لَلَّهُ أشَدُّ فرَحًا بتَوبةِ عَبدِه
لماذا عبودية التوبة استحقت هذا الفرح العظيم من الرب سبحانه ؟
السِّر الأعظَم
قبل أن نبدأ، أود أن أشارككم قصة قصيرة. ركزوا فيها جيدًا ، فهي الخيط الذي سنعود إليه في نهاية المقال.
يُحكى عن بعض العارفين: أنه حصل له شرود وإباق من سيده، فرأى في بعض السكك باباً قد فُتح وخرج منه صبي يستغيث ويبكي، وأمه خلفه تطرده، حتى خرج فأغلقت الباب في وجهه ودخلت، فذهب الصبي غير بعيد، ثم وقف مفكراً فلم يجد له مأوى غير البيت الذي أُخرج منه، ولا من يؤيه غير والدته، فرجع مكسور القلب حزيناً، فوجد الباب مرتجاً، فتوسده؛ ووضع خده على عتبة الباب ونام، فخرجت أمه، فلما رأته على تلك الحال لم تملك أن رمت نفسها عليه، والتزمته تقبله وتبكي، وتقول: يا ولدي، أين تذهب عني؟ ومن يؤيك سواي؟ ألم أقل لك: لا تخالفني، ولا تحملني بمعصيتك لي على خلاف ما جُبلت عليه من الرحمة بك، والشفقة عليك، وإرادتي الخير لك، ثم أخذته ودخلت..
والآن نبدأ بالسؤال الذي يدور حوله هذا المقال ..
صحَّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّه قال:
لَلَّهُ أشَدُّ فرَحًا بتَوبةِ عَبدِه حينَ يَتوبُ إليه، مِن أحَدِكُم كان على راحِلَتِه بأرضِ فَلاةٍ، فانفَلَتَت منه وعليها طَعامُه وشَرابُه، فأيِسَ منها، فأتى شَجَرةً، فاضطَجَعَ في ظِلِّها، قد أيِسَ مِن راحِلَتِه، فبينا هو كَذلك إذا هو بها قائِمةً عِندَه، فأخَذَ بخِطامِها، ثُمَّ قال مِن شِدَّةِ الفَرَحِ: اللَّهمَّ أنتَ عَبدي وأنا رَبُّكَ، أخطَأ مِن شِدَّةِ الفَرَحِ.
ما هو الامتياز الموجود في العبد التائب لله الذي استحق لأجله أن يفرح الله عز وجل بهذا الفرح العظيم ؟
شدّني هذا السؤال من محاضرة الشيخ عبد الله العجيري، حيث يشرح فيها عن السر الأعظم لهذا السؤال الذي شرحه ابن القيم رحمه الله في كتابه مدارج السالكين، حتى إن الشيخ قال: من كثر ما مرّ عليه هذا الحديث لم يفكر أبدًا في هذا السؤال، ولم يطرأ على باله، وفعلاً أنا كذلك. هل يُتصور وجود فرح يقع للإنسان بنجاته إلى درجة أن يجري على لسانه لفظًا كفريًا ؟ وهذا الرجل، من شدة الفرح، قال: “اللهم أنت عبدي وأنا ربك”. النبي صلى الله عليه وسلم يريد أن يصور لنا حالة مذهلة من فرح الإنسان إلى درجة أنه أُغلق عليه عقله، ومن شدة الفرح قال هكذا. وهنا قد يسأل أحدنا: لماذا ضرب الرسول صلى الله عليه وسلم هذا المثال بالذات؟ لأنه يريد أن يرينا أن فرحة هذا العبد، الفرحة التي تقع منّا ، من بني آدم مثلنا، الله عز وجل يفرح بفرح أعظم منه سبحانه وتعالى .. إذًا ما الذي يفعله الإنسان ليجعل الله يفرح بهذا الفرح العظيم؟
الله يفرح بتوبة الإنسان حين يتوب إليه. بالطبع، جميعنا على علم بهذه الحقيقة، وربما كثير منكم حين قرأ السؤال أجاب مباشرة لأنها معلومة معروفة، ولكن بعد مشاهدتي للمحاضرة، استشعرتُ المعنى بشكل مختلف، وتعمّق شعوري تجاه التوبة، لأن التوبة ليست مجرد استغفار وخلاص، بل هناك شيء أعمق من ذلك، شيء يجعلنا نحب الله أكثر بعد أن ندرك هذا السر العظيم …
يقول ابن القيم رحمه الله : والقصد أن هذا الفرح له شأن لا ينبغي للعبد إهماله والإعراض عنه، ولا يطلع عليه إلا من له معرفة خاصة بالله وأسمائه وصفاته وما يليق بعز جلاله.
ثم قال رحمه الله: وقد كان الأولى بنا طيُّ الكلام فيه إلا ما هو اللائق بأفهام بني الزمان وعلومهم ونهاية أقدامهم من المعرفة وضعف عقولهم عن احتماله، غير أنا نعلم أن الله عز وجل سيسوق هذه البضاعة إلى تجارها، ومن هو عارف بقدرها.
حاول الشيخ تقسيم الفقرات، حتى تتضح الصورة بشكل أعمق، لأن النص في الكتاب كان كله متصلًا، فقام الشيخ بتقسيمه لتسهيل الفهم علينا ولتوضيح المعاني بشكل أفضل، وهذه النقاط تأتي مثل التمهيد، حتى يتضح لنا بعد ذلك السر الأعظم لفرحة الله عز وجل ..
فأول نقطة تحدث عنها كانت عن :
شرف الانسان :
يقول ابن القيم رحمه الله :
فاعلم أن الله سبحانه وتعالى اختص نوع الإنسان من بين خلقه بأن كرّمه وفضّله وشرّفه، وخلقه لنفسه، وخلق كلَّ شيء له، وخصّه من معرفته ومحبته وقُربه وإكرامه بما لم يُعطه غيره، وسَخَّر له ما في سماواته وأرضه وما بينهما، حتى ملائكته - الذين هم أهل قربه - استخدمهم له، وجعلهم حفظة له في منامه ويقظته وظعنه وإقامته، وأنزل إليه وعليه كتبه، وأرسله وأرسل إليه، وخاطبه وكلمه منه إليه
فللإنسان شأن ليس لسائر المخلوقات، وقد خلق أباه بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وعلَّمه أسماء كل شيء، وأظهرَ فضله على الملائكة فمن دونهم من جميع المخلوقات، وطرد إبليس عن قربه وأبعده عن بابه إذ لم يسجد له مع الساجدين، واتخذه عدوا له.
فالمؤمن من نوع الإنسان: خير البرية على الإطلاق، وخيرة الله من العالمين .
وللمحبوب عدو ،، هنا تطرق للنقطة الثانية وهي :
التعريف بالعدو :
وللمحبوب عدو؛ هو أبغض خلقه إليه، قد جاهره بالعداوة، وأمر عباده أن يكون دينهم وطاعتهم وعبادتهم له، دون وليهم ومعبودهم الحق، واستقطع عباده، واتخذ منهم حزبا ظاهروه ووالوه على ربهم، وكانوا أعداء له مع هذا العدو، يدعون إلى سخطه، ويطعنون في ربوبيته وإلهيته ووحدانيته ..
يقول الشيخ (ش) :
ومن كمال بر الله وإحسانه للإنسان أن هذه الفظاعات التي جرت من هذا العدو، لم يترك الله الإنسان لها بلا هدى، بل قال:إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا ۚ، فمجرد بيان عداوة الشيطان للإنسان كافية ليتخذه عدوًا. و من كمال رحمة الله عز وجل أنه بين لهم أن الشيطان عدو لهم، وأمرهم بأن يتخذوه عدواً، فعرفهم بالشيطان وطرائقهم وأعمالهم ومالهم، وحذره موالاتهم والدخول في زمرتهم والكون معهم.وكيف يدخل عليك حتى تخرج عن عبودية الله الموجبة لفضله واحسانه ونعمته عليك ..
الرحمة الالهية
وأخبره في عهده: أنه أجود الأجودين، وأكرم الأكرمين، وأرحم الراحمين. وأنه سبقت رحمته غضبه، وحلمه عقوبته، وعفوه مؤاخذته، وأنه قد أفاض على خلقه النعمة، وكتب على نفسه الرحمة، وأنه يحب الإحسان والجود والعطاء والبر، وأن الفضل كله بيده، والخير كله منه، والجود كله له، وأحب ما إليه: أن يجود على عباده، ويوسعهم فضلا، ويغمرهم إحساناً وجوداً، ويتم عليهم نعمته، ويضاعف لديهم منته، ويتعرف إليهم بأوصافه وأسمائه، ويتحبب إليهم بنعمه وآلائه.
الآن يبدأ في كشف ما يتعلق بالسر الذي بُني لك من هذه النقاط الثلاث :
كما ذكرنا سابقًا، فإن مقام هذا الإنسان عظيم وكبير عند الله عز وجل، خلق العالم وكل ما فيه من أجل هذا الإنسان، وخلق هذا الإنسان من أجله سبحانه وتعالى، فكرمه وأعطاه، وأبعد عدو الإنسان عنه، وبين خطورة هذا العدو، وبين أن الله عز وجل من حكمته في خلق الإنسان يريد أن تتجلى مظاهر جوده وإحسانه وكرمه في هذا الإنسان. طيب، ما الذي حصل بعد ذلك؟ بعد كل هذه القصة، ما الذي حصل من هذا الإنسان؟ يقول ابن القيم: فإذا تعرض عبده ومحبوبه الذي خلقه لنفسه، وأعد له أنواع كرامته، وفضّله على غيره، وجعله محل معرفته، وأنزل إليه كتابه، وأرسل إليه رسوله، واعتنى بأمره ولم يهمله ولم يتركه سدى، فتعرض لغضبه، وارتكب مساخطه وما يكرهه، وأبقى منه، ووالى عدوه، وظاهره عليه، وتحيز إليه، وقطع طريق نعمه وإحسانه إليه، التي هي أحب شيء إليه، وفتح طريق العقوبة والغضب والانتقام.
ش: هذا الانسان بدل أن يُجابه هذا الفضل العظيم من الله عز وجل بمزيد من العبودية والتعلق بالمحبة لله سبحانه وتعالى ، الذي وقع منه هو الوقوع في الذنب وفي المعصية الموجبة لغضب الله سبحانه وتعالى .. طيب ما الإِشكال هنا ؟؟
ينبه ابن القيم :أن الله يحب الجود لذاته يُحب أن يحسن إلى الإنسان ، طيب الآن هذا الإنسان بذنبه ومعصيته منع الرب تبارك وتعالى من جريان جوده واحسانه بسبب ذنبه ومعصيته عليه .. فيقول ابن القيم : فتعرض لغضبه، وارتكب مساخطه، وما يكرهه، وأبِقَ منه، ووالى عدوه، والمشكلة هنا انه والى عدوه ! والى ابليس وظاهره عليه، وتحيز إليه، وقطع طريق نعمه وإحسانه إليه، التي هي أحب شيء إليه، وفتح طريق العقوبة والغضب والانتقام..فقد استدعى من الجواد الكريم خلاف ما هو موصوف به من الجود والإحسان والبر..
هذه هي اللحظة التي بدأت تتكشف فيها حقيقة سر فرح الله عز وجل بهذا العبد، فانتبهوا جيدًا .
ش: بينما كان هذا الحبيب مع العدو في طاعته وخدمته ناسياً سيده، انظروا إلى حالة الحقارة التي وصل إليها هذا الإنسان، ليس فقط أنه صار شريكًا لإبليس، بل أصبح إبليس أشبه بالسيد الذي يخدم عنده.
فبينما ذلك الحبيب مع العدو في طاعته وخدمته، ناسيا لسيده، منهمكا في موافقة عدوه، قد استدعى من سيده خلاف ما هو أهله، إذ عرضت له فكرة،
هذا الانسان الحين في خدمة ابليس عرضت له فكرة فتذكر بر سيده وعطفه وجوده وكرمه، وعلم أنه لا بد له منه، وأن مصيره إليه، وعرضه عليه، وأنه إن لم يقدم عليه بنفسه قدم به عليه على أسوأ الأحوال .. الان حال الانسان واستغراقه في الذنب والمعصية عرضت له فكرة ، هذه الفكرة هي المحرك والدافع له الى احداث التوبة ، تذكر احسان الله اليه تذكر بر الله سبحانه وتعالى تذكر ان مصيره الى الله سبحانه وتعالى اما ان يقدم اليه جل وعلا باختياره او يقدم عليه سبحانه وتعالى مكرها على اسوأ حال .. ففر إلى سيده من بلد عدوه، وجدّ في الهرب إليه حتى وصل إلى بابه، فوضع خده على عتبة بابه، وتوسد ثرى أعتابه، متذللاً متضرعاً، خاشعاً باكياً، آسفا، يتملق سيده ويسترحمه، ويستعطفه ويعتذر إليه، قد ألقى بيده إليه، واستسلم له، وأعطاه قياده، وألقى إليه زمامه، فعلم سيده ما في قلبه، فعاد مكان الغضب عليه رضًا عنه،
الآن يفسّر لك لماذا يفرح الله عز وجل ؟
الله يريد أن يحسن اليه ، الان العبد قد أزال المانع ، فيفرح الله عز وجل فرحا عظيما جدا بأنه سيُفضل على هذا العبد سينعم عليه ،، فعاد مكان الغضب عليه رضا عنه، ومكان الشدة عليه رحمة به، وأبدله بالعقوبة عفواً وبالمنع عطاءً، وبالمؤاخذة حلماً، فاستدعى بالتوبة والرجوع من سيده ما هو أهله، وما هو موجب أسمائه الحسنى وصفاته العليا، فكيف يكون فرح سيده به؟ وقد عاد إليه حبيبه ووليه طوعاً واختياراً، وراجع ما يحبه سيده منه برضاه، وفتح طريق البر والإحسان والجود التي هي أحبُّ إلى سيده من طريق الغضب والانتقام والعقوبة…
نرجع الآن الى قصتنا في بداية المقال ..
فتأمل قول الأم: "لا تحملني بمعصيتك لي على خلاف ما جُبلت عليه من الرحمة والشفقة".
وتأمل قوله صلى الله عليه وسلم: « لله أرحم بعباده من الوالدة بولدها » وأين تقع رحمة الوالدة من رحمة الله التي وسعت كل شيء ؟
فإذا أغضبه العبد بمعصيته فقد استدعى منه صرف تلك الرحمة عنه، فإذا تاب إليه فقد استدعى منه ما هو أهله وأولى به.
فهذه نبذة يسيرة تطلعك على سر فرح الله بتوبة عبده أعظم من فرح هذا الواجد لراحلته في الأرض المهلكة بعد اليأس منها…
بعض الخواطر التي استقرت في قلبي بعد الاستماع لهذه المحاضرة ..
«لن نعدم من ربٍّ يضحكُ خيرًا»
الشيء الذي كنت أعرفه سابقًا أن الله تواب ويحب التوابين، ولذلك نستغفر ونتوب إليه ليرحمنا ولا يغضب علينا، لكن هذا السر، بعد أن قرأته، جعلني أستشعر رحمة الله وحبه لنا بشكل أعمق. أغلب تعاملات الناس تكون قائمة على حبٍّ مشروط؛ افعل لي كذا أعطك كذا، وإن غضبت منك منعتك، بل إن بعض الناس قد يحب أن يرى غيره في حالة ضعف أو ذل ثم يمنّ عليه بالعطاء. أما الله، ربنا الذي خلقنا، فهو غني عنا، سواء رجعنا إليه أم لا فهو لا يحتاج منا شيئًا، ومع ذلك لم يتركنا سدى، بل يريد أن يعطينا، ويريد أن يغدق علينا من واسع كرمه وفضله، ويتم نعمته علينا، ولذلك يفرح، يفرح لأنه يريد أن يعطينا، سبحان الله. العلاقة بين العبد وربه مختلفة تمامًا؛ الله يريد منا أن نرجع إليه ليعطينا، يحب أن يعطي عبده المؤمن، ليس كالبشر الذين قد يريدون منك الرجوع والاعتذار ليستغلوك أو ليشعروك بالتقصير أو الفوقية. هو يريد لنا الخير، حتى إنني أحيانًا أتساءل بيني وبين نفسي: كيف هذا اليسر وهذه السهولة في ديننا؟ مجرد نية صادقة قد يُكتب لك بها الأجر كاملًا، ذكر بسيط يكون جزاؤه عتق رقبة، أو سببًا في دخول الجنة، وأجور مضاعفة، حتى الابتسامة، حتى الدمعة، الله يدخرها لك ليوم القيامة، ويظلك تحت ظله بدمعة صادقة خرجت منك. هنا أيقنت وآمنت أن الله يحبنا حبًا عظيمًا، ويريد أن يعطينا ويكرمنا. بل حتى عندما نحمل همًا ويصيبنا الحزن والغم، فإن الله، لعلمه بقرب الفرج، يضحك، كما في الحديث: قال النبيّ ﷺ: «ضحِك ربُّنا عز وجل من قنوط عباده، وقرب غِيَرِه». فقال أبو رزين: أو يضحك الرّب عز وجل؟ قال: «نعم». فقال: «لن نعدم من ربٍّ يضحكُ خيرًا».. يضحك لأنه يفرح عندما يعطينا، وفرحته أعظم من فرحتنا نحن حين نأخذ. ربنا عظيم وكريم وجميل ورحيم، ولذلك يأمرنا أن ندعوه بأسمائه الحسنى لنعرفه بها ونسأله منها، ولذلك أيضًا جاء في الحديث: «إذا دَعا أحَدُكُم فليَعزِمِ المَسألةَ»، أن يكون واثقًا وهو. يدعي، لأن الله كريم لذاته، جواد لذاته، وهذه صفاته سبحانه. لكن عندما نغضبه ونتبع الشيطان ونجعله في مقام الله أو السيد ، وكأننا بتصرفاتنا نستجلب غضب الله بعد حلمه، كما يُستفز الحليم حتى يخرج عن سكونه، مع أن رحمته سبقت غضبه، وأسماؤه كلها حسنى، لا تدل إلا على الكمال والخير. نحن بذنوبنا نحجب أنفسنا عن هذه المعاني. يشبه ذلك حال من يستفز إنسانًا حليمًا حتى يخرجه عن حلمه، كمافي المثل المشهور “ اتق شر الحليم اذا غضب “ ، فنرى منه ما لا نحب، لأننا نحن من أوصله إلى تلك الحال، ولله المثل الأعلى. فالله لا يريد منا أن نصل إلى مرحلة يغضب علينا فيها غضبًا شديدًا فنُحرم من رحمته، بل يحبنا ويريد أن يحسن إلينا ويتم نعمته علينا، لأن هذا من كمال صفاته سبحانه، فهو يحب أن يعطي، لكننا – غفر الله لنا – قد نغفل عن هذا المعنى. فلو أخَذَنا بالعدل لهلكنا، ولكن الله حليم، ولولا حلمه ما ترك على الأرض من دابة..
وهنا اذكر الحديث اللي ذكره الشيخ : عن أنس ابن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “ييَخرُجُ مِنَ النَّارِ أربَعةٌ فيُعرَضونَ على اللهِ، فيَلتَفِتُ أحَدُهم فيَقولُ: أي رَبِّ، إذ أخرَجتَني مِنها فلا تُعِدْني فيها، فيُنجيه اللهُ مِنها.”
فيقول مناديا الحق سبحانه: أي رب، لقد كنت أرجو وأطمع في فضلك وجودك؛ أنك إذ أخرجتني من النار، ألا ترجعني إليها، فيخلصه الله سبحانه من النار، ولا يرده إليها، ويدخله الجنة سبحانه جل شأنه، كما في رواية ابن حبان. وفي الحديث: عظيم كرم الله تعالى، وفضل حسن الظن به عز وجل. وفيه: حث الكرماء على إتمام ما أنعموا به؛ إذ المنعم بالنعمة لا يعقبها بضدها..
والشيطان دائمًا يحاول أن يدخل إلينا من هذا المدخل: ويقول لك أنك تخطئ كثيرًا، وأن الله لا يحبك، ولن يغفر لك لأنك أكثرت من الذنوب، مع أن الله سبحانه قال في كتابه إنه يحب التوابين والأوابين كثيري الرجوع إليه، وجاء في المعنى أنه لو أذنبت مرارًا ثم رجعت إليه غفر لك، وأن الله لا يمل حتى تملوا، وقال أيضًا: « لو لم تُذنِبوا لذهبَ اللهُ بكُمْ ولجاءَ بقومٍ يُذنبونَ ثمَّ يستغفرونَ فيغفرَ لهُم »، فلو كنت لا تذنب أبدًا لكنت من الملائكة، ولكن الله يحب منا مقام العبودية، كمال الذل مع كمال المحبة، ولذلك يفرح لأنك عرفت مقامك، وعرفت مقام ربك الأعلى جل في علاه، فحينها يعطيك، وتأتيك الدنيا وهي راغمة، لكن أهم شيء أن تعترف وترجع، كالطفل الصغير مع أمه.. وتقول يا رب، أنا أعلم أني كثيرة الذنوب، أخطئ كل يوم، بقصد أو بغير قصد، لكن مهما صدر مني سأرجع إليك، وسأبقى عند بابك، أبكي عند بابك حتى ترحمني وتغفر لي، الحمد لله على نعمة وجودك يا رب، والحمد لله أني عبدتك وأمتك الضعيفة التي تحتاجك في كل نفس…
والله سبحانه وتعالى يريدك لك، كما في الأثر” الإلهي: “عبدي، كلٌّ يريدك لنفسه، وأنا أريدك لك” فكيف لا يستحي العبد أن يكون ربه له بهذه المنزلة، وهو مُعرِض عنه، مشغول بحبّ غيره، قد استغرق قلبَه محبةُ سواه؟
وأيضًا: فكلّ من تُعامله من الخلق إن لم يربح عليك لم يُعاملك، ولا بدّ له من نوع من أنواع الربح.
والربّ تعالى إنّما يعاملك لتربحَ أنت عليه أعظمَ الربح وأعلاه. فالدرهم بعشرة أمثاله إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، والسيئة بواحدة، وهي أسرع شيء محوًا.”
«الداء والدواء» (ص٥٣٥-٥٣٧).
صراحة، من أجمل المحاضرات التي شاهدتها، واستفدت منها كثيرًا، فقد فتحت لي أبوابًا من الفهم لم أكن أنتبه لها من قبل، وتطرقت إلى معان عميقة وفوائد عظيمة من بدايتها. لذلك أنصحكم بمشاهدتها، وواثقة أنكم ستخرجون منها بشعور مختلف، وربما بقلب أقرب إلى الله مما كان عليه قبلها..





ماشاءالله تبارك الله على هذا المقال،
جزاك الله خير مقالاتك دائماً جميلة وليها آثر جمييللل قي قلبي🤍🤍
مقال يجنن شكراا الج لأن كتبتي 💗💗💗