعرف طريق العبادة دون أن يذوق حلاوتها أو يتغلغل الإيمان في قلبه. والعلاقة مع الله سبحانه وتعالى رحلة ارتقاء تبدأ بالإسلام، ثم الإيمان حيث يستشعر القلب قرب الله وحكمته، ثم الإحسان حيث يعبد الإنسان ربه كأنه يراه. وهنا تتحول العبادات من مجرد أفعال ظاهرة إلى معنى حيّ يسكن القلب، وهذه هي الصبغة؛ أن تصبح المعاني الإيمانية جزءًا ثابتًا من الإنسان لا مجرد لحظات عابرة
وهنا يمكن إسقاط هذا المعنى بمفهوم جميل من مجال طب الأسنان، حيث يساعدنا ذلك على تقريب الفكرة وفهمها بشكل أعمق. وهو نظام مونسِل للألوان، حيث لا يُنظر إلى اللون كدرجة واحدة ثابتة، بل كنظام متدرج له أبعاد مختلفة مثل الشدة والسطوع والتشبع، وكلما تغيرت هذه الأبعاد تغيّر إدراكنا للون وعمقه وجماله. وكذلك الإيمان في القلب، له درجات وعمق ووضوح، وكلما ازداد صفاء القلب وتزكّى الإنسان ارتقى لونه الداخلي وأصبح أكثر ثباتًا ووضوحًا ونورًا.
نظام الألوان مونسل ( Munsell color system)
لدينا في طب الأسنان مادة تُعرف باسم Color Selection أو اختيار اللون، ونستخدم فيها نظامًا شهيرًا يُسمى Munsell Color System (نظام الألوان مونسل)، وهو نظام يُستخدم في العديد من المجالات الفنية والتصميمية وبعض المجالات العلمية؛ لأنه يساعد على وصف الألوان بطريقة دقيقة ومنظمة بدل الاعتماد على الوصف العام مثل "أحمر غامق" أو "أصفر فاتح". وفي العيادات نستخدم هذا النظام عند اختيار لون الأسنان للمريض في التركيبات السنية، سواء في التيجان والجسور أو الـ Veneers، لأن الهدف هو الوصول إلى لون قريب جدًا من الأسنان الطبيعية للمريض. وربما لاحظتم عند زيارة طبيب الأسنان أنه يستخدم مجموعة من الأسنان الصغيرة ويضعها بجانب أسنانكم حتى يقارن بينها وبين لون السن الطبيعي ويختار الدرجة الأقرب، هذه الأداة تُسمى Shade Guide، ومن أشهرها VITA Classical، وهناك أيضًا أجهزة رقمية مثل VITA Easyshade V التي تساعد أطباء الأسنان وفنيي التركيبات على تحديد لون السن بدقة..
والفكرة الأساسية في نظام مونسل أنه لا يصف اللون بكلمة واحدة، بل ينظر إليه من خلال ثلاثة أبعاد رئيسية:
1. Hue (صبغة اللون):
هي اسم اللون نفسه؛ أي هل هو أحمر أم أخضر أم أزرق مثلًا. وتقاس في نظام مونسل بالدرجات حول الدائرة الأفقية، ولذلك نجد أن الدائرة تحتوي على مجموعة الألوان الأساسية والانتقالات بينها.
2. Value (قيمة اللون):
هي درجة الإضاءة أو السطوع، أي مدى كون اللون فاتحًا أو غامقًا. وتمتد على محور رأسي يبدأ من الأسود في الأسفل (قيمة منخفضة) إلى الأبيض في الأعلى (قيمة مرتفعة). ومن خلالها نستطيع التمييز مثلًا بين اللون الأحمر الفاتح والأحمر الغامق، حتى لو كان اسم اللون نفسه.
3. Chroma (صفاء اللون):
هي درجة نقاء اللون أو قوة تشبعه، أي مدى ابتعاد اللون عن الرمادية والبهتان. فكلما زادت قيمة الـ Chroma أصبح اللون أكثر قوة ووضوحًا، مثل الأحمر الفاقع أو الأحمر الناري، أما عندما تقل قيمة التشبع يصبح اللون أكثر هدوءًا وباهتًا أو مائلًا إلى الرمادي، مثل الأحمر الباهت أو المغبر. وفي نظام مونسل يُمثَّل الـ Chroma بالمسافة من المحور المركزي إلى الخارج؛ فكلما ابتعدنا عن المركز أصبح اللون أكثر نقاءً وتشبعًا.

وكما قلنا، فإن صبغة الله هي ذلك اللون الذي أودعه الله في داخلنا، وهي فطرتنا الأولى التي تميز كل واحدٍ منا، وكأنها تمثل الـ Hue الخاص بنا في نظام الألوان؛ أي اللون الأساسي الذي نحمله. ولكن لكي يصبح لهذا اللون قيمة حقيقية وإشراق واضح، فلا بد أن نستمد قيمتنا من الله عز وجل، فهو سبحانه الذي يعز من يشاء ويذل من يشاء. أما إذا حاول الإنسان أن يأخذ قيمته من نظرة الناس إليه، فسيظل يلهث خلف رضاهم، ويغير من شخصيته ولونه الخاص فقط ليوافق توقعاتهم، وإرضاء الناس غاية لا تُدرك. لذلك فإن القيمة الحقيقية لا تُستمد إلا من الله سبحانه وتعالى. وكما ذكرنا أن الـ Value في نظام مونسل يمثل العمود الذي يرتفع من الظلام إلى النور، فكذلك الإنسان في رحلته يحاول أن يرتقي بقيمته، وينتقل من ظلمات التعلق بالمخلوقين إلى نور القرب من الله ومعرفة قدره الحقيقي. فالنور الذي يمنحه الله للإنسان هو الذي يكشف له ذاته ويرشده إلى الطريق، أما من حُرم هذا النور فلن يجد مصدرًا آخر يعوضه، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُورٍ﴾. وعندما يعرف الإنسان قيمته المستمدة من الله، يبدأ هذا النور بالظهور عليه، ويصبح لونه الداخلي أكثر إشراقًا، وهنا يأتي معنى الـ Chroma؛ أي تشبع اللون ونقاؤه، فاللون الباهت يفتقر إلى الوضوح، أما اللون المشبع فيظهر بقوة وحضور. وكذلك الإنسان، كلما امتلأ قلبه باليقين بالله، أصبح أكثر صفاءً وإشراقًا وتأثيرًا فيمن حوله؛ يمنحه الله من نوره ما يجعل ألوانه الفطرية حيّة وواضحة ومضيئة. وهنا أتذكر قول الله تعالى: ﴿أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾؛ وهنا شبه الله الانسان البعيد عنه وعن نوره بالميت ، فهذا النور هو الذي يعيد للإنسان بصيرته، ويجعله حيّا يرى الطريق ويمشي فيه، لا بلونٍ مستعار من الآخرين، بل باللون الذي أودعه الله فيه منذ البداية.
ولكن هناك عوامل كثيرة قد تؤثر عليّ الطبيب عند اختيار اللون المناسب، ومن أهمها كثرة المشتتات المحيطة. فالألوان الموجودة حول المريض تؤثر بقوة على إدراك العين لدرجة لون السن؛ فوجود أحمر الشفاه، أو الملابس ذات الألوان الفاقعة، أو الخلفيات المليئة بالزخارف، قد يشتت الانتباه ويعكس ألوانًا غير حقيقية، كما قد يسبب تباينًا بصريًا يخدع دماغ الطبيب، فيجعله يختار لونًا أفتح أو أغمق من اللون الطبيعي المطلوب. والمثير للتأمل أن هذه المشتتات تشبه كثيرًا ما يحدث في حياتنا؛ فهناك مصادر كثيرة حولنا قد تؤثر على إدراكنا، وتجعلنا ننجرف خلف أفكار ومفاهيم لا تشبه حقيقتنا، أو نتبنى ألوانًا لا تناسب فطرتنا. ولهذا نحتاج دائمًا إلى العودة إلى المصدر الحق، الله سبحانه وتعالى، حتى تعود الأشياء إلى اتزانها الحقيقي. فعندما يتعرض الطبيب لكثرة المشتتات، يحدث ما يُعرف بإجهاد العين (Eye Fatigue)، ولذلك نحتاج إلى إعادة ضبط العين من خلال النظر إلى اللون الرمادي لبضع ثوانٍ؛ فهذا يساعد الخلايا المخروطية في العين على استعادة توازنها، فترى درجات الألوان الحقيقية دون تأثير أو تشويش. وهذا يشبه ما يحدث عندما نذهب إلى متجر العطور ونبدأ بتجربة العديد من الروائح المختلفة، حتى نصل إلى مرحلة لا نستطيع فيها التمييز بينها وكأن حاسة الشم توقفت عن الاستجابة، فيلجأ البائع إلى تقديم رائحة القهوة مثلًا حتى تعود الحاسة إلى حالتها الطبيعية ونستطيع الشعور بالروائح من جديد. وكذلك نحن في هذه الحياة، قد نغرق في كثرة المؤثرات والمشتتات حتى نفقد القدرة على تمييز حقيقتنا، ونصبح نرى الجميع بلون واحد، أو نبحث عن نفس الرائحة التي فرضها المجتمع علينا، حتى نحتاج إلى لحظة عودة وضبط داخلي نرجع فيها إلى الله، إلى مصدر النور الحقيقي الذي يعيد إلينا بصيرتنا وحواسنا، ويجعلنا نرى الأشياء كما هي. فهذه المشتتات قد تتراكم فوق قلوبنا وعقولنا طبقة بعد طبقة، حتى تصبح كحال الظلمات التي وصفها الله سبحانه وتعالى في سورة النور: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ۚ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾؛ ظلمات تحجب عن الإنسان رؤية فطرته، وتجعله يتبنى اللون السائد الذي يفرضه من حوله، وينسى الصبغة التي اختارها الله له. ومن شدة تراكم هذه المشتتات قد يصل الإنسان إلى حالة من الإرهاق الروحي، فيصبح كمن وصفهم الله بقوله: ﴿إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾، لا لأنه فقد النور تمامًا، بل لأن كثرة الظلمات من حوله حجبت عنه القدرة على رؤية نفسه وحقيقته..
وبعد أن يتشبع الإنسان بهذا اللون، وينعكس أثره على جوارحه وسلوكه، يظهر عليه ما يمكن أن نسميه ب“الهالة” أو النور الرباني؛ وليس المقصود بذلك نورًا حسيًا مشعًا يراه الناس، وإنما حالة شعورية ونفسية تظهر على الإنسان نتيجة للسمو الروحي والقرب من الله. فهي أشبه بالأثر الذي يتركه النور في القلب، فينعكس على حضور الإنسان وكلامه وأفعاله..
السمو الروحي
وقد قرأت مؤخرًا مقالًا هنا على منصة “Substack” يتحدث عن مفهوم منتشر هذه الفترة يُسمى الأشخاص ذوي “الاهتزاز العالي والمنخفض” (High and Low Vibrational People). ومع أن لدي بعض التحفظات على عدد من الأفكار والمواضيع التي طُرحت في المقال، إلا أنني توقفت عند الجزء المتعلق بتأثير الحالة الداخلية للإنسان على حضوره وسلوكه، ووجدت أن هذا المعنى تحديدًا يحمل أوجه تشابه مع معانٍ موجودة في ديننا؛ فالإسلام تحدث عن أثر الإيمان، وصفاء القلب، ونور الطاعة على الإنسان، وكيف أن ما في الداخل ينعكس على الظاهر..
فبعد أن تتنظم كل تلك المشتتات التي كانت تحجب رؤيتنا، وبعد أن نعيد اتصالنا بالمصدر الحقيقي للنور، الله سبحانه وتعالى، نصل إلى حالة من الطمأنينة والسلام الداخلي؛ حالة يكون فيها القلب أكثر اتزانًا وهدوءًا، وهو ما يُعبَّر عنه في علم النفس الحديث بـ (Regulated Nervous System)، أي حالة تنظيم واستقرار الجهاز العصبي. وهذا المعنى يذكرنا بقول الله تعالى: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾، وقوله سبحانه: ﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾، فحين يهتدي الإنسان بنور الله، ينعكس ذلك على داخله، فيصبح أكثر سكينة واطمئنانًا. وهذه الحالة لا تأتي من فراغ، بل هي ثمرة الاتصال المستمر بالله سبحانه وتعالى؛ فكثرة الذكر، وقراءة القرآن، ومجالس الذكر تجعل الإنسان في قرب دائم من مصدر النور والقوة. فكلما ازداد اتصال القلب بالله، ملأه الله بالسلام والطمأنينة، وأمدّه من فضله ونوره، فيصبح أكثر ثباتًا واتزانًا، ويظهر أثر ذلك في سلوكه وحضوره وتعاملاته. وربما لهذا السبب انتشر في الآونة الأخيرة وصف بعض الأشخاص بمصطلح (High Vibration People)، أي الأشخاص الذين يظهر عليهم أثر السكينة والهدوء والسلام الداخلي. وإذا أردنا أن نفهم هذا المصطلح من منظور إيماني، فنحن لا نتحدث عن مجرد طاقة منفصلة أو حالة نفسية عابرة، بل عن أشخاص أصبحوا في اتصال حقيقي وصادق مع الله سبحانه وتعالى؛ فمصدر قوتهم ليس أنفسهم، وإنما الله الذي يحيي القلوب بنوره ويثبتها عند الفتن والاضطرابات. فيصبح حضورهم مختلفًا، ويشعر من حولهم بهذا الأثر. وقد يعبّر البعض عن ذلك بمصطلحات مثل “الهالة” أو (Aura)، نتيجة صفاء قلبه وقربه من الله. ويصبح هذا النور بمثابة البصيرة التي تهديه- بإذن الله- في طريقه. وأنا أُشبه هذا النور الرباني بعد أن يستقر في القلب بأنه يصبح كالمصباح الذي يحمله الإنسان معه؛ فبعد أن ينير الله داخله ويزكي قلبه، ينعكس هذا النور على رؤيته للأشياء من حوله، فيصبح أكثر قدرة على التمييز والإدراك، سواء كان ذلك في شخص يقابله، أو مكان يدخله، أو قرارٍ يتخذه، أو طريقٍ يسلكه. فإذا كان هناك أمر لا يناسب فطرته أو يبعده عن الله، فإن هذا النور يجعله أكثر انتباهًا له، لأنه أصبح بمعية الله وتوفيقه. وهذا المعنى قريب من الحديث: «اتَّقوا فِراسةَ المؤمنِ، فإنَّهُ ينظرُ بنورِ اللَّهِ»؛ أي أن المؤمن حين يستنير بنور الله تصبح لديه بصيرة يرى بها الأمور على نحو أوضح..
ومن الأفكار التي ذُكرت في المقال أن الإنسان قد يشعر تلقائيًا بالراحة والانسجام عند مجالسة أشخاص يسودهم الهدوء والطمأنينة، بينما قد يشعر بالثقل والنفور عند مجالسة أشخاص يغلب على مجالسهم التوتر والشكوى والغيبة والنميمة. وهذا المعنى يذكرنا بتشبيه النبي ﷺ البليغ للصحبة الصالحة وصحبة السوء، فقال: «إِنَّما مَثَلُ الجَلِيسِ الصَّالِحِ والجَلِيسِ السَّوْءِ كَحَامِلِ المِسْكِ وَنَافِخِ الْكِيرِ؛ فَحَامِلُ المِسْكِ إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً، وَنَافِخُ الْكِيرِ إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا مُنْتِنَةً». فتأملوا جمال هذا التشبيه؛ فحتى لو لم تأخذ شيئًا من حامل المسك، فإن رائحته الطيبة ستصل إليك، وستخرج من مجلسه وقد أصابك شيء من هذا الطيب. وكذلك نافخ الكير، فقد لا تقصد منه شيئًا، ولكنك قد تتأثر بشرره المتطاير أو برائحته الخبيثة. لذلك فالإنسان لا يضمن نفسه، فالتأثير يحدث أحيانًا بطريقة خفية، حتى نجد أنفسنا بعد فترة نفعل أو نقول أشياء لم نكن نتصورها من قبل. ولهذا كان النبي ﷺ يحثنا دائمًا على اختيار الصحبة الصالحة، والتحري عن أماكن الخير والمجالس التي يُذكر فيها الله.
ومن أعظم ما يوضح أثر هذه المجالس ما جاء في الحديث عن الملائكة السيّارة التي تتبع مجالس الذكر، قال النبي ﷺ: «إِنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً سَيَّارَةً فُضُلًا يَتَتَبَّعُونَ مَجَالِسَ الذِّكْرِ، فَإِذَا وَجَدُوا مَجْلِسًا فِيهِ ذِكْرٌ قَعَدُوا مَعَهُمْ، وَحَفَّ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِأَجْنِحَتِهِمْ حَتَّى يَمْلَؤُوا مَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ السَّمَاءِ الدُّنْيَا». فتأملوا رحمة الله؛ فهذه الملائكة تطوف في الأرض بحثًا عن مجالس الذكر، فإذا وجدت مجلسًا نادت بعضها بعضًا: هلمّوا إلى حاجتكم. ثم تصعد إلى الله سبحانه وتعالى وتخبره: رأينا عبادًا لك يذكرونك ويسبحونك ويستغفرونك. فيقولون: «رَبِّ فِيهِمْ فُلَانٌ عَبْدٌ خَطَّاءٌ، إِنَّمَا مَرَّ فَجَلَسَ مَعَهُمْ»، فيقول الله عز وجل: «وَلَهُ غَفَرْتُ، هُمُ الْقَوْمُ لَا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ». أي حتى ذلك الشخص الذي لم يكن منهم، وإنما جلس معهم فقط، نالته رحمة الله وبركة هذا المجلس بسبب قربه من أهل الذكر.والملائكة مخلوقات خلقها الله من نور، وحفُّهم لمجالس الذكر يعني إحاطتهم بهذا المجلس وما فيه من رحمة وخير وبركة. فتأملوا معي هذا المشهد العظيم؛ لو كُشف لنا الحجاب ورأينا ما يحدث في هذا الحديث، لرأينا الملائكة تجلس مع أهل الذكر، وقد اجتمعت بأعداد عظيمة شوقًا لسماع كلام الله وذكره، حتى يحفّ بعضهم بعضًا بأجنحتهم، ويستمر هذا التراص والامتداد حتى يملؤوا ما بين المجلس والسماء الدنيا. سبحان الله، مشهد مهيب يعجز العقل عن تخيله! ولعل هذا يفسر شيئًا من ذلك الشعور الذي يخرج به الإنسان بعد مجالس الذكر؛ شعور بالراحة والسكينة والامتلاء، وكأن القلب قد غُمر بالرحمة والبركة والنور..
بعكس ما يُسمّى بـ (Low Vibrational People)، وهم الأشخاص الذين تشعر أحيانًا بعد مجالستهم بأنك مستنزف أو مثقل النفس، حتى إن كثيرًا من الناس يلاحظون أنهم ما إن يخرجوا من بعض المجالس حتى يشعروا بثقل أو شعور سيئ أو استنزاف نفسي، و يصفون هذا الشعور بقولهم، ما إن خرجت من عندهم حتى شعرت بثقل وضيق . وهذا لا يعني بالضرورة أن الأشخاص أنفسهم سيئون، ولكن طبيعة ما يدور في بعض المجالس من شكوى مستمرة، أو غيبة، أو تشاؤم، أو انشغال بالهموم دون الرجوع إلى الله، قد تؤثر على القلب والنفس.. ولأن الشيطان يحب هذه الحالات والمشاعر المنخفضة، أو يتلذذ عندما يمر الإنسان بحزن ويأس وضيق وغضب شديد، ولذلك نجد أن الله سبحانه وتعالى ينهانا عن الاستسلام للحزن واليأس ويحذرنا من الشيطان الذي يسعى لتخويف وبث الحزن للناس ، بقوله سبحانه: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَىٰ مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾..
فالإنسان عندما يعيش فترة طويلة في حالة من الانخفاض الداخلي؛ كأن يسيطر عليه الحزن المستمر، أو كراهية الذات، أو القلق والخوف، أو سرعة الغضب والانفعال، فإنه يصبح في حالة من الضعف والاضطراب تجعله أكثر عرضة للتأثر بما حوله، وهنا يجد الشيطان مدخلًا إليه؛ لأنه يحب أن يبقى الإنسان في هذه الحالات من اليأس والضيق والانكسار، حتى يتمكن في النهاية من إضعافه والتأثير عليه. ولذلك فإن بقاء الإنسان في هذه الحالة قد يجعله أقرب إلى مواطن الضعف، ومن هنا تأتي أهمية أن يحافظ على نوره الداخلي واتصاله بالله عز وجل والاذكار والتحصين. ولأن أحيانًا تأتي العين والحسد في مثل هذه المواضع ؛ فالعين كما ذكر العلماء سهم يخرج من نفس الحاسد نحو المحسود، وقد يقترن به شيطان، فيجتمع تأثير النفس الحاسدة مع وسوسة الشيطان وإعانته. فنحن نقول إن هذا الشخص أصابته عين، فتخيلوا أن الإنسان المؤمن يمكن أيضًا أن يُصيب الشيطان بعين، ولكن ليس بنفس مفهوم العين الذي نعرفه؛ فالشياطين تقول: لقد أصابه إنسي أو نظرة إنسي، أي أن نور الإيمان الذي ظهر عليه أصبح يؤثر فيها ويمنعها من الاقتراب منه..
كانت هذه المعلومة صادمة بالنسبة لي، وقد قرأتها في كتاب الداء والدواء للإمام ابن القيم رحمه الله تعالى، حيث قال:
وَهَذَا كَمَا أَنَّ الطَّاعَةَ تُنَوِّرُ الْقَلْبَ وَتَجْلُوهُ وَتَصْقُلُهُ، وَتُقَوِّيهِ وَتُثَبِّتُهُ حَتَّى يَصِيرَ كَالْمِرْآةِ الْمَجْلُوَّةِ فِي جَلَائِهَا وَصَفَائِهَا فَيَمْتَلِئَ نُورًا، فَإِذَا دَنَا الشَّيْطَانُ مِنْهُ أَصَابَهُ مِنْ نُورِهِ مَا يُصِيبُ مُسْتَرِقَ السَّمْعِ مِنَ الشُّهُبِ الثَّوَاقِبِ، فَالشَّيْطَانُ يَفْرَقُ مِنْ هَذَا الْقَلْبِ أَشَدَّ مِنْ فَرَقِ الذِّئْبِ مِنَ الْأَسَدِ، حَتَّى إِنَّ صَاحِبَهُ لَيَصْرَعُ الشَّيْطَانَ فَيَخِرُّ صَرِيعًا، فَيَجْتَمِعُ عَلَيْهِ الشَّيَاطِينُ، فَيَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: مَا شَأْنُهُ؟ فَيُقَالُ: أَصَابَهُ إِنْسِيٌّ، وَبِهِ نَظْرَةٌ مِنَ الْإِنْسِ “ ..
لأن نورك الإيماني قد ازداد، فأصبح مشعًا، والشياطين بطبيعتها لا تحب النور بل تفرّ منه، لذلك لا تستطيع الاقتراب منك كما كانت من قبل، وإن حاولت الاقتراب فإنها تصطدم بقوة هذا النور الذي أودعه الله في قلبك..
فالله سبحانه وتعالى خلقنا مختلفين، وجعل لكل واحد منا لونًا وبصمةً خاصة تميّزه عن غيره، وهذا الاختلاف هو جزء من حكمة الله في خلقه. وحتى العبادات نفسها لم يجعلها الله بابًا واحدًا فقط، بل جعلها متنوعة ومتعددة؛ لأن النفوس والقدرات وسعة الناس تختلف. ولو أراد الله لنا أن نكون جميعًا على صورة واحدة لما خلق فينا هذا التنوع، ولما جعل للجنة أبوابًا متعددة، ولكل باب أهلٌ يختصون به. فقد يفتح الله على عبدٍ بابًا واحدًا فيكون هذا الباب هو طريقه الأقرب إليه، وقد يفتح على آخر أبوابًا كثيرة عندما يرى منه صدق السعي وحسن النية. وهذا المعنى لا يقتصر على العبادات فقط، بل يمتد إلى جميع جوانب الحياة؛ فلكل إنسان مجال يبدع فيه، وطريق يناسب فطرته، ولون خاص يظهر من خلاله. ومن أجمل ما يوضح هذا المعنى حديث النبي ﷺ عندما ذكر أبواب الجنة، فقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: « يا رَسولَ اللهِ ، ما على أحَدٍ يُدعى مِن تلك الأبوابِ مِن ضَرورةٍ، فهل يُدعى أحَدٌ مِن تلك الأبوابِ كُلِّها؟» فقال: « رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: نَعَم، وأرجو أن تَكونَ منهم.». فكان أبو بكر رضي الله عنه مثالًا للإنسان الذي لم يحصر نفسه في باب واحد، بل جمع أبواب الخير كلها؛ لكثرة عبادته وتنوع طاعته وصدق توجهه إلى الله. وهذا يعلّمنا أن نسارع في أبواب الخير، وألا نستصغر أي عمل صالح مهما كان بسيطًا؛ فقد يكون عمل صغير عند الله عظيمًا، حتى لو كان مجرد قلبٍ سليم لا يحمل حسدًا ولا حقدًا على أحد، أو كلمة طيبة، أو نية صادقة لا يعلم بها إلا الله. فالله لا ينظر فقط إلى كثرة العمل، بل ينظر إلى صدق القلب وحسن السعي.وهذا يعلّمنا أيضًا أن نسعى لاكتشاف لوننا الخاص الذي أودعه الله في فطرتنا، وأن نعمل على تطويره وإظهاره بأجمل صورة، وألا نتوقف عند لون واحد فقط؛ فقد يكون في داخل الإنسان ألوان أخرى كامنة لم يكتشفها بعد، ومواهب وصفات وأبواب خير لم تظهر إلا حين يسعى ويجرب ويقترب من الله. فكما أن الله جعل لكل عبدٍ طريقًا وبابًا يميزه، جعل في كل إنسان ألوانًا متعددة تنتظر أن تُكتشف وتُشرق في المكان الذي أرادها الله له..
وفي الختام
أنت عبدٌ محبوبٌ ومُقدَّرٌ ومُكرَّمٌ من قبل الله عز وجل، خلقك الله فأحسن خلقك، ووضع فيك إمكانيات عظيمة وألوانًا كثيرة قد لا تكون اكتشفتها بعد. وقد تترقى روحيًا حتى تصل إلى حالة تكون فيها أفضل من الملائكة الكرام الذين لا يعصون الله أبدًا ويفعلون ما يؤمرون. في هذا الزمن كل شيء قابل للزوال؛ فالقيمة والنجاح والمكانة التي يسعى خلفها الناس وهم معميون، ما هي إلا لذات مؤقتة إذا لم تقترن باللذة الحقيقية، وهي معرفة الله عز وجل والعلم به والقرب منه. فهذا هو الشيء الوحيد الذي إذا أصلحته لن يستطيع أحد أن يأخذه منك، حتى لو أصبحت وحيدًا؛ لأن الله سيملأ قلبك وينوره، ويجعل الألوان الكامنة فيه تُضيء لك وتنير لمن حولك أيضًا. وقد يكون لونك الحقيقي خبيئة بينك وبين الله، شيئًا خاصًا لا يعلمه إلا هو، فقد يكون عبادة خفية، أو صفة في قلبك، أو أثرًا لا يراه الناس ولكن يراه الله. ولدينا أمثلة كثيرة من قصص الأنبياء والصحابة؛ فموسى عليه السلام كان من ألوانه التي عُرف بها أنه كليم الله، ونبينا محمد ﷺ خليل الله،، وأيوب عليه السلام عُرف بلون الصبر حتى أصبح الناس يضربون به المثل ويدعون: يا رب ارزقنا صبرًا كصبر أيوب . وقد يظن البعض أن الله يريد منا أن نخطو خطوات عظيمة ونقوم بأعمال كبيرة حتى يتقبلنا، ولكن الله يريد منا قبل كل شيء الصدق وحسن النية والسعي إليه. ومن أعظم القصص التي تجسد هذا المعنى قصة الصحابي سعد بن معاذ رضي الله عنه؛ فقد أسلم وهو في الثلاثين من عمره، ولم يمضِ على إسلامه إلا ست سنوات فقط حتى توفي، ومع ذلك بلغ من منزلته أن اهتز عرش الرحمن لموته، وفتحت له أبواب السماوات، وشيّعه سبعون ألفًا من الملائكة. ست سنوات فقط كانت كافية لأن يترك أثرًا عظيمًا عند الله، ونحن قد نبلغ العشرين أو الثلاثين أو حتى الستين من أعمارنا، ماذا قدمنا لله؟ هل عرفنا اللون الذي أودعه الله فينا؟ هل عرفنا الله عز وجل حق المعرفة؟ الله لا يريدنا أن نكون بلا ضعف أو خوف أو تردد، ولهذا أحب دائمًا التأمل في قصة موسى عليه السلام؛ لأنه يشبهنا في كثير من الجوانب الإنسانية: الخوف، والتردد، وكثرة التساؤلات، الفضول ، التسرع وحتى مشكلته في الحديث والتأتأة، ومع ذلك اختاره الله ليكون كليمه ونبيه، وكان هذا هو اللون الذي تميز به. فلا تجعل ما يقوله الناس عنك يحاصرك؛ أن عليك أن تكون بالشكل الفلاني، أو أن تسلك الطريق الفلاني، أو أنك تأخرت وأن الزمن فات. فالعبرة ليست بمن بدأ، ولكن بمن أتمّ، وليست بمن سبق، ولكن بمن ثبت وصدق. فالحقْ بِركْب المجتهدين، فكم من مُتأخر بلغ القمة، وكم من مُبكّر تاه في السفح. واعلم أن الله سيقبلك كما أنت، وسيأخذ بيدك خطوة بخطوة؛ فهو اللطيف سبحانه، لا يمل من رجوع عبده حتى يمل العبد من الرجوع إليه. وعندما تصل إلى هذه المرحلة من التزكية بفضل الله، ستفهم أن التغيير الحقيقي يبدأ من الداخل؛ من نيتك، وقلبك، وسعيك في إصلاح نفسك، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾. وعندها ستدرك أن أجمل لون يمكن أن تصل إليه هو اللون الذي يرضاه الله منك، لا اللون الذي يطلبه الناس منك..
وهنا أصل معكم إلى مقولة الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه، التي أحبها كثيرًا :
دَواؤُكَ فيكَ وَما تُبصِرُ وَدَاؤُكَ مِنكَ وَما تَشعُرُ ..
وَتَـحْـسَبُ أَنَّـكَ جِـرْمٌ صَـغِـيرٌ وَفيكَ انطَوى العالَمُ الأَكبَر..
﷽
«اللهمَّ اجعلْ في قلبي نورًا، وفي لساني نورًا، وفي بصري نورًا، وفي سمعي نورًا، وعنْ يميني نورًا، وعنْ يساري نورًا، ومنْ فوقي نورًا، ومنْ تحتي نورًا، ومنْ أمامي نورًا، ومنْ خلفي نورًا، واجعلْ لي في نفسي نورًا، وأَعْظِمْ لي نورًا».


















لم أقرا المقال لكن سأعلق على العنوان فحسب
ان السلمون عندما يمشي عكس التيار سوف يموت غالباً
لانه استنزف كل طاقته عندما عاكس التيارات والشلالات
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
جزاكِ الله خيرًا على هذا المقال النافع، لفتات كثيرة استوفقتتي
اريد أن اشاركها معك وكل من يقرأ هذا المقال:
- عندما تكلمتي عن اللون ولوننا الخاص اتى في ذهني سؤالنا المعتاد للأحبة أول اللقاء: شلونك؟ كما وكأنها شو لونك اليوم ؟
[ لفتة سريعة خطرت ببالي عن عاداتنا اليومية ]
وعن النور والابتلاءات وكيف أن تزكية النفس مهمة تذكرت دعاء رسولنا الكريم صل الله عليه وسلم [ اللهم إني عبدك، ابن عبدك، ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ فيّ حكمك، عدلٌ فيّ قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي ]
هذا الدعاء مرتبط بمقالك بطريقة اخاذة ومغايرة واسعة للمعنى اي ان الربيع هي الوان زاهية مع نور القرآن الذي يطمئن به صدور الإنسان في الابتلاءات، بدأ بالقرآن الكريم لينتهي بذهاب وجلاء الأحزان والهموم
- وعن نظام الألوان (مونسل)، تذكرتُ أساسًا جوهريًا في عالم الفنون والتصميم وهو "نظرية الألوان"، وكيف أن القواعد الثلاث للألوان تؤثر عميقاً على كل ما يحتاج لوناً في هذه الحياة—سواء كانت لوحة فنية أو حتى صورة نلتقطها في الهاتف. هذا يعلمنا أن النظام والترتيب في الحياة أمران هامان جداً، لكن إضافة لمسة جمالية عليهما يساعدنا على تخطي الابتلاءات والمطبات، ويقودنا لإيجاد لوننا الخاص ونورنا الذي يُبرز تميزنا.
وفي الوقت نفسه، فإن أساس ظهور النور في الحياة هو الظلام؛ فالظلام ركيزة أساسية ليُرى النور. وهذا يعني أن الابتلاء هو ذلك "الظلام" الذي يوصلنا في النهاية إلى النور واللون المميز فينا، وأن أصل كل نور هو قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾.
- " كمن وصفهم الله بقوله: ﴿إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾، لا لأنه فقد النور تمامًا، بل لأن كثرة الظلمات من حوله حجبت عنه القدرة على رؤية نفسه وحقيقته.. " استوقفتني وتذكرت هذه الاية حتى أنني تكلمت عنها في أحدى حلقات بودكاست وجود بإسهاب، في قول الله تعالى في سورة طه:
[ بسم الله الرحمن الرحيم ]:
[ وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ (١٢٤)قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا (١٢٥)قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا ۖ وَكَذَٰلِكَ الْيَوْمَ تُنسَىٰ (١٢٦) ]
الله سبحانه وتعالى يفقد البصيرة لمن يعرضوا عن نور الله تعالى في الدنيا بالمعاصي والكبر فبداية الأمر الاعراض ومن ثم
معيشة لا يغمرها النور الذي يؤدي الى لون والنتيجة العميان الذي يغمره السواد - الله المستعان -
وسبحان الله عن موضوع الشيطان أيضًا تكلمت عنه بشكل مفصل في منصات وجود وتأثيره على حياتنا وطاقتنا الجسدية التي هي من احدى اقوى الاسباب التي تجعل لنا نور ولون خاص فينا
و في النهاية، علاقة قوية بين آخر دعاء في الختام وحماية الله لنا من خلال
١- النور
٢- الشيطان الرجيم
٣- المسجد
كما قلتي في مقالك الشياطين لا تحب النور فعلاً وجدًا:
فالشياطين تنفر من النور، وعندما ندعو بهذا الدعاء ونخرج إلى المسجد، يتضاعف هذا النور بمعية الله ثم ببركة المسجد. ولو تفكرنا في أمر النبي ﷺ لنا بعدم الاستعجال والسكينة أثناء المشي إلى الصلاة، لندرك أنه كما أن في التأني السلامة، فإن النور والسلام يأتيان معه أيضاً.. سبحانك يا الله!
شكراً لكِ على هذا المقال الثري والممتد.