أحياناً يكون التأخير هو عين العطاء
فما دام الأجل باقيًا كان الرزق آتيًا .
التعطيل
في زمن يطغى عليه التسارع، أصبحنا نعيش في عالم يطلب منا أن ننجز كل شيء بسرعة، نريد أن نكبر بسرعة، نريد أن ندخل الجامعة ونتخرج منها سريعًا، نريد أن نتوظف على الفور، ثم نتزوج، وفي السنة الأولى نرزق بأطفال، وغيرها من الأمور. إذًا، متى سنرتاح؟ متى سنأخذ نفسًا ونعطي أنفسنا فترة راحة؟ فترة نقاهة أو استراحة محارب على الأقل!
إذا كنت سأختصر حالنا في هذا الزمن، فإن ابتلاء العصر هو كيف تسترخي وتسلّم أمرك لله، وهذه مسألة صعبة جدًا. ومع انتشار مقاطع السوشيال ميديا التي تتحدث عن التعطيل، كنت في البداية متبنية نفس التفكير، وكنت أعتقد أن حياتي متعطلة و كلما فتحتُ هاتفي، كان يظهر لي نفس الموضوع. كنتُ في البداية لا أفهم ما هو التعطيل أصلاً،و كنت لا أعلم إن كانت خوارزميات أم رسالة من الله أم شيئًا آخر. شيخٌ يقول إنك متعطل بسبب ذنوبك، وآخر يقول إنك مسحور أو معيون، وآخر يقول إن لديك مس عاشق، والقائمة تطول ، كنتُ أسمع كل هذه الأقاويل، وأشعر بالحيرة الشديدة، وكان كل مقطع يعرض فكرة مختلفة، مما جعلني في حالة من التشتت والضياع. أحمد الله أنني تمكنت من الخروج من تلك الدوامة بسلام دون أن أفقد صوابي.
سابقًا لم يكن موضوع التعطيل والسحر والعين منتشرًا بكثرة مثل زمننا هذا، وهناك أسباب عدة لذلك، منها عرض الناس لحياتهم وخصوصياتهم على وسائل التواصل الاجتماعي، والتنافس الشديد في ذلك، وربما أيضًا بسبب ضعف إيمان البعض ونسيانهم ذكر الله. من جانب آخر، نجد أن البعض منا قد يفرط في التحصينات وأذكار الصباح والمساء التي تحمينا من شرور الناس. فنعم، نحن في زمن يجب علينا فيه الإكثار من ذكر الله والتحصين والقرب منه عمومًا، وذلك ليس فقط للحماية من السحر والعين، بل أيضًا من المعلومات الخاطئة واختلاط المفاهيم ودس السم في العسل واستغلال الناس باسم الدين. لذلك، قبل الدخول لأي موقع، أردد دائمًا: "اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، اللهم أرني الحق حقًا، وارزقني اتباعه". لأنك لا تدري من خلال متابعتك لمقطع واحد قد يغير تفكيرك وحياتك، إما إلى الأحسن أو الأسوأ فأسأل الله أن يحفظنا جميعًاو يحمينا من الفتن والضلالات ..
طبيعة هذه الحياة أن كل شيء فيها في حالة حركة مستمرة، فكل شيء في هذه الدنيا يتحرك، من دوران الأرض حول نفسها، وحركة البحار والأنهار والكواكب، وحتى الجبال التي ذكر الله سبحانه وتعالى أنها تتحرك. وجسمنا أيضًا في حالة حركة دائمة، من خلال أجهزتنا الداخلية وجريان الدم. كل شيء في حركة مستمرة. فقلت بيني وبين نفسي: هل الله سبحانه وتعالى قد خلقنا في هذه الأرض لكي يعطلنا؟ وما الهدف من التعطيل؟ لأن الله سبحانه وتعالى يذكر دائمًا في القرآن أن أي شيء نفعله، سواء كان خيرًا أو شرًا، يعود علينا؛ إن أحسنتم، أحسنتم لأنفسكم، لأن الله سبحانه وتعالى غني عنا، لا ينقص ولا يزيد من ملكه شيئًا. فما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم؟ نعم، أنا أؤمن بالابتلاء والذنوب، وأن الذنوب قد تمنع عنّا إجابة الدعوات. وأتذكر كلام الشيخ أحمد عبد المنعم حين قال: "إن الذنوب تعمل كحاجز أمام نزول المطر"، وأنه كلما استغفرنا، سمحنا للمطر - الذي هو الرزق - أن ينزل. وفي الحديث الشريف :
عن ثوبانَ مولَى رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: قال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((لا يَزيد في العُمْر إلا البِر، ولا يردُّ القدَرَ إلاَّ الدُّعاء، وإنَّ الرجل ليُحرم الرِّزقَ بالذنب يُصيبه)).
أنَّ الإنسان “لَيُحْرَمُ” أي: يمنع “الرزق”؛ أي: بعض النِّعم الدُّنيوية والأُخروية “بالذنب يُصيبه”؛ أي: بشؤم كسبه للذنب، ولو بنسيان العِلم أو سقوط منزلتِه مِن القلوب أو قهْر أعدائه له.
((ولا يردُّ القضاءَ إلا الدعاء))؛ بمعنى: أنَّه يهوِّنه حتى يصيرَ القضاء النازل كأنَّه ما نزَل.
((ولا يَزيد في العمرِ إلا البِر)) لأنَّ البرَّ يطيب عيشه فكأنما زِيد في عمره .
ولكن هذا لا يعني التعطيل الكامل عن الحياة، لأن الله سبحانه وتعالى قد يرزقك وأنت مذنب، ولكن دون بركة، فتشعر بوحشة في صدرك، فليس كل من وسع الله عليه رزقه يكون مكرمًا، ولا كل من قُدر عليه رزقه يكون مهانًا، بل قد يُوسع الله على عبده رزقه إملاءً واستدراجًا، وقد يُقدر عليه رزقه حمايةً وصيانةً له، وضيق الرزق على عبد من أهل الدين قد يكون نتيجة لذنوبه وخطاياه، كما قال بعض السلف: "إن العبد ليُحرم الرزق بالذنب يصيبه". وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: "منْ لَزِم الاسْتِغْفَار، جَعَلَ اللَّه لَهُ مِنْ كُلِّ ضِيقٍ مخْرجًا، ومنْ كُلِّ هَمٍّ فَرجًا، وَرَزَقَهُ مِنْ حيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ". وقد أخبر الله تعالى أن الحسنات تذهب السيئات، والاستغفار سبب للرزق والنعمة، وأن المعاصي سبب للمصائب والشدّة. قد تكون هناك أعراض مصاحبة لكثرة الذنوب، مثل الوحشة والحزن والمشاعر السلبية، فالذنوب قد تمنع عنّا إجابة الدعوات، وخصوصًا كبائر الذنوب، لذلك يامرنا الله دائمًا بالتوبة والاستغفار لنرجع إليه، وهو يبتلينا ليرجعنا إليه ونتوب.
ولقد لاحظت أن الذين يتبنون مفهوم 'التعطيل' وكأنهم يلقون عبء مشكلاتهم على الخارج؛ فمثلاً، يقولون 'أنا معيون' أو 'أنا محسود'، وكان ذلك بمثابة محاولة لطمأنة أنفسهم بأنهم ليسوا مسؤولين عن وضعهم، وأن التعطيل قادم من شيء خارجي. وأنا هنا أؤمن بالعين والسحر والجن، ولا أنكر ذلك؛ فهذه فعلاً أسباب من أسباب التعطيل. لكن حديثي هنا موجه لأولئك الذين يتبنون هذه الأفكار وهم في حالة صحية سليمة، ففي هذه الحالة قد يكون التعطيل ناتجًا عنا نحن أنفسنا. كيف؟ لأننا في بعض الأحيان نكون خائفين من مواجهة الواقع، أو من اتخاذ خطوة جادة وحقيقية في حياتنا. وعوضًا عن ذلك، نضيع وقتنا في أمور مثل 'التعطيل' وغيره، وهو ما يطيل فترة الجمود والتأجيل في حياتنا.
الشيطان يريد منا أن نركز في الأوهام؛ أن نعتقد أننا مسحورون أو معيونون، أو أننا مصابون بالعين، ليوهمنا أن كل ما يطرأ علينا من أزمات هو نتيجة لهذه الأمور. وهدفه في ذلك هو أن يشغلنا بالوساوس والهواجس، حتى نعيش في حالة من التشتت والقلق، ويصرفنا عن عبادة الله.
وأحب دائمًا أن أتذكر هذا الحديث الشريف: "واعلم أنَّ الأُمَّةَ لو اجتمعت على أن ينفعوكَ بشيءٍ لم ينفعوك إلَّا بشيءٍ قد كتبه اللهُ لك، ولو اجتمعوا على أن يضرُّوكَ بشيءٍ لم يضروكَ إلَّا بشيءٍ قد كتبه اللهُ عليكَ، جَفَّتِ الأقلامُ، ورُفِعَتِ الصُّحُفُ." إذا اجتمع كل الناس على أن يؤذوك، فليس هناك شيء يمكن أن يضرّك إلا إذا كان مكتوبًا عليك. وقد قال الله في القرآن الكريم: "وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ."
مشكلتنا أننا نعطي لهذه الأمور أكبر من حجمها حتى تصبح سيدة حياتنا، بينما في الحقيقة لا يملك الشيطان أي قوة حقيقية علينا. لو كان الشيطان يمتلك السلطة على حياتنا، لكان أبادنا جميعًا منذ زمن بعيد. ولكن سلطانه لا يتعدى الوسوسة فقط؛ فهو يرمى كلمات في ذهنك ويراقب رد فعلك، وإذا استجبت له، فستصبح أسيرًا لهذه الوساوس. لكن إذا استعذت بالله، فإنه ينصرف فورًا، كما قال الله في كتابه: "إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ."
والشخص الذي يتوكل على الله، ويؤمن بالغيب، ويسلم أمره لله، رغم جميع التحديات التي قد تواجهه في حياته، هو من سينصره الله في الأخير ..
لدي نقطتان مهمتان هما الأساس في فهم كل شيء، فإذا فهمنا هاتين النقطتين وطبقناهما في حياتنا، سننظر إلى الحياة بشكل مختلف. وأنا دائمًا أركز عليهما في مقالاتي لعظمتهما:
النقطة الأولى هي معرفة الدنيا وحقيقتها، وأنها لا تساوي شيئًا، فهي كجناح بعوضة. يجب أن نعلم أن الدنيا ما هي إلا اختبار، تمامًا كما لو كانت لديك لعبة تحمل قوانين واضحة وشروطًا محددة. في هذه اللعبة، هناك مرجع سترجع إليه لتعرف كيف يجب أن تتصرف، وهناك أمور تركّز عليها وتشتريها. وكذلك الدنيا، خلقها الله وخلقنا فيها ليبلوكم أيكم أحسن عملًا، كما قال سبحانه: "فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا"، فالله سبحانه وتعالى يبتلينا ليختبرنا ويعلم كيف نتصرف. القرآن والسنة هما مرجعنا الذي نعود إليه لنفهم ما يحب الله ونعمل به، وكيف نعامل أنفسنا والآخرين، وكيف نقتدي برسولنا صلى الله عليه وسلم ونطبق سنته في حياتنا اليومية.
فهم حقيقة الدنيا من أهم الأشياء التي يجب أن نعرفها. ليست كل الأشياء التي نريدها ستحدث كما نحب. لو استجاب الله لنا في كل ما تمنيناه، لكان الجميع في الجنة، لكن في الجنة لن تكون هناك مشاعر الضعف التي نمر بها في الدنيا، مثل الغيرة، والحسد، والخوف، والاستعجال، والقلق. هذه المشاعر هي جزء من اختبارنا في الحياة الدنيا، حيث يجب علينا أن نتحكم في مشاعرنا وألا نتبع أهواءنا. فالدنيا ليست مكانًا للراحة الكاملة، بل هي مكان لاختبار إرادتنا وصبرنا وقدرتنا على التغلب على هذه المشاعر. ما نمر به من ضعف وألم وصعوبة في الدنيا هو جزء من هذا الاختبار. الجنة هي المكان الذي تُزال فيه هذه المشاعر من قلوبنا، كما قال الله سبحانه وتعالى: "ونزعنا ما في صدورهم من غل". أما في الدنيا، فإننا في مرحلة اختبار مستمر؛ فكل مشاعرنا وأحاسيسنا هي التي تحدد كيف نتصرف في مواجهة التحديات. ومع ذلك، مشكلتنا الكبرى أننا نريد أن نعيش حياة خالية من المسؤولية تجاه هذه المشاعر. نرغب في الحصول على كل شيء بسرعة ودون تعب أو جهد، دون أن نتحمل عبء هذه المشاعر أو نجاهد لنحقق ما نريد. ولكن هذا هو الاختبار الحقيقي: أن نتعلم كيف نتحكم في مشاعرنا ونتجاوز التحديات بروح من الصبر والإيمان ..النقطة الثانية هي معرفة الشيطان وطرقه في إضلال المؤمن. إذا فهمت مداخل الشيطان، فحوالي 80% من مشاكلك، بإذن الله، ستحل، لأن وظيفة الشيطان الأساسية هي أن يشكك في نفسك وفي قدراتك وفي كل شيء.
النقاط الأخرى التي استفدتها عندما كنت أمر بهذه الفترة :
الإيمان بالغيب :
(قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ )
الله عز وجل قد بيّن لنا من البداية أن هذه الدنيا ما هي إلا اختبار، وأنها لن تسير وفق اختيارنا أو تخطيطنا. كل ما علينا هو التسليم والتوكل والإيمان بالغيب. والعجيب أن الله سبحانه وتعالى ذكر في بداية القرآن، بعد الفاتحة، في سورة البقرة، في أول الآيات: “الذين يؤمنون بالغيب”، لأن هذا هو الامتحان الحقيقي والصعب: أن نؤمن بالغيب. الله سبحانه وتعالى لا يمكننا أن نراه، والرسول صلى الله عليه وسلم ليس بيننا، الملائكة معنا ولكننا لا نراهم، والشياطين أيضًا لا نراهم. وهذه مسألة صعبة جدًا أن نؤمن بالغيب، ومن شروط ان تكون مؤمنا ان تومن بالله وملائكتبه وكتبه ورسله ، كلها غيبيات لذلك كان الله سبحانه يمدح المؤمنين الذين يخشون ربهم بالغيب، لأن العبادة في الغيب هي عبادة صعبة للغاية؛ فهي محاربة للشكوك والتساؤلات والخوف والضغوطات، والتمسك بالثقة في الله.أن لا ندعو الله من منطلق الإحباط :
من المهم أن ندعو الله بثقة، وألا يكون طلبنا نابعًا من الإحباط أو الشعور بأننا سنموت إن لم نأخذ ما نريد. حسن الظن بالله والتفكير الإيجابي هما أساس الدعاء، لأن الله سبحانه وتعالى لا يرضى لعباده إلا الخير. في عقلية المعطل، حتى عندما يكون الشخص يعالج نفسه، سواء بقراءة رقية أو استغفار أو غيرها من الأذكار، فإنه يحمل همّا ويظل مشغولًا بالتفكير السلبي والشكوك المستمرة. يجب أن نعلم أن الشك هو عدو النجاح. حتى الدعاء لن يستجاب إذا كان الشخص يحمل شكوكًا في استجابة الله له، باختصار نحن بذلك نُسيء الظن بالله. كما قال الله تعالى: "وَذَٰلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنَ الْخَاسِرِينَ"، فالله قد أرداهم بسبب سوء ظنهم، وعلى حسب ظننا بالله، سيكون العطاء. كما جاء في الحديث: "أنا عند ظنِّ عبدي بي، فليظنَّ بي ما شاء". لذا، عقلية المعطَل يذهب من شيخ إلى شيخ، ومن طريقة إلى أخرى على أمل أن يجد الشفاء، بينما الشفاء يكمن في تغيير طريقة تفكيرنا، وفي أن نثق بالله ونحسن الظن به..الانشغال بما وضعه الله في طريقك دون مقاومة :
هذه النقطة الأساسية: المقاومة لا تفيد. حياتنا تشبه جريان البحر، هل عندما يصطدم الماء بحجر في طريقه يتوقف؟ بالطبع لا. بل سيبحث عن مخرج ويستمر في سيره. وهذا هو مفهومنا مع التعطيل في الحياة. عندما نواجه عائقًا أو حجرًا كبيرًا في طريقنا، بدلًا من أن نصرّ على الوقوف أمامه والشكوى، يجب أن نتفكر ونبحث عن مخرج. قد يكون المخرج على اليمين أو اليسار, فبدلًا من التوقف والشكوى والتفكير في العين أو السحر أو الحسد، يمكننا أن نتحرك ونبحث عن المخرج. بالطبع، لا أنكر أن العين والسحر من أسباب التعطيل، ولكن إذا علم الله أنك تسعى للشفاء، سيرسل لك الأسباب، مثل المقاطع الرقية أو ذكر معين أو الشيخ الراقي الذي يساعدك، لكن، عليك أن تسعى، تقرأ وردك، وترقي نفسك، لأن هناك من يرضون بالدور كضحايا ويظنون أن السحر هو الذي يعطلهم، في حين أن هناك الكثيرين ممن أصيبوا بأنواع السحر القوية وبعد توكلهم على الله وأخذهم بالأسباب، شفاهم الله وعافاهم..يجب ألا نشرك بالله شيئًا:
وأن نعبده دون وسيط. الله سبحانه وتعالى يريد منا أن نرجع إليه مباشرة، دون وسطاء، ومع الأسف، نجد أن بعض الناس والمؤثرين يدّعون أنهم وسطاء، ويعتمد عليهم البعض أكثر من اعتمادهم على الله، في حين أن الله يريدنا أن نرجع إليه هو وحده. نعم، لا ننكر أن تذكير الناس لبعضهم البعض بالله أمر جيد، ومن المفترض أن نُذكر بعضنا البعض من وقت لآخر للرجوع إلى الله، لكن المهم أن ندرك أن هؤلاء الأشخاص ليسوا سوى مرشدين لنا إلى الله، وليسوا وسيلة للاستغناء عن العودة إليه مباشرة ، لكن المشكلة تكمن عندما يستغل بعض الأشخاص ضعف الناس في فهمهم عن الدين، فيجعلونهم يعتقدون أنهم وحدهم من يستطيعون حل مشاكلهم، ويبيعون لهم الأوهام باسم الدين. هؤلاء الأشخاص يحبسون الناس في دوامة من التردد والحيرة، دون أن يقدموا لهم أي حل حقيقي، لمجرد الاستفادة منهم لصالحهم الشخصي. وفي النهاية، يُقنعون الناس بأن الحلول موجودة لديهم فقط، وكأنهم هم من يمتلكون القدرة على إخراجهم من مشاكلهم أو من الظلمات التي يمرون بها …
اظهار ضعفك البشري وعدم التكبر :
أعتقد أن الكثير من الناس قد يظنون أحيانًا أن حياة الإنسان يجب أن تسير وفقًا لما خططوا له، وأنه لا يجوز حدوث أي تعطيل. إذا تأخر شيء أو لم تُستجاب دعوة، يظن البعض أن هناك خللاً. لذلك، نجد البعض يقولون “تعطيل” لأنهم يعتقدون أن حياتهم يجب أن تمضي كما خططوا هم لها، وليس كما أراد الله سبحانه وتعالى. وكأنهم هم من يتحكمون في مجرى حياتهم ويعرفون ما هو الأصلح لهم.
الكِبر هنا يكون متمثلًا في أنني أعرف حياتي، وأعرف ما هو الأفضل لي، كأن القوة بيدك أنت لا بيد الله عز وجل. تريد أن تتحكم في مصيرك وحياتك وتخرج الله سبحانه وتعالى من المعادلة، مثلما حدث في قصة “صاحب الجنّتين” في سورة الكهف: [وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا]. هذه الآيات تمثل مثالًا واضحًا لكون الشخص قد ينجرف ويصل إلى مرحلة الغرور، حيث يتوهم أنه أكثر مالًا وأعز نفراً. وعندما يصل الإنسان إلى هذه النقطة من الوهم، يصبح كأنه يعتقد أنه هو من يمتلك القوة الكاملة على حياته وكل شيء سيكون وفقًا لرغباته. وقد يُصدق هذا الشخص هذا الوهم فيصل إلى مرحلة الكفر، كما حدث مع صاحب الجنتين عندما قال [وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً،]، بل إنه حتى ضمن أن الله سيدخله الجنة لأنه منعم في الدنيا. عندها، قال له الرجل المؤمن: “قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا” ، أنت كنت عدمًا، والله خلقك من نطفة ثم علقة ثم سواك رجلاً،ثم تتصرف بتكبر وتتعالى على الناس . والقرآن دائمًا يُحيي فينا هذه النقطة، أنه مهما وصلنا من مال أو علم أو قوة،لا يجب أن ننسى أننا مخلوقون ضعفاء، خُلِقْنا من ماء مهين ، وقد قال الله سبحانه وتعالى في القرآن: “مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ”، قد نتمسك أحيانًا بكتب التنمية والدورات التي تتعلق بالتشافي ومعرفة النفس، ونُصِرُّ عليها إلى درجة أننا ننسى أو نهمل جانب الرجوع إلى الله عز وجل. وهذا أيضًا يدخل في مسألة الكِبر، حيث نبدأ في التفكير أننا أفضل من غيرنا في جوانب كثيرة، وبالتالي نتساءل: “لماذا لم يُعطِني الله ما أريد؟ لماذا لم يمنحني ما أستحقه؟” ونظن أننا نستحق شيئًا كأنه حقٌ علينا، وأن الله يجب أن يُعطينا لأننا “أحسن من غيرنا”. هذا الفكر تروج له بعض مدارس التنمية البشرية وعلم الطاقة، بل وأحيانًا بعض شيوخ الدين، إلا من رحم الله. ونحن هنا لا نطالب بما هو مستحق على سبيل الفرض، بل يجب أن نتذكر دائمًا أن الله يدعونا للتواضع والانكسار، والرجوع إليه بلا كبرياء. الله يحب أن نثق فيه، وبالتالي نثق في أنفسنا، لكن ثقتنا بالله لا تعني غرورًا أو تكبرًا.. فالثقة بالنفس التي نكتسبها من ديننا، تكون ثابتة وقوية، على عكس الثقة التي تُبنى على الأمور المادية التي قد يأخذها الله منا في أي لحظة، وهو ما قد يؤدي في كثير من الأحيان إلى ازدراء الآخرين. لذلك، قال الله تعالى: “وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا”، أي لا تكبر ولا تفتخر في الأرض، لأنك في النهاية مخلوق ضعيف تحت قدرة الله. إذا كان رسولنا الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام كان يجلس مع الصحابة حتى أن الناس لم يعرفوا أنه النبي صلى الله عليه وسلم.
وفي الحديث : “بينما نحن جلوس مع النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد، دخل رجل على جمل، فأناخه في المسجد ثم عَقَلَه، ثم قال لهم: أيُّكُم محمد؟ والنبي صلى الله عليه وسلم متكِئٌ بين ظهرانَيْهِم”.
يسأل عنه لأنه لم يعرفه من قبل، ولم يكن هناك ما يُميّزه عن الصحابة من مجلس أو ملبس أو هيئة. وهنا، في زماننا هذا، يعاملك الناس وفقًا لمكانتك، أموالك، لقبك، ووظيفتك، متناسين أن التقوى هي التي تفرق بين الناس وتمنحهم التكريم عند الله عز وجل.
أَحْسَنَ الْقَصَصِ
وعندما مررت بتلك الفترة، جعلني الله سبحانه وتعالى أستشعر قصة نبينا يوسف عليه السلام
إذا بدأنا من بداية قصة يوسف عليه السلام، وهي تعد من أعظم القصص التي ذكرها الله في كتابه، فقد وصفها سبحانه وتعالى بقوله: «نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ»، ومن هنا يظهر لنا عظمة هذه القصة في نظر الله، فهي تحمل بين طياتها معانٍ عظيمة، وحِكَمًا كثيرة، وتتناول حياة نبيه يوسف عليه السلام بكل جوانبها، من المحن إلى الفرج، ومن الظلم إلى العز. وكأنك، عند قراءتها، تعيش مع سيدنا يوسف لحظات الألم والفرح، الصبر والنجاح، وكأنك جزء من هذه القصة العظيمة التي تعكس واقع الحياة بآلامها وآمالها. فعندما نقرأ هذه السورة، نجد أنفسنا نمر بتجارب يوسف عليه السلام، نتألم كما تألم، نفرح كما فرح، نعيش مع كل لحظة من لحظات حياته. وعندما نصل إلى نهاية القصة، نشعر بسعادة لا توصف، لأنها تمثل الجبر العظيم وتحقيق الرؤية التي بشر بها يوسف عليه السلام، كما أنها تعلمنا كيف أن الصبر على البلاء والتوكل على الله لا بد أن يثمر في النهاية. قصة يوسف، رغم طولها، هي قصة تعيش معك، تأخذك بمشاعرها، وتعصف بك بكل حدث ..
إنها بحق من أحسن القصص والعبر ..
من الأشياء التي استفدتها من سورة يوسف :
قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا
اليقين بالله :
* قال عطاء بن أبي رباح رحمه الله:*
متى ما أطلق الله تعالى لسانك بالدعاء، فاعلم انه يريد ان يعطيك ما تشاء مهما عُظم مرادك عُظم مطلبك فإذا كنت تسأل الله تعالى دائمًا - الفردوس الاعلى - من الجنة ! ...
فاعلم أن الله يريد أن يدخلك إياها وإلا لصرفك عن ذلك الدعاء كما صرف غيرك عنه ! ...
و* قال الإمام ابن القيم رحمه الله:*
فمن أُلهم الدعاء فقد أُريدَ به الإجابة ...
فإن الله سبحانه قال: { ادعوني أستجب لكم }.
فإن الله سبحانه وتعالى قد يُدخِل في قلوبنا الأمل في البداية، ويُحفِّزنا تجاه أمر معين أو دعوة معينة، ويغرس في داخلنا الأمل، لكن الواقع قد يكون مغايرًا تمامًا. قد نواجه صعوبات وابتلاءات، مثلما حدث مع يوسف عليه السلام. بدأ الأمر من غيرة إخوته ومحاولتهم قتله، ثم رميه في البئر، وكان وحيدًا في تلك العتمة، ولنا أن نتخيل مشاعر طفل صغير يُلقى في بئر عميق، حيث سيشعر بلا شك أن نهايته قد اقتربت. لكن رحمة الله عز وجل أوسع من كل شيء،، فعندما استلمت قافلة العزيز يوسف عليه السلام، بدا وكأن الأمور ستتحسن، ولكن ما لبث أن فوجئ يوسف عليه السلام بمحنة جديدة، وهي محاولة امرأة العزيز التودد إليه. وبعدها قصة دخوله السجن حيث مكث فيه سنوات عديدة. بل حتى عندما قال للذي ظن انه ناج منهما ﴿ اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ ﴾ ، فأنسى الشيطان ذلك الناجيَ ذكر يوسف وذلك ليتم الله أمره وقضاءه .
عندما نقرأ السورة ونتابع كل فصل من فصول قصة يوسف، نشعر بمدى التعطيل والصعوبات والتعكيسات التي مرَّ بها، حتى في السجن كان يظن ان الناجي سيذكره عند الملك ويخرج ولكن مكث بضع سنين والبضع من الثلاث إلى التِّسع؛ ولهذا قيل: إنه لبِث سبع سنين . سبع سنين ظلما وعدوانا ومع ذلك هل ياس او انتكس ؟ لا ما زال متشبثا بالامل الذي بثه اللله في صدره .. لذا في كل مرحلة من تلك المِحن كان اليقين بالله هو الذي يثبت قلبه. وفي النهاية، تحقق الفرج بعد الشدة، وتحقق وعد الله.
يوسف عليه السلام كان دائم الشعور بمعية الله في كل لحظة، وكان على يقين أن الله سيجعل رؤياه حقيقة. فهل يعني هذا أنني يجب أن أتوقف، أو أن الله يضع الأمور في قلبي عبثًا؟ عندما جاء الوحي ليوسف عليه السلام بالبشرى برؤيا عظيمة، هل تحققت فورًا؟ لا، يوسف مرَّ بصعوبات كثيرة، ويمكننا أن نقول إن ما مرّ به يوسف عليه السلام اشبه ما يقول الناس عنه اليوم “بالتعطيلات”، لكن هل يأس يوسف عليه السلام؟
كان الله سبحانه وتعالى يُهيئه، لأن العوض الذي كان سيأتيه عوض كبير جدًا، ولابد أن يكون مهيأً ليتمكن من تحمل تلك النعمة. فالابتلاءات التي مرَّ بها كانت لصقل شخصيته وتقويته، ولتُظهر له حقيقة الأمور، ولتمنحه الخبرة في التعامل مع الناس والمواقف المختلفة. ولهذا، عندما وصل إلى النهاية، قال: «وقد أحسن بي»، لأنه عرف أن تلك الابتلاءات كانت رحمة من الله عز وجل وتهيئة له ..
وَقَدْ أَحْسَنَ بِي
عقلية الضحية :
رغم أن يوسف عليه السلام تعرض لابتلاءات كثيرة، ومعظمها كانت من الناس ومن المقربين، إلا أنه لم يكتفِ بالجلوس قائلاً :إنني سأنتقم من إخوتي وأزجهم في السجن كما فعلوا بي، بل على العكس، خرج من السجن ليُنقذ الناس، ولم يوجه اللوم للناس و الظروف بل قال ببساطة «مِن بَعْدِ أَن نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي»، لأنه كان يعلم تمامًا ألعاب الشيطان وخبثه، ونزغه بين الناس. فلم يُعطِ الشيطان أكبر من حجمه، ولكننا نحن في كثير من الأحيان نفتح الأبواب لأنفسنا، وإذا فعلنا ذلك، نصبح في دوامة من التفكير: «أنا تعرضت للأذى»، «لماذا فعلوا بنا ذلك؟»، وقد تتطور هذه المشاعر إلى كراهية وضغينة تجاه الآخرين.
لكن يوسف عليه السلام كان يعلم أن فتح هذا الباب سيعيقه عن هدفه الأسمى وهو عبادة الله عز وجل ونشر الدين ، وفي النهاية، جعل الله عز وجل يوسف عزيز مصر، وكرم والديه، وعفا عن إخوته الذين اعتذروا منه. وانتهت القصة، لذلك الله سبحانه وتعالى دائمًا ما يحثنا على العفو والصفح، ويعدنا بأجره الكبير عنده وأن لا ننجرف مع وسوسة الشيطان في زعزعة النفوس ونشر الكراهية والبغضاء بين الناس.
ولأن الشيطان يريدك أن تكون في مرحلة الركود، أن تكون عالقًا، عالقًا في الأوهام، أوهام نفسك وتفكيرك. حتى التفكير المفرط والوسوسة، وهوس الكمال، وكل هذه الأشياء غالبًا ما تكون من الشيطان، لأنه يريد منك أن تلوم العالم الخارجي: الناس، المجتمع، والديك، مثلما يحدث الآن مع من يركزون على جرح الأم والأب، وغيرها من المفاهيم التي يرددونها. من الجميل أن نفهم النمط ونفهم لماذا حدث لنا ما حدث، وأن نحاول تجنب الأخطاء أو المفاهيم الخاطئة التي نشأنا عليها. لكن فتح الملفات القديمة باستمرار وأخذ كل شعور، والتساؤل لماذا عاملوني هكذا؟ ولماذا لم يشتروا لي الآيس كريم عندما كنت أبكي وانا صغير ؟ ولماذا كرهوني بسبب ذلك؟ سيجعلك تدخل في دوامة قد لا تستطيع الخروج منها. وأذكر أنني سمعت أحد الشيوخ والعلماء يقول:
على الانسان ان ينسف الماضي :
“ هنا إشارة إذا كان الانسان يعيش للحق لا يعيش للرغبة الذاتية او مثلا النصرة الذاتية ، اذا وقع في ألم أو وقع في امتحان عليه أن يعيش لأمته لا يعيش للماضي ولا يعيش أيضًا للانتقام من الذات او نحو ذلك ، فعليه أن يعلم أن الرسالة التي ارسلها الله عز وجل له هي ليست تصفية لحسابات ذاتية واشباع رغبات نفسية وانما هي إحقاق الحق، ولهذا يوسف عليه السلام مكث في السجن بضع سنين ثم خرج لانقاذ الناس” . وما أقام مسألة قضية ذاتيةوقام بذكرها ونحو ذلك ، فالانسان ربما يأتي له ابتلاء يأتي له اختبار او ضيق او امتحان اما في نفسه او عِرضه او ربما في ماله او ربما في بلده أو نحو ذلك ، فكثرة ذكر مثل هذه الاشياء مما يُحيي في النفس الألم فعلى الانسان أن ينسف الماضي ..
۞ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ۚ
ينبغي على الانسان أن يعلم في طريق الحق أن الله عز وجل اشترى منه نفسه ، وهذه النفس لا تُعلّقها بمال أو عرض أو نفس وما يتعلق بالأمور المعنوية وغير ذلك ، واذا بعت نفسك اذًا فلا تصفي حساباتها لانها قد اشتُريت وانتهت ، والله عز وجل هو هو المشتري سبحانه ، فاذا قمت بتصفية حسابات ذاتية إذًا أنت أخللت في عقد البيع .
فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ
الله يعلم بحال قلبك وتساؤلاتك :
لا تنسى أن الله يعلم ما في قلبك، يعلم كل ما تمر به، وما يضايقك، وما تفكر فيه، وما تريده بشدة. عندما قال الله عن يوسف( فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ) , نحن لم نكن لنعرف أن يوسف أسر هذا الشيء، ولكن الله ذكره لأنه يعلم ما في القلوب. سيدنا يوسف تعرض لأذى كبير من إخوته، وفوق ذلك كظم غيظه. كان يمكنه أن يقول لهم : لقد أصبحت ملكًا عظيمًا، وجاء دوري لكي أعاقبكم على ما فعلتموه بي، لكنه كتم غيظه في نفسه ولم يبدِ شيئًا لهم. والله ذكر صفات المتقين فقال(وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ )، والكاظمين أي: إذا حصل لهم من غيرهم أذية توجب غيظهم -وهو امتلاء قلوبهم من الحنق، الموجب للانتقام بالقول والفعل-، هؤلاء لا يعملون بمقتضى الطباع البشرية، بل يكظمون ما في القلوب من الغيظ، ويصبرون عن مقابلة المسيء إليهم. وهذه صفة شديدة جدًا على النفس، ولكن يوسف عليه السلام كتمها، فرد بالحلم والحكمة ولم يقابلهم بالمثل.
فَصَبْرٌ جَمِيلٌ :
هنا نصف كيف وصف الله عز وجل الحزن الكامل لسيدنا يعقوب عليه السلام. يعقوب عليه السلام عاش الحزن بكل جوانبه، بدون أي مقاومات أو طرق لتخفيفه. وهنا نرى كيف أن الله وصف حزن سيدنا يعقوب في آية حزينة جدًا، حيث قال: (وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ ). فكان قلبه ممتلئًا بالحزن الشديد على يوسف، حتى أصيب بالعمى. ولكن ماذا قال؟ قال أجمل آية ( فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ۖ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ). أستعين بك يا ربي أن تخرجني من هذا الضيق، فلا حول لي ولا قوة إلا بك، وهذه هي النقطة التي نريد أن نصل إليها في فترة الابتلاء أو الصعوبات. ربنا لا يمنعنا من أن نحزن ونعبر عن حزننا، بل نستعين بالله في حزننا أن يقوينا، لأن في النهاية هذه مشاعر إنسانية ولا بد أن تظهر. هنا، الله سيتولى قلبك، ونحن نعيش الحزن بالكامل دون أن نقاومه، ولكن نصبر صبرًا جميلًا يحبه الله ويرضى عنه، دون سخط أو جزع أو يأس. ولا ننسى أن الله يحب الصابرين وأنه مع الصابرين. ونحن يجب أن نصبر ونحتسب الأجر عند الله سبحانه، كما رد الله يوسف إلى يعقوب ورد عليه بصره، وجعل يوسف عزيز مصر. أليس الله سبحانه وتعالى قادرًا على تحقيق مطلبك، وإقرار عينك، وإيتاؤك سُؤلك؟ بلى إنه على كل شيء قدير سبحانه..
طيب هنا ممكن تسأل ، خلال المرحلة دي أنا أعمل شنو ؟
كيف أتمسّك بالأمل وكل حاجة متوقّفة في حياتي ؟؟
رَزْقُكَ مَكْتُوبٌ
قرأت مؤخرًا شيئًا صدمَني صراحة، وكنت أفهمه بشكل خاطئ. عندما أسالك، مثلًا، متى يموت الإنسان؟ أكيد ستجيبني “عندما يأتي أجله”. ولكن الحقيقة هي أن الإنسان يموت عندما ينفد رزقه. وهذا يقودنا إلى أن وجودك في الدنيا يعتبر رزقًا، بمعنى أن مدة عمر الإنسان داخلة في عموم الرزق تخيل! يعني أننا نعيش داخل رزقنا الذي كتبه الله لنا،تخيل حياتك كلها عبارة عن رزقك الكامل، بما في ذلك التعكيسات والابتلاءات والصعاب التي تراها، من وجهة نظرك قد تكون تعطيلات، لكن هي في الحقيقة رزق. نحن نعتقد أن الرزق فقط هو المال، السيارات، البيوت، والحياة الفارهة، لكننا ننسى أن كل نفس نتنفسه هو رزق، وكل لقمة نتناولها هي رزق. وإذا بعث الله فيك عمراً جديداً واستيقظت صباحاً، فهذا يعني أن رزقك لم ينفد بعد وما زال مستمراً.. لذلك، عندما نكون عالقين في عقلية التعطيل، نكون قد نسينا الرزق الذي حولنا وركزنا فقط في الأشياء التي لا نملكها. كم مرة سمعنا عن شخص توفي في يوم زواجه أو في يوم تخرجه؟ لأنه ببساطة لم يكن مكتوبًا له أن يعيش تلك اللحظة. أو قد نسمع أحيانًا عن شخص توظف، وقبل أن يستلم راتبه بساعة، مات، وهذه الحوادث تجعلنا نستشعر كل لحظة ونشكر الله على كل دقيقة نعيشها. وهناك بعض العقول التي تقول "إلى أن أتزوج سأعيش حياتي"، أو "إلى أن أتوظف سأهتم بهذا الشيء الفلاني"، “أو حتى أصل الى عمر معين حتى ألتزم بالحجاب او الصلاة “ ثم يقضون وقتهم في الترقب والتأجيل، لكن السؤال الذي يجب أن نطرحه هو هل أنت ضامن نفسك أن تعيش حتى يحين ذلك الوقت؟ هل أنت متأكد أنك ستصل إلى اللحظة التي تأمل فيها كل شيء؟ الحياة لا تنتظر أحدًا، وما من ضمان للغد لذا يجب أن نعيش كل لحظة بحمد الله، ولا نؤجل حياتنا أو أحلامنا إلى وقت غير معلوم .
وهنا أذكر لكم هذه القصة: كان هناك رجل في أحد الأماكن، فسقط في بئر. لم يشك أحد ممن كانوا حوله أنه قد مات. ثم نزل بعضهم في البئر وأخرجوه، فإذا به حي ولم يصب بأذى. فبعد أن أخرجوه من البئر، قدموا له لبنًا ليشربه حتى تهدأ نفسه ويستقر حاله. فلما شرب اللبن، قال له الرجال الذين أنقذوه برحمة الله، كيف وقعت يا فلان؟ فأخذ يشرح لهم كيف وقع، وكيف اتكأ على شيء ظنه صلبًا، فوجد أنه لين، وأخبرهم كيف كان في وضع خطر، لكنه وقف على حافة البئر، وكان يحاكي كيف مر بالموقف حتى سقط مرة أخرى. فلما سقط، أخرجوه فإذا هو ميت، كأنه خرج من البئر فقط ليشرب تلك الجرعة من اللبن. سبحان الله!
قال رسولُ ربِّ العالمِينَ ؛ جِبريلُ نَفَثَ في رُوعِي إنَّه لا تَموتُ نفسٌ حتى تسْتكمِلَ رِزْقَهَا وإنْ أبطأَ عليهَا ، فاتَّقُوا اللهَ ؛ وأجْمِلُوا في الطَّلَبِ ، ولا يحْمِلَنَّكم اسْتِبْطاءُ الرِّزقِ أن تَأخذُوهُ بِمعصيةِ اللهِ ، فإنَّ اللهَ لا يُنالُ ما عِندَه إلا بِطاعتِه ..
وليس المقصود أن الاستسلام لقدر الله يكون مدعاة للكسل والتواكل أو التراخي في السعي. بل على العكس، فإن السعي في طلب الرزق هو جزء من العبادة، ولكن يجب أن يكون هذا السعي معتدلاً، دون إفراط أو تفريط، ومن خلال الطرق المشروعة. كما جاء في الحديث: “وأجْمِلُوا في الطَّلَبِ”، أي أن علينا أن نسعى في طلب الدنيا ولكن بأسلوب معتدل يتناسب مع مبادئنا وقيمنا، دون أن نلجأ إلى الحرام. وفي القرآن الكريم نجد العديد من الآيات التي تحث على التقوى، كما قال الله تعالى: “إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ” ، “وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ”. لكن في زمننا هذا، أصبح الحرام منتشراً بشكل واسع، سواء كان ذلك في صورة ربا أو رشوة أو التنازل عن المبادئ. وهذا الضغوط قد تدفع البعض للجوء إلى الحرام للحصول على ما يريدون. ولكن رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم أمرنا بقول: “ولا يحْمِلَنَّكُمْ استِبْطَاءُ الرِّزْقِ أَنْ تَأْخُذُوهُ بِمَعْصِيَةِ اللَّـهِ”، لأن ما عند الله لا يُنال إلا بطاعته..
قال النبي صلى الله عليه وسلم :
(الكيس من دان نفسه ، وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني) .
و كنت بسال نفسي دايما كيف اعرف انو الحاجة دي ما من نصيبي ؟
والحقيقة أنك لن تعرف ما إذا كان الشيء مكتوبًا لك أم لا إلا إذا سعيت، ومشيت، وسألت، واستخرت. فإذا أتاك الله به، فاعلم أنه من نصيبك، وليس لأنك تعبت واجتهدت، بل لأن الله قد كتبه لك قبل أن تُخلق. وإذا لم يُكتب لك، فاعلم أن ذلك ليس من نصيبك، كما قال تعالى: “نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا” وأيضًا “اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ ۚ “ ، و قد تشعر بالحزن لأنك ترغب في شيء معين، ولكن قد لا يكون ذلك من نصيبك. ومع ذلك، إذا لم يكتب الله لك أمرًا معينًا، فاعلم أنه سيُفتح لك باب آخر أكثر توافقًا معك، وستكتشف في النهاية أن ما لم يحدث كان في مصلحتك، وأن الله اختار لك الأفضل، حتى وإن لم تدرك ذلك في البداية.
ثم تذكرت هذه المقولة: “اعمل لآخرتك كأنك تموت غدًا”، واسأل نفسك: إذا كان اليوم آخر يوم في حياتي، ماذا سأفعل؟ هل سأغرق في الماضي وأفتح الملفات القديمة، أم سأستغل كل دقيقة في التقرب إلى الله؟
مفهوم التعطيل أصبح منتشراً بكثرة في الآونة الأخيرة، حيث ربطه البعض بالسحر والحسد والعين، مما يجعلنا نبدأ في الشك في أنفسنا، وقد يصل بنا الأمر إلى درجة الهوس والربط بين كل شيء بانه عين او سحر . لا أنكر أن العين حق، ولكن جزءاً كبيراً من المسؤولية يقع على عاتقنا نحن في تحمل ما يجري معنا، وأخذ الأسباب التي أمرنا الله بها، مثل الدعاء، والتوجه إليه بالاستغفار والتوبة ، والتوكل عليه. نحن مطالبون بالتوجه إلى الله أولًا في كل امورنا، وأخذ الأسباب التي تيسر لنا الطريق، دون أن ننغمس في التفكير المفرط في الأمور الدنيوية فقط. فالحياة ليست مجرد سلسلة من التجارب التي نسعى فيها لحلول فورية، نعم نأخذ بالنصائح، والأسباب، لكن نيتنا يجب أن تكون خالصة لله، لا من أجل الدنيا فقط، بل للجمع بين الدنيا والآخرة معًا. لا ينبغي لنا أن نقول "إذا لم يضبط معي هذا الحل، سأذهب لشخص آخر او شيخ أو دورة أخرى"، بل يجب أن نثق في الله ونجعل نيتنا أن نتقرب إليه اولا مهما كانت الظروف. وبعدها كل الأعمال والنيات والأذكار في النهاية، سواء كانت رقية أو ذكرًا أو قراءة للقرآن، تهدف إلى تقربك إلى الله. قد تدخل إلى الله من باب الرقية أو الذكر أو ختم القرآن أو الصدقات، ولكن الله برحمته ييسر لعباده بما يعلم أنه يناسب قدرتهم. أحيانًا، تبدأ تذكر الله لغرض دنيوي، ولكن الله بحكمته يجعل قلبك يحب الذكر من أجل الله، لأنه يوجهنا إلى الشيء المهم الذي يجب أن نركز عليه. الله سبحانه وتعالى سيختار لنا دائمًا الأفضل. قبل أن يمنحنا مرادنا، سيجعلنا نحبه ، ونعظم قدره، ويجعلنا نحب الصلاة ونلتزم بها، ويجعلنا نحب ذكره وقراءة القرآن، ونتأمل في آياته.. سيجعلنا نشعر بقربه ومعيته، ويرينا حقيقة الدنيا وحقيقة كل شيء،( حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ) ويثبت في قلوبنا المعاني الأساسية التي غفلنا عنها. ويجعلنا نتفكر في الرسائل الربانية الكامنة وراء فوات الرزق، فلعل في فواته خير لك أكثر من إتيانه، بما يزيل الغشاوة عن عينك وينبهك لتقصير وتدارك وتوبة، أو يزيدك فهما وبصيرة وتحررا من هواجس ما فاتك وما يأتيك وهذه والله أعظم نعمة، وحتى لو استجاب الله لمرادك وما تتمناه ، ستظل تشعر بحلاوة الإيمان، وهذا هو الفوز العظيم ...
قال ابن القيم رحمه الله :
فرِّغ خاطرك للهمِّ بما أُمرت به ، ولا تشغله بما ضمن لك ؛ فإن الرزق والأجل قرينان مضمونان ، فما دام الأجل باقيا كان الرزق آتيا ، وإذا سد عليك بحكمته طريقا من طرقه ، فتح لك برحمته طريقا أنفع لك منه ؛ فتأمل حال الجنين : يأتيه غذاؤه وهو الدم ، من طريق واحدة وهو السرة ، فلما خرج من بطن الأم وانقطعت تلك الطريق ، فتح له طريقين اثنين ، وأجرى له فيهما رزقا أطيب وألذ من الأول : لبنا خالصا سائغا ، فإذا تمت مدة الرضاع وانقطعت الطريقان بالفطام ، فتح طرقا أربعة أكمل منها : طعامان وشرابان ؛ فالطعامان من الحيوان والنبات ، والشرابان من المياه والألبان ، وما يضاف اليهما من المنافع والملاذ ، فإذا مات انقطعت عنه هذه الطرق الأربعة ، لكنه سبحانه فتح له ـ إن كان سعيدا ـ طرقا ثمانية ، وهى أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء ، فهكذا الرب سبحانه لا يمنع عبده المؤمن شيئا من الدنيا إلا ويؤتيه أفضل منه ، وأنفع له ، وليس ذلك لغير المؤمن ، فإنه يمنعه الحظ الأدني الخسيس ، ولا يرضي له به ، ليعطيه الحظ الأعلى النفيس ، والعبد لجهله بمصالح نفسه ، وجهله بكرم ربه وحكمته ولطفه ، لا يعرف التفاوت بين ما منع منه وبين ما ذخر له ، بل هو مولع بحب العاجل وإن كان دنيئا ، وبقلة الرغبة في الآجل وإن كان عليا !! " .
"الفوائد" ، لابن القيم .







والله جتني بكيه م قرأت المقال لسا بس كيف ربي بشكل اعجازي مُحبب لقلبي ومطمن يسخر مقالات بمواضيع تتناسب مع احداث حياتي غيدااااء😭😭😭😭😭😭😭😭
ياربي الحمدلله والله العظيم توي الان قبل يمكن ساعه ونص كنت اعاصر نفسي عن موضوع التأخير واكلم نفسي ريناد حبيبي بيد الله وتأخيرو م يعني انو الله م يحبك او مو راضي عنك او حتى عن شي غلط سويتيه هو تجهيز لك بس ضغط المجتمع وخصوصًا العائله خلاني احس بألم من تأخير شي معين رغم ايماني بترتيب الله لكل شي وبتوقيته ومشيئته والله فيني بكيه الحمدلله الحمدلله لسا م قرأت المقال بس واثقههههه ان فيه جمل وكلمات بتطبطب على قلبي وهذي نعمه من ربي سخرها لطريقي فيارب الحمدلله والله ينفع فيك ويجبر قلبك ويسخر لك كل خير تتمنيه ويسخر لك خير عباده زي م سخرك ليا الحمدلله يارب💗💗💗
أبدعتِ، شكراً لكل كلمة كُتبت في المقال؛ فقد أزاحت الهموم، وذكّرتنا بالمطلوب، وأصلحت لنا الظنون. أشكركِ جداً على كتابتكِ لهذا المقال الذي سيكون بإذن الله تغييراً وتذكيراً وإرشاداً للكثيرين 🤍🤍