ما الذي يحدث في الفاشر ؟
من فاشر السلطان إلى فاشر الصمود
«الفاشر».. المدينة التي تنام على القصف وتصحو على الدمار كانت ذات يوم مدينة «فاشر السلطان» التي التي كانت يومًا عاصمة سلطنة الفور ومقرّ السلطان علي دينار الذي تكفل بإرسال كسوة الكعبة إلى مكة كل عام، لغاية ما يقرب من قرن مضى فقط، ليست الفاشر مدينةً عاديةً في غرب السودان؛ إنها تختصر تاريخ إقليم دارفور بأكمله، من مجد السلاطين إلى رماد الحروب الحديثة. حكايتها ليست مجرد فصولٍ متتابعة، بل ملحمةٌ واحدة تمتد من القرن 15 إلى القرن 21. وصارت اليوم عاصمةً للجوع والموت. فمن أرضٍ كانت تُرسل العطاء إلى الحرم، بات أهلها ينتظرون صدقة النجاة. كانت تعجّ بالحياة، بالأسواق، بأصوات الأطفال في الطرقات، وبالمآذن التي تُعلن الفجر في سكون الصحراء. اليوم، بعد أكثر من 525 يومًا من الحِصار، أصبحت المدينة صدىً لصوتٍ واحد وهو القصف .. بين كل طلعة شمس وأخرى، تتساقط القذائف فوق البيوت والمستشفيات والمساجد، ويُدفن الناس في صمت. بينما أنت تقرأ هذا المقال، لا يزال الموت يحوم فوق رؤوس المدنيين في «الفاشر» بطائراتٍ مسيّرة وصواريخ لا تعرف سوى اتجاهٍ واحد.
تحاصر مليشيا الدعم السريع مدينة «الفاشر» منذ مايو من العام الماضي٬ وتستهدف هذه الأحياء السكنية والمباني والمستشفيات والمساجد وملاجئ الإيواء والمدارس التي تأوي النازحين والتكايا التي توفر الطعام، والأسواق وجميع المنشآت العامة والخاصة بصورة ممنهجة ويومية على مدى أكثر من 525 يوم.
اليوم، لم يعد إقليم دارفور مجرّد هامشٍ جغرافي في غرب السودان، بل قلب المعركة على السيادة والشرعية في البلاد. فالإقليم، الذي تعادل مساحته مساحة دولة مثل إسبانيا، يتربّع على عقدةٍ جيوسياسية، تربط بين شمال القارة وغربها ووسطها، ويجاور 4 دول مشتعلة بالتحولات: ليبيا من الشمال الغربي، وتشاد من الغرب، وأفريقيا الوسطى من الجنوب الغربي، وجنوب السودان من الجنوب. بذلك تحوّل دارفور إلى ممرٍّ طبيعي للذهب والتهريب والنفوذ، وإلى مسرحٍ تتقاطع فيه مصالح القوى الإقليمية والمحلية على حدٍّ سواء.
كانت خطة حميدتي في بداية الحرب يوم 15 أبريل/نيسان 2023 أشبه بعملية جراحية خاطفة: السيطرة على الخرطوم في يومٍ واحد، وشلّ القيادة العسكرية عبر حصار البرهان داخل القيادة العامة، مستفيدًا من انتشار قواته داخل العاصمة وتأمينها للمقار السيادية. لكن الخطة انهارت سريعًا، بعدما تمكن البرهان -بمعاونة وحدات من الجيش- من كسر الحصار والخروج إلى بورتسودان، التي أعلنها لاحقًا عاصمةً مؤقتةً للبلاد، لتبدأ مرحلة جديدة من الحرب امتدّت نارها نحو الغرب، إلى قلب دارفور.
منذ ذلك الإخفاق في الخرطوم، انتقل حميدتي إلى الخطة الثانية: فرض سيطرة ميدانية كاملة على السودان، وعزل القيادة العسكرية في الشرق. وعلى مدار عامٍ كامل من الحرب، حققت قواته تقدمًا مذهلًا على الأرض؛ إذ لم يتبقَّ للجيش سوى السيطرة على 5 أو 6 ولايات من أصل 18. بدا المشهد آنذاك وكأن السودان سقط رمزيًا، وأنّ الدعم السريع” بات على مشارف النصر.
وفي ذلك الغرب البعيد، بقيت الفاشر -آخر عواصم دارفور الخمس- صامدة في وجه العاصفة. هناك بالضبط تتقاطع الرموز والمعاني، فبالنسبة لحميدتي، الفاشر هي العاصمة التاريخية للإقليم الذي يُعد المهد الأول للدعم السريع، ومنبع شرعيته التاريخية وقاعدته القبلية الصلبة منذ كان “الجنجويد” الذين سلّحهم البشير في مطلع الألفية لمحاربة التمرّد. أما بالنسبة للجيش، فهي آخر قلاع سيادته في الإقليم، وسقوطها يعني عمليًا نهاية وجوده في غرب البلاد.
في أكتوبر/تشرين الأول 2025، ومع عودة طنين المسيّرات في سماء الخرطوم وسنّار والدمازين، بدا أن المشهد يدخل في إطار سباق مع الزمن لتحقيق أكبر مكسب ميداني بعد حديث متفائل عن إمكانية فرض وقف لإطلاق النار والتمهيد لبدء مفاوضات سلام بمبادرة تقودها الرباعية الدولية التي تضم الولايات المتحدة ومصر والسعودية والإمارات. فبعد قصف مطار الخرطوم، الذي كان يستعد لاستئناف رحلاته بعد توقفٍ دام 900 يوم، خرج عبد الفتاح البرهان من أمام صالات الانتظارفي خطابٍ غاضب، متعهّدًا بالقضاء على “التمرد”، ومعلنًا رفضه أي سلامٍ لا يقوم على “أسسٍ وطنية خالصة”.
هكذا بدا أن السودان دخل حربًا مزدوجة: كرّ وفرّ على الأرض في سهول كردفان، ومبارزات في السماء بين طائراتٍ مسيّرة ، لا تفرّق بين هدفٍ عسكري ومنزلٍ مدني. أما الفاشر، فتبقى وسط هذا الجحيم حصنًا من إرثٍ قديم، تُحاصر وتُقصف وتُجوَّع، لكنها لا تنكسر. مدينةٌ تحارب عن نفسها وعن ذاكرتها، تقدّم ملحمةً من الصمود الإنساني قبل أن تكون عسكرية، وتدفع ثمن موقعها الذي جعل منها قلب المعركة ورمزها الأخير.
في الفاشر، لم يعد الموت حدثًا طارئًا، بل واقعًا يوميًا يطوّق المدينة من كل الجهات، بعدما رفعت قوات الدعم السريع شعار “الموت للجميع”. لا فرق هناك بين شيخٍ مسنٍّ أو امرأةٍ أو طفلٍ أو نازحٍ احتمى بمركز إيواء، فالموت متعدد الطبقات ومتنوع الاستهداف ومتعدد الأشكال.
تبدأ الطبقة الأولى من هذا الموت بالحصار نفسه؛ فقد أفاد تجار محليون لصحيفة “سودان تربيون” أن السلع الغذائية انعدمت تمامًا، حتى من محلات التجزئة، ما أجبر المطابخ الجماعية -التي كانت آخر ملاذٍ للنازحين- على التوقف عن تقديم وجبات الغذاء.
في مشهدٍ آخر من القسوة، تداولت مصادر محلية مقطعًا يُظهر رجلًا مقيّدًا ومعلّقًا من قدميه على شجرة، وهو يُستجوب حول وجهته، ليقول إنه كان متجهًا إلى الفاشر لإيصال مواد غذائية لمن يسميهم “الفلنقايات” -وهو اللفظ الذي تستخدمه مليشيا الدعم السريع للإشارة إلى جنود الجيش السوداني ومؤيديهم، وتعني العبد الهارب من سيده.
مثل هذه المشاهد ليست استثناءً، بل نمطًا متكرّرًا من التعذيب الممنهج في مناطق سيطرة المليشيا، إذ سبق أن وُثّقت واقعة مشابهة في سبتمبر/أيلول 2024 عندما علّق أحد عناصرها فتاة اسمها “قِسمة” على شجرة حتى الموت، فقط لأنها أرسلت رسالة صوتية بلغة قبيلتها الزغاوة إلى أحد أقربائها، فاتهموها بالتعاون مع جهات معادية.
استُشهد في «الفاشر» آلاف المدنيين، ووفقًا لآخر تقرير من «مفوضية العون الإنساني»، فقد استُشهد 675 نازحًا خلال 15 يومًا فقط في الفترة من 29 أغسطس حتى 14 سبتمبر الماضي، بينهم 327 طفلًا و264 امرأة نتيجة الاستهداف المباشر من قبل المليشيا.
المصدر:
ولم تسلم المؤسسات الصحية من القصف، فاستُهدفت جميع المستشفيات والمرافق الصحية في «الفاشر»، ولم يتبق سوى المستشفى السعودي الذي يعمل جزئيًا، لكنه يتعرض لهجمات متكررة. آخر هجوم وقع في 8 أكتوبر الجاري، وأسفر عن استشهاد 12 مواطنًا، وفق بيانات «شبكة أطباء السودان» و«صندوق الأمم المتحدة».
وفي يونيو من العام الماضي، اقتحمت مليشيا الدعم السريع المستشفى الجنوبي، أحد أكبر المستشفيات في «الفاشر». أوقفت حينها منظمة «أطباء بلا حدود» و«وزارة الصحة» جميع أنشطتهما في المستشفى بعد الاقتحام، حيث أطلقت المليشيا النار ونهبت المستشفى، بما في ذلك سرقة سيارة إسعاف تابعة لمنظمة «أطباء بلا حدود».
وفي 11 أكتوبر الجاري، نفذت مليشيا الدعم السريع قصفًا صاروخيًا استهدف ملجأ «دار الأرقم» داخل جامعة أمدرمان الإسلامية بمدينة «الفاشر»، في هجوم ليس الأول على ملاجئ الإيواء، أسفر القصف عن استشهاد 57 مواطنًا، وفقًا لـ«وزارة الصحة الاتحادية».
وقالت منظمة «اليونيسف» أن 17 طفلًا على الأقل، من بينهم رضيع يبلغ من العمر سبعة أيام فقط، قُتلوا في هذا الهجوم الذي استهدف «دار الأرقم» للنازحين، كما أُصيب 21 طفلًا آخرين بجروح.
مخيمات نازحين
نتيجة كل هذا أنشأ سكان «الفاشر» خنادق تحمي الأطفال والنساء من اصوات وضربات القذائف والمسيّرات، يجلسون يوميًا بالساعات داخل هذه الخنادق.
ويقدّر أنه في شهر سبتمبر/أيلول الماضي وحده، توفي 23 مواطناً بسبب سوء التغذية، منهم خمسة نساء حوامل والبقية أطفال. أما في شهر أكتوبر/تشرين الأول الحالي يقول حسن “نفقد يومياً 3 أطفال بسبب سوء التغذية ونتوقع ارتفاعاً في هذه الأرقام.
وفي دلالة على سوء الأوضاع الغذائية، يقول حسن إنه في بداية الحرب اعتمد المواطنون على الأعلاف الحيوانية كمصدر رئيسي للغذاء، لكن حتى هذا المصر لم يعد متوفراً اليوم وأصبح “رفاهية”، وفق وصفه.
وأما الواقع الصحي فليس بأحسن من الواقع الغذائي، كما يلفت حسن. الذي قال إن النظام الصحي في الفاشر “شبه منهار. وتشير التقديرات إلى أن 80 في المئة من النظام الصحي خارج التغطية”. وطالب حسن بمحاولة تدارك الأزمة، عبر جسور جوية لإيصال الغذاء “عبر الإسقاط الجوي، كخطة طارئة مبدئية”.
برز اسم شركة «Yugoimport–SDPR» الصربية كأحد المورّدين غير المباشرين للأسلحة التي تستخدمها مليشيا «الدعم السريع»، الشركة المملوكة للحكومة الصربية تُعد من أقدم مصنّعي العتاد العسكري في أوروبا الشرقية، وكشفت تحقيقات دولية عن وصول طائرة مُسيّرة هجومية مجهولة النوع، مجهّزة بذخائر حرارية من إنتاج «Yugoimport»، إلى المليشيا عبر وسطاء إقليميين، أبرزهم «الإمارات». ووفقًا لتقرير لمنظمة «@hrw» وُجدت ذخائر من إنتاج الشركة على طائرات مُسيّرة استُخدمت في قصف أهداف مدنية داخل السودان.
ومع ذلك، يظل الأمل قائمًا أن يكتب السودانيون من رماد هذه الحرب، سطرهم الأول في كتاب “سودان جديد” تُعلى فيه قيم العدالة والحرية، ويتساوى فيه الجميع دون إقصاء أو تهميش.. بلدٌ يليق بتضحياتهم وبدماء السودان والفاشر التي لم تجفّ بعد.
اللهم يا ربّ احفظ اهلنا في الفاشر، ونساءها وشيوخها وطفلها وكهلها، واكتب لهم السلامة والعافية والأمان، والنجاة برحمتك يا ارحم الراحمين، اللهم كن لهم بعد أن خذلهم القريب والبعيد، ولا تسلط عليهم من لا يرحمهم يا ذا العرش المجيد، أنت المستعان وعليك البلاغ، ولا حول ولا قوة إلا بك .
المصادر :
الفاشر.. هل تكون الجائزة الكبرى للدعم السريع؟
ماذا نعرف عن الفاشر التي أعلن "الدعم السريع" السيطرة على آخر مقر للجيش فيها؟













قلوبنا معكم، اسأل الله ان ينصر اخواننا السودانيين على مااصابهم من مصيبة وابتلاء، اللهم كن لأهلنا في الفاشر السودانية ولا تكن عليهم. اللهم اشف مرضاهم وداوي جرحاهم وفك أسراهم و تغمد شهدائهم برحمتك يا ارحم الراحمين
https://x.com/i1i1is/status/1983520270297321812?t=eAu1EHq1jedttHAgOB5k_Q&s=19 الامارات مسئولة عما يحدث فيها