نِداءُ الرُّوحِ
ما بين الآذان والإقامة
في الأيام القليلة الماضية، كانت أمنيتي أن يتوقف العالم قليلًا، أن يحدث شيء يوقف أي حركة فيه، أن نأخذ وقتًا فقط لنتنفس. يعيش الإنسان ويستيقظ كل يوم على خبرٍ جديد، حربٍ جديدة، ووباءٍ جديد، ويظل حائرًا يسأل نفسه: هل على هذه الأرض ما يستحق الحياة؟
مؤخرًا، ومع ما يعيشه العالم من حروبٍ ومآسِ، وجدتني أتجرّع الكثير من المشاهد والصور دون أن أُمهل نفسي لحظةً واحدة لأستوعب أو أفرّغ ما يختلج داخلي. اصف حالي وكأنني في غرفةٍ مغلقة، يحترق فيها كلّ شيء، ولا نافذة للهواء. أريد أن أتنفّس، لكن لا منفذ. أريد أن أبكي، لكن لا دمع. شعور بالضيق والعجز يتملكني، وكأنني أريد أن أمدّ يدي لأخفف، لأقدّم شيئًا، لكنني قابعة في مكاني، أشعر أنني أُخذلهم بمجرد جلوسي. أعلم تمامًا أن كل شيء بحكمة الله وقضائه، ولا أعارض حكمك يا ربي، لكنني فقط أصف شعوري هذا، ذلك الذي يحرق قلبي. في عالم تتسارع فيه الأحداث بينما لا أستطيع أن أفعل شيئًا سوى أن أراقبها ....
٤:٤٥م
لقد مرّ وقت طويل منذ أن مشيت، حتى بدأ شعور قوي يتردد في داخلي، يدفعني للمشي، برغبة ملحّة تلاحقني حتى استجبت لها. وكأن الأرض نفسها كانت تدعوني للعودة إليها. علاقتي بالمشي ليست مجرد حركة أو رياضة، بل هو فعل أمارسه لتجديد حواسي وارتباطها بمخلوقات الله حولي. كل خطوة أخطوها كأنها حضن لي، حضن الأرض التي تحملني وتحتسب خطواتي، حضن الأشجار التي تطربني بحفيفها، وحضن العصافير التي تملأ الجو بزقزقتها. وحضن السماء التي تنير طريقي، تعيد تنفسي، وتعيد الحياة إلى قلبي. مشيت اليوم ودموعي وأفكاري سبقتني في الطريق. لم أنطق بحرف، لكن طريقي المعتاد أنصت لي. مشيت خطوةً خطوة، وكأنني أعدّ أنفاسي قبل خطواتي. نظرت إلى السماء، وأحسست بالطمأنينة في زرقتها وفي صفاء لونها، كأنها همست لي: أنا أسمعك. حتى الهواء، بنسيمهِ العليل، عانقني كأنه يلامس كل تنهيدة وغصّة وثقل، ليخففها عني. أحسست حينها أنني خفيفة، كأنني بلا وزن، وكأن الأرض والسماء والأشجار والهواء احتضنوني جميعًا، فحلّقت دون أن أشعر بوجودي.
ففي طريقي، كنتُ أتحدث مع نفسي عن يومي، عما يضايقني ويثقل صدري، فأشعر بانشراح كلما تركت كلماتي تنساب في صمت الطريق. الهواء يتسلل إلى رئتيّ كأنه يشجعني على البوح، كأنه لا يريد لي أن أسكت. في تلك اللحظة، نظرت إلى السماء متأملة في تدرج ألوانها، حتى غمرها البرتقالي، لون الغروب الجميل، وبدأت خيوط الليل تتسلل ببطء، في مشهدٍ وصفه الله بسلخ النهار من الليل، وكأن النهار ينسلخ عن السماء كطبقة جلد، ليحلّ الظلام مكانه. فالليل هو الأصل، وقد جاء فوقه طبقة النهار. ولولا انقشاع النهار لما تمكّنا من رؤية النجوم أو التأمّل في الليل ، كذلك الابتلاء وفوضى الأفكار التي تكون كوهج الشمس، تحجب عنا رؤية النعم التي تلوح في الليل . كنت أرى الآيات التي نمرّ بها كل يوم كأنني أراها لأول مرة. جعلني الله أتمعن فيها اليوم، أعيشها لا أراها فقط. في ظل هذا التداخل البديع بين ضوءٍ يحتضر وظلّ يولد، تتأهب السماوات والأرض ومن عليها لذلك النداء المهيب: الله أكبر، الله أكبر. كنتُ في الأيام الماضية أتمنى لو أن العالم يتوقف قليلًا، أن تهدأ وتيرة الأيام المتسارعة، فاستجاب الله لي بطريقته، وأوقف كل شيء من حولي لأجل هذا النداء العظيم. الله أكبر... كل شيء يسكن. الأماكن تُغلق، الأصوات تصمت، الشوارع تهدأ، الأشجار تتوقف عن حركتها، الهواء يهدأ في سكونٍ مهيب، الأرض تثبت، والشياطين تصعق وتفرّ هاربة. كأنهم في حالة تأهب تام، يتلهفون لسماع كل حرف وكل كلمة من هذا النداء، كما يتلهف العطشان إلى الماء. ..وقع هذه الكلمات على الروح وعلى الكون كان قويًا، كأنه رجّة تهز السكون. صدى هذا الصوت في قلبي كان كالزلزال، يهزّ أعماقي ويوقظ شيئًا نائمًا منذ زمن. هذا الصوت… هذا النداء، هو بداية كل شيء، أول ما استقبلت به الحياة حين أذّن والدي في أذني يوم ولادتي. كأن الله يهمس لي الآن «هل تتذكرين؟» ذلك الصوت الأول الذي لم أفقه معناه حينها، لكنني الآن أفهمه بكل كياني. ربما أيقظ الله فيّ اليوم ذلك الشعور الكامن، وجعلني أسمع الأذان كما لو كان أول مرة. فنحن نسمعه مرارًا، خمس مرات كل يوم، لكنه اليوم اخترق قلبي بطريقة مختلفة. كان ذلك النداء في داخلي كأثرٍ قديم، استقر في أعماقي كذكرى ضائعة مخفية، كان ينتظر هذه اللحظة من التيه ليعود ويوقظ هذا الإحساس في داخلي.. أحيانًا نظن أننا بحاجة إلى معجزة كبيرة لتُحلّ مشكلاتنا، أو ليتغير هذا العالم المليء بالوجع، لكننا ننسى أن الحل قريب منا، وأن الله أقرب إلينا من كل ما نبحث عنه. اليوم فقط أدركت ذلك… أنا التي أمرّ بهذا الطريق كل يوم وأسمع الأذان نفسه، لكن اليوم أراد الله أن يذكّرني بحقيقة الأشياء، أن يوقظ ما غفلت عنه روحي. الله أكبر… الله أكبر. هذا النداء ليس كأي نداء، بل رسالة عميقة تتوجه إلى الأرواح لتعرف قدرها، وتدرك عظمة الله الأكبر جلّ في علاه.
في تلك اللحظة،، يتردد في داخلي: الله أكبر من كل شيء، من خوفي وقلقي وهمي، الله أكبر في قلبي من كل ما سواه ، الله اكبر من كل شعور كبّرته في نفسي ونسيت انك اكبر من كل شي . اردد وراءه وانا استطعم هذه الكلمات بكل خلية فيني .. أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله. نداء يعيد إليّ المعنى، يذكرني بأن وجودي هنا ليس إلا محطة، وأن مردّنا إليك يا يالله . أدركت أن مشيي هذا ليس مجرد سير على الأرض، بل هو صورة من حقيقة الدنيا، فنحن عابرو سبيل، ونهاية السير دائمًا إليك يا الله. وكأن حياتنا الدنيا كلها تقع بين آذان وإقامة ، الأذان الذي يُعلن بداية الحياة للمولود، والصلاة التي تُقام علينا في الختام ، وبين هذين النداءين نسير، نكتب قصتنا، ونحمل أمانة الوجود. وأنا أمشي، وأمامي هذا الطريق الطويل، شعرتُ وكأن الأرض أمامي صفحة من مذكّراتي، كل خطوة أخطوها تبث شعورًا معينًا وكأنني أكتب في الطريق بخطواتي، وأبوح له بمكنوناتي وأسقيه بدموعي. .وعندما يحثنا الله على التأمل، هو ليس فعلًا عابرًا أو مجرد النظر فقط، بل هو أعمق من ذلك، هو أن تتحد مع مخلوقات الله، أن تتحد معها في التسبيح. ،لذلك حين يموت العبد المؤمن، تبكي عليه آثاره… تبكي عليه الأرض التي مشى عليها، والأشجار التي ظللته، والهواء الذي شاركه أنفاسه، لأنها تعرفه… تعرف قلبه الذي سبّح معها.
وقد أخذنا اليوم في الحَلَقة آية عجيبة جلستُ أتأملها قال تعالى: {فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ}. هل تبكي السماء؟ وهل تبكي الأرض أيضًا؟ نعرف ذلك من خلال ما أجاب به الصحابي الجليل عبد الله بن عباس رضي الله عنه، مما تعلمه من علم النبوة، حين سأله رجل عن ذلك، فقال: (جاء رجل إلى ابن عباس فقال: أرأيت قول الله ـ عز وجل ـ: “فما بكت عليهم السماء والأرض”، هل تبكي السماء والأرض على أحد؟ قال: نعم، إنه ليس من الخلائق أحد إلا له باب من السماء ينزل منه رزقه ويصعد منه عمله، فإذا مات المؤمن بكى عليه بابه من السماء الذي كان يصعد منه عمله وينزل منه رزقه، وإذا فقده مقعده من الأرض التي كان يصلي فيها ويذكر الله فيها بكت عليه، وإن قوم فرعون لم تكن لهم في الأرض آثارٌ صالحة، ولم يكن يصعد إلى السماء منهم خير، فلم تبكِ عليهم).
رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ... بل حتى حين نرى في سيرة نبينا محمد ﷺ موقفه مع جذع النخلة الذي كان يستند إليه عند خطبته يوم الجمعة، فلما صُنع له منبرٌ جديد وجلس عليه، إذا بجذع النخلة يصيح حتى كاد أن ينشق، أي صدر منه صوت مرتفع هو صوت الحنين والشوق إلى النبي ﷺ. فنزل النبي من على المنبر، حتى أخذ الجذع وضمّه إلى صدره، فبدأ يهدأ شيئًا فشيئًا كما يُسكَّت الطفل حين يئنّ. سبحان الله، حتى الجمادات تشعر بوجوده ﷺ، وكذلك الحجر الذي سلّم عليه قبل البعثة. والصحابي الجليل عمران بن حصين رضي الله عنه ، بلغ من قوة إيمانه ويقينه درجةً أصبحت فيها الملائكة تصافحه. فكيف لا نستشعر نحن خلق الله من حولنا؟
حيّ على الصلاة، حيّ على الفلاح... تذكرني يا رب بالصلاة، عمود الدين، وأول ما نُسأل عنه يوم الحساب. تذكرني بصلتي بك، ووقوفي بين يديك. تذكرني أنه مهما تسارعت الأيام، وانشغل الإنسان، وضاق الحال، فإني برجوعي إليك ووقوفي بين يديك أستعيد توازني وأرى حقيقة الأشياء. فكانت صلاتي هي الصلة الوحيدة بيني وبينك يا الله، ولا حول لي ولا قوة إلا بك. الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا أنت... فكلٌّ منك، وكلٌّ يعود إليك.
ففي هذا الوقت، تتفتح أبواب السماء للرحمات، وتلتقي الأرواح بخالقها. وعندما ينتهي النداء، تدُب الحياة في كل شيء حولنا، وتستقبل السماء، دعوات المؤمنين في تلهف،لتحتضن أجمل الألفاظ “يا رب” تتهافت عليها المخلوقات، كلٌ يعمل على حسب خلقه، فحتى الهواء في انسيابيته، بحركته للأشياء، كان يحمل الاسم العظيم ليصل به إلى السماء، والأشجار في حركتها، إثر لمسات الرياح، كانت تشارك في رفع هذا الاسم الطاهر إلى السماء، وكأنها تُسَبِّح لله في صمتها وحركتها. كل شيء، من أصغر ذرة إلى أعظم مخلوق، يسبح بحمد الله على طريقته الخاصة. الأرض تهتز من خشية الله، والصحراء تزهر باسم الله، والهواء يتحرك بعد سكونه، والأشجار تتراقص بعد هدوئها، فكل شيء في هذا الكون يشارك في تسبيح الله، حتى يصل اسمه إلى السماء، فينزل برحمته على عباده.
وأمّا أنا، فشعرتُ كأن الله غسل ما في داخلي من درَن، ونقّى صدري مما أثقله. ذلك الإلحاح الذي كان يدفعني للخروج لم يكن صدفة، بل كان نداءً لروحي، ورسالةً إلى قلبي، ليذكرني الله بما هو أبقى، ويوقظ فيّ حقيقة أن الله أكبر من كل ما أحس به ويضايقني. وهذا ما كنت أحتاجه حقًا... ذلك النداء الذي نسمعه كل يوم، لكننا ننسى أن نستشعره ..




مقاااااال خيااااال ابداع حرك مشاعري بطريقة رهيبة
مقال أكثر من رائع، لامس فيني جزء لم يتأثر من قبل