وغاصَ عميقًا ، دُون أن يطلب شيئًا سِوى أن يفهمني .
To Touch The Surface Is Easy — But who Dares Dive In ?
أغمض عينيك، وتخيّل هذا المشهد:
أنت الآن على شاطئ البحر، مستلق بهدوء، تداعبك أشعة الشمس الدافئة، وتلفحك نسمة هواء باردة،تصغي لصوت الأمواج وهي تتلاطم برفق تشعر براحة عميقة، أليس كذلك؟ تتمنى لو يظل هذا الشعور معك إلى الأبد.لكن هذه، مجرد الصورة السطحية للبحر.
ماذا لو قررت أن تغوص في أعماقه؟هل تظن أن البحر كله بهذا الجمال والسكينة؟ أم أن في أعماقه ما هو أعمق من الشعور وأصدق من الهدوء؟
البحر من أعظم آيات الله في الكون يريك عظمة الخالق عز وجل ، هذا البحر في سكونه واضطرابه يرينا انعكاس انفسنا فكل شخص فينا هو بحرٌ بذاته، ولكل منّا عمقٌ، وأسرار، وخبايا لا يعلمها إلا الله.
هناك مقولة مشهورة عن البحر تقول: "البحر غدّار"،
لكن، هل هو فعلاً كذلك؟ هل فهمنا البحر بما يكفي لنصفه بالغدر؟ والحقيقة أن هذا هو طبع الإنسان ،إنه يغدر ما لم يُزكِّ نفسه،يخاف مواجهة حقيقته، يخشى أن يكون في الظلام وحده،ويخاف أن تُكشف أسراره،فيُخفي ضعفه بإسقاط مخاوفه على الآخرين، لكن البحر ليس غدّارًا بل صادق.
يُريك نفسه منذ البداية،تعرفه في سكونه وهدوئه، كما تعرفه في أمواجه وغموضه. بل هو حافظ لأسرارك.
كم منّا ذهب إلى البحر بقلب مثقل بالهموم؟ كم منّا من اشتكى له، من بكى، ومن جلس بصمت فقط ليسمع صوت أمواجه، ومنهم من كتب رسائل وألقاها فيه.
البحر لا يخونك لأنه حقيقي.وكل ما هو حقيقي، يلامسك ولو بدا لك مخيفًا.لذا، معظم الناس يفضلون تأمّله من بُعد،لأن كل شيء من بعيد يبدو جميلاً.لكن إن اقتربتَ إن تعمّقت،فعليك أن تتحمّل مسؤولية قرارك، وأن تجازف،ولربما تغرق وتموت! وحدهم الشجعان،
من امتلكوا الجرأة ليغوصوا في هذا البحر العظيم ويفهموه، فإذا فهمته، صار الغوص فيه متعة لا خوفًا.
وهكذا العلاقات، العلاقات الحقيقية مثل الغوص في البحر تتطلب شجاعة، نفسًا طويلًا، وصدق نية،ومن يمتلك الشجاعة ليرى الأعماق .

هل جربتَ يومًا أن تغوص في أعماقك، قبل أن تُبحر في أعماق شخصٍ آخر؟ تبدأ الرحلة مع نفسك في مواجهة أمواجك، وعواصفك، وعمقك،وظُلمك.
عليك أن تبحر في أعماق أعماقك، وأن تتعلم كيف تواجه أمواجك العاتية، والمفاجئة أحيانًا. نعم، الطريق مخيف وغامض، وستمر بالكثير من الصعاب: جروح، صدمات قديمة، خذلان، فقد، وخيانة ولكن الله معك، ونور الله سينير لك الطريق،واعلم أن الله وليّك، يخرجك من ظلمات نفسك إلى نوره:
﴿قُلْ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾.
وحين تصل، ستصل إلى كنزٍ عظيم،
إلى جوهرك الدفين . أظن أن كلمة جوهر الإنسان جاءت من هنا فمن يغوص في أعماقه، ويصل إلى أقصى داخله، سيجد كنوزه المدفونة،وجوهره الحقيقي الذي غطّاه النسيان لسنين.
ذلك الجوهر هو ما يميّزك، ويجعل نورك يشع بين الناس.
نورٌ من الصفاء، والنقاء، والحب ، وهذا هو نور الله فيك. وحينها، ستبحر وتغوص في أعماق الآخرين،
مُوقنًا بأن ما يمتلكونه من كنز يستحق المجازفة .
و البحر عزيز، وهو من آيات الله العظيمة، فما تُلقيه فيه من باطل، يقذفه إلى الساحل، وما كان خيرًا ونفعًا، يحتفظ به في أعماقه.
وقد ضرب الله لنا في القرآن مثلًا بليغًا في قوله:
﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً، وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ، كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾
فالزَّبَدُ: هو الغُثاء، تلك الرغوة الطافية التي لا نفع فيها، تُلفظ بعيدًا.أما ما ينفع الناس، فيمكث في الأرض، في قاع البحر، في الأعماق الصامتة حيث اللؤلؤ، والكنوز، والمرجان.
لا تهب كنوزك وأجمل ما فيك لمن أراد السباحة على السطح فقط، بل امنحها لمن اختار الغوص في أعماقك، رغم ما قد يلاقيه من صعاب وتحديات. ذاك الذي آمن بك، وأدرك أن أمواجك ما هي إلا رقصات مؤجلة، لا تؤديها إلا مع من فهمك حقًا. وحينها، تتلاطم أمواجكما معًا على شُطآن أرواحكما .






كتابة عذبة وشاعرية ، احببت نظرتك المختلفة لعبارة " البحر غدار" وقد يكون كل ما قلته صحيحا ولكنني أرى كذلك أن للبحر ولأنفسنا جوانب غدارة بعضنا تظهر على سطحه وبعضنا مخبأة في أعماقه ، والعاقل هو من يحاول تزكيتها ، فحتى من نحبهم لن يتحمولنا اذا اظهرنا لهم هذا الجانب فقط ، ولا أرى في رأيي هذا تعارضا مع ما طرحته بل امتداد بسيط له .
شكرا على مشاركتك الجميلة نتطلع للقادم 🌷✨
كتابتك تلامس القلب احببت هذا المقال ماشاءالله عليك استمري❤️