أنتَ تحفةٌ فنيّة صُمِّمت على يدِ أعظمِ فنان
وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ
الْمُصَوِّرُ
من بين كل أسماء الله الحسنى، الاسم الوحيد الذي لم أكن أذكره أو أستوعبه بشكل جيد هو اسم الله “الْمُصَوِّرُ”، وأعتقد أنه اسم منسي نوعًا ما، يعني لم يأخذ حقه أو قدره من التقدير أو تسليط الضوء عليه كما حصل مع بعض الأسماء الأخرى مثل اسم الله “الغفور” و”الرحيم”، فنحن دائمًا نردد “يا رحيم ارحمني”، “يا لطيف”، “يا غفور”، ولكن “يا مصور” لم أسمعها كثيرًا. لهذا عندما عرفت معنى هذا الاسم وتأملته واستشعرته في حياتي اليومية، أحببته كثيرًا. أنا أحب جميع أسماء الله، وكلها عظيمة وكاملة، ولكن سبحان الله، كل شخص يكون له اسم خاص أو محبب إلى قلبه أكثر، واسم “المصور” أصبح من أجمل الأسماء المحببة إلى قلبي. ولكن ما هو معنى هذا الاسم أصلاً؟
: (المصور) اشتقاقاً اسم فاعل مِن صوَّر، يصوِّر فهو مصوِّر، والمصدر تصوير
المعنى الأول: ومعنى صوّر الشيء لغةً: جعل له شكلاً خاصاً معروفاً.
فمثلا الأب الذي عنده عدة أولاد، كل ولد صورة، من حيث اللون، من حيث الطول، من حيث شكل الوجه، هناك وجه دائري، ووجه مستطيل، وهناك شعر أسود، وشعر أشقر، فجعل الله للشيء شكلاً خاصاً معروفاً.
المعنى الثاني: هناك معنى آخر: صور الشيء قطعه، وفصله، وميّزه عن غيره.
لاحظ صنعة الإنسان القطعُ كلّها متشابهة، ما لها شخصية، علب الطعام متشابهة تماماً، عبوات الأغذية متشابهة تماماً، أما الإنسان فليس هناك في الستة آلاف مليون إنسانٌ يشبه الآخر، لا بشكله، ولا بطوله، ولا بلونه، ولا بملامح وجهه، ولا بطريقة مشيه، ولا بطريقة كلامه، ولا بنبرة صوته.
لذا، عندما نرى هذا العالم البديع ودقة صنعه، والفن والجمال الموجود فيه، نتعجب صراحة. وبما أنني أحب الفن وكل شيء يتعلق بالفن والألوان والجمال، عندما نقف ونتأمل في الدنيا وما بها من جمال وإبداع، ندرك عظمة الخالق ودقة التفاصيل الموجودة فيه. فمثلاً، عندما نريد أن نُحدث تغييرًا أو نخلق شيئًا جديدًا في حياتنا، نبدأ من نقطة الصفر، حيث لا يوجد شيء سوى الفراغ. ولكن مع الإبداع والتخطيط، يتحول هذا الفراغ إلى شيء جميل ومرتب. يعني مثلًا عندما تشتري أرضًا وتريد بناء بيت تبدأ من بقعة فارغة لا حياة فيها، ثم تبدأ في التخطيط والبناء والتصميم حتى يصبح بيتًا عامرًا وجميلاً. فتخيل أن الله سبحانه وتعالى أوجدنا من العدم كما ذكر في قوله: “هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا “ وايضًا :“هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ”،فهذه الافعال الثلاثة من حيث ظهورها وتحققها وحصولها في العيان مُرَتَّبة ، آخرها الصورة التي تكتمل وتتمُّ شيئًا فشيئًا حتى تبلغ نهايتها في الجنين او النبات او ما شاء الله تعالى. فالله أوجدنا من العدم، وأوجدنا على هذه الأرض، وصورنا في أحسن صورة، وصور هذا الكون البديع من سماء وأرض وبحار وأشجار، وكل سبل الحياة. وفي هذا السياق، نتأمل كيف أن الله سبحانه وتعالى قد أبدع في خلق كل شيء من حولنا، ففي كل تفصيل من تفاصيل هذا الكون نجد بصمة من الجمال والإبداع الإلهي. وعندما ترى الفنانين والرسامين كيف يهتمون بالألوان وكيف يدمجونها معًا، تدرك عظمة الله، الفنان العظيم، في خلقه لمختلف أنواع النباتات والحيوانات بألوانها الجميلة والمتنوعة، التي تحمل في تفاصيلها الكثير من الجمال والإبداع الذي لا يعد ولا يحصى. ولكن، من أعظم نعم الله والتي أحب أن أتأمل فيها باستمرار هي نعمة التأمل في الإنسان والناس، أحب أن أتأمل في ملامحهم ولغاتهم ولهجاتهم، وأستمتع بالتعرف على ثقافة كل بلد وأطباقه وتراثه،وخصوصًا في وجه الإنسان وملامحه.
كيف أن الله سبحانه وتعالى قد خلقنا بنفس العيون والأنف والفم، ولكن كل شخص شكّله الله بسمات وملامح خاصة به تميّزه عن غيره. وهذا ما نَسِيهُ الناس في زمننا هذا، أن الله خلق كل إنسان متفردًا ومتميزًا بشيء خاص به. تخيّل أن كل هذه الصفات قد وضعها الله سبحانه وتعالى فيك لتجعلك مميزًا عن الآخرين. بل حتى بصمة الأصابع تختلف من شخص لآخر، حتى في التوائم. لماذا؟ لأنك فرد مميز وفريد في نظر الله عز وجل. والله خلقنا مختلفين في ألواننا وملامحنا لنرى جمال صنعه في هذه الدنيا، كما قال تعالى: “وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ”. تخيل لو أننا جميعًا نحمل نفس الملامح، نفس اللون، نفس الطول، نفس الوزن، كل شيء سيكون مملًا بل لن نستطيع ان نفرق بيننا ، أليس كذلك؟ لذلك من حكمة الله سبحانه وتعالى أنه خلقنا بهذا الاختلاف، كما قال تعالى: “وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا”، لنتعارف ونستشعر آيات الله من حولنا.وما يشدني حقًا هو اختلاف الألسنة واللهجات، فهي من الآيات العظيمة جدًا، كيف تجد أبناء البلد الواحد بينهم من اختلاف الألسنة ما يثير العجب فعلاً، فلهجة الشمال تختلف عن الجنوب، ولهجة الشرق تختلف عن الغرب، فما بالك ببقية اللغات الأخرى! وأتذكر أنني وقعت فجأة في قناة من قنوات اليوتيوب لليوتيوبر الياباني “Yuji Beleza”، وهو يوتيوبر مهتم باللغات واللهجات المختلفة حول العالم. ففي قناته، يوقف الناس في الشارع ويسألهم عن لغاتهم ولهجاتهم، في أحد التعليقات، ذكر أحد الأشخاص أنه يعتبره شات جي بي تي النسخة الواقعية، وأضحكني تعليقه كثيرًا، لأنه حقًا موهوب جدًا في إتقان جميع اللغات . حيث تلاحظ أول ما يطلب منهم التوقف ليطرح عليهم سؤالًا عن لغتهم، يكونوا في البداية مترددين، ولكن ما إن يتحدث بلهجتهم حتى يظهر عليهم الفرح والانفتاح، وكأنهم وجدوا شخصًا يُقدر لغتهم ويفهمها بصدق وهذا يوضح معنى قوله تعالى: “لتعارفوا”، أي لنتعرف على بعضنا البعض بشكل أعمق ونعزز الروابط فيما بيننا..
وأكثر ما يلفت انتباهي أيضًا عندما أتأمل في الناس وملامحهم هي الأشياء التي يكون الشخص نفسه منحرجًا منها، مثل النمش، الشيب، الشامة، الوحمة. هذه هي الأشياء التي تميز الشخص،وعندما نذكره أو نصفه في حديثنا، نقول: “فلان الذي لديه شامة” أو “الذي عنده وحمة”، وكأنها توقيع خاص به.

تخيل فقط أن الله هو الذي خلقك سبحانه وتعالى، اختار عيونك بهذا الشكل، وأنفك بهذا الشكل، وفمك، وأضاف لك شيئًا بسيطًا يميزك عن غيرك ويكون هو أجمل ما فيك! أغلب الناس الآن في عالمنا المادي هذا يعتقدون أنهم سيكسبون إعجاب الناس إذا حصلوا على شهادات عالية، ومناصب رفيعة، ومال كثير، متناسين أن الناس قد تقع في حبك بسبب ضحكتك، أو لثغتك في حرف الراء، أو طريقة كلامك، أو نظرة عيونك. أشياء قد تراها أنت قبيحة، لكنها هي التي تجذب الناس إليك. في عالمنا الحالي الذي أصبحت فيه الوجوه نسخًا مكررة، نفس الوجه، نفس الأنف، نفس الشعر، نفس كل شيء، حتى طريقة الكلام، نرى مقاطع لأناس يعلمونك كيف تتحدث، كيف تجلس، كيف تمشي. لماذا لا أكون على طبيعتي؟ لذا، عندما أرى شخصًا ما زال محافظًا على ملامحه كما هي، خصوصًا في مجتمع النساء، أفرح كثيرًا. ما زال شخصًا محافظًا على شكله الذي خلقه الله به. ولكن لماذا هذا الهوس بعمليات التجميل؟ أتذكر مرة قرأت تغريدة للكاتب أحمد فال الدين، ذكر فيها:
“مررت أمام عمارة في الدار البيضاء، فلمحت لوحة عيادة مكتوب عليها ‘الجراحة التشكيلية’. ولما قرأت اللوحة كاملة، تبين لي أن المقصود بالجراحة التشكيلية هو ما عُرف بالجراحة التجميلية. سعدت سعادة غامرة بالتعبير لأنه دقيق وغير مخادع. فهي جراحة تشكيلية قطعا، تعيد تشكيل الوجه إلى القبح أو إلى غيره، أما الحكم بأنها تجميلية بداهة فهو منزع تجاري كاذب. ومن يسر في شوارع وأسواق عالم اليوم، ملاحظًا تلك الشفاه المشوهة والخدود المشكلة، يعلم أنها جراحة تشكيلية لا تجميلية”.
هذا صحيح، فعمليات التجميل تُجرى عادة عندما يتعرض الشخص لحادث قوي يؤدي إلى جروح وتشوهات كبيرة في الوجه، حيث يتم اللجوء إلى العمليات التجميلية لتصحيح هذه الأضرار. أما إذا كان الشخص سليمًا ولا يعاني من أي خلل، فليس من الضروري اللجوء إلى هذه العمليات. في مجال طب الأسنان، لدينا تخصص كامل يُعنى بالتركيبات الاستعاضية، الذي يهدف إلى تعويض فقدان أجزاء من الوجه، مثل الأنف أو الفك، من خلال ما يُعرف بـ 'تركيبات الوجه والفكين' (Maxillofacial Prosthesis). على سبيل المثال، إذا فقد المريض أنفه بالكامل أو جزءًا من فكه، فإن الجراحة التجميلية تصبح ضرورية هنا لتصحيح هذا الفقدان. أما إذا كان الشخص طبيعيًا ولا يعاني من أي خلل، فالسؤال هنا، ما الهدف من هذه العمليات الجراحية التجميلية إذا لم يكن هناك أي خلل ظاهر؟.. بل اذهب الآن واسأل أي شخص خضع لعملية جراحية بدون سبب ، ستجد أنه يقول لك إنه نادم أشد الندم على ذلك، لأنه مهما حدث، لا شيء يمكنه أن يماثل جودة ما خلقه الله لنا و لا شيء يمكنه أن يوازي خلق الله عز وجل في أي شيء. فكل إنسان يدخل هذا المجال دون حاجة ضرورية وملحة سيظل يندم أشد الندم، لأنه في النهاية، لا يمكن لأي تغيير أن يتفوق على الجمال الذي خلقه الله سبحانه وتعالى .

في بعض الأحيان، عندما تجلس وتتأمل في خلق الله، وتشاهد بديع صنعه في هذا الكون، تجد لسانك يردد على الفور: سبحان الله، أو ما شاء الله تبارك الخالق، لأن الجمال الذي نراه مستحيل أن يكون من خلق البشر. كيف السماء ونجومها المتلألئة والقمر، وكيف غروب وشروق الشمس، وكذلك صور متنوعة من النباتات والزهور والفواكه والخضروات بألوانها البديعة، حتى طريقة طبخها تحتوي على فن، كيف أن هذه الخضروات تنتج صحنًا شهيًا ولذيذًا. كل شيء خلقه الله في هذا الكون يتمتع بجمال غير عادي وتفاصيل دقيقة، حتى الحيوانات، كيف أن اختلافها وجمالها يتجلى في كل واحد منها، وكيف أن لكل حيوان سمته الخاصة ووصمته المميزة في جلودها. كيف أن كل حيوان له أشكال مميزة: المنقط، المخطط، المزيج. وهذا ما أحبّه، عندما نذهب في رحلة عائلية مع الأهل، دائمًا أحب اختيار حديقة الحيوانات، خصوصًا مع الأطفال، لأننا جميعًا نعيش دهشة الأطفال، نجلس نتأمل كل حيوان ونراقب كيف أن كل واحد منهم يمتاز بشيء خاص، مثل الحمار الوحشي، كيف أن دقة الخطوط في جسمه متوازنة ومرسومة بشكل بديع، والغزال من الجهة الأخرى، النقاط البيضاء في جلدها ودقة المسافات بينها، سبحان الله. وهنا نستشعر النعمة العظمى، نعمة البصر. تخيل لو أننا فقدنا هذه النعمة، لن نتمكن من الاستمتاع بكل هذه التفاصيل والآيات، ولن نستشعر اسم الله المصور الذي صمم هذا العالم الجميل. هل شكرنا الله على نعمة البصر؟ هل نحن قادرون على رؤية الأشياء كما هي؟ لأن هناك كثيرين يرون ولكن لديهم عمى ألوان أو أمراض تجعل الرؤية ضبابية أو مشوشة، وأنا وأنت يمكننا أن نرى بشكل طبيعي تمامًا. هل شكرنا الله عليها؟ نعمة البصر هي نعمة عظيمة جدًا وآلية نظامها معقدة، كيف أننا نبصر، كيف ينتقل الضوء الذي نراه، ثم ترسل إشارات إلى الدماغ، ومن ثم نبصره بشكل دقيق وجميل. هذا كلّه يظهر لنا عظمة الخالق عز وجل.
نِعمٌ كثيرة محاطة بنا، نتجاهلها ونحن نطلب المزيد، متناسين النعم الأساسية التي تجعلنا نتمتع بما رزقنا الله إياه. قد يمنحنا الله ما نريد، لكنه قد يأخذ منا النعمة التي تجعلنا نستمتع بما دعونا به. كم من شخص دعا بالمال، على سبيل المثال، فرزقه الله المال الذي أراده، لكنه ابتلي بمرض خطير فصرفه كله في علاج نفسه، فهنا لا يستمتع بماله ولا بصحته ولا بعافيته. لذا يجب علينا عندما ندعو الله بشيء أن نقول: “اللهم ارزقني هذا الشيء وأن أتمتع به وأنا في صحة وعافية”.
وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ
Shayṭān wants to reverse the equation, he wants you to obsess over the shape of your nose while ignoring the shape of your soul. He wants you to believe that your worth is measured by compliments instead of deeds. Because if he can get you to doubt how Allah fashioned you, then he can make you forget why Allah created you.
فالشيطان يريدك أن تركز على الظاهر وتنسى الداخل، لأن الداخل هو الأهم. حتى لو لاحظتم، عندما يقول الناس إن فلانًا ليس جميلاً، ولكن روحه جميلة، لأن الداخل ينعكس على الخارج، وهذا هو الأهم. يريدنا الله أن نركز على الداخل حتى ينعكس على ظاهرنا، ويعكس جمال خِلقة الله عز وجل. قال تعالى: “إِنَّ الله لا يَنْظُرُ إِلَى أَجْسامِكُمْ وَلا إِلَى صُوَرِكُمْ وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ”. وهنا تذكرت قصة الصحابي عبد الله ابن مسعود أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ابنَ مسعود فصعد على شجرة - أمره أن يأتيه بشيء.، فانكشفت ساقُه، وكانت دقيقةً هزيلةً، فضَحِكَ منها بعضُ الحاضِرِينَ. فقال النبيُّ : أَتَضْحَكُونَ من دِقَّةِ ساقَيْهِ و الذي نفسي بيدِه لَهُمَا أَثْقَلُ في الميزانِ من جَبَلِ أُحُدٍ . فإن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه ذلك الصحابي الذي كانت ساقاه دقيقة و أيضًا كان رجلاً نحيفًا، قصيرًا، شديد الأُدْمة، أحمش الساقين، لطيف الجسم، ضعيف اللحم، كما ذكروا أنه كان نحيفَ الخَلقإلا أنه ومع كل ذلك ساقاه فقط رضي الله عنه في نظر الشارعِ وميزانه أثقلُ من جبل أُحُد، فكيف بما سواهما؟ فالعبرة ليست بكِبَر الجسم وثقله، أو حسن الصورة وعدمها يوم القيامة، بل بما جئتَ تحمله معك من أعمال صالحة .
فإن الشخص الذي يرى نفسه قبيحًا أو غير جدير، ربما يكون قد أغفل العناية بالداخل، حيث أن الجمال الحقيقي ينبع من الإيمان والصدق مع الذات، مثل الإيمان والإسلام. نحن مسلمون ظاهريًا، ولكن عندما يدخل الإيمان في قلوبنا، نرى العالم بشكل مختلف إذًا فالمعول عليه دائمًا: هو الإيمان، فانتبه أن تعجبَ بِبَدانة شخصٍ، ولا بضخامة جسمه، أو حسنه، أو أن تزدري آخر لخلاف ذلك، ألا ترى أن أهل النفاقِ وُسِموا بأنَّهم ذوي أجسامٍ حسنة، وهيئات جميلة، وأقوال حسنة؛ قال الله عز وجل: ﴿ وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ ﴾ [المنافقون]، والمعنى هنا أنهم كانوا ذوي أشكال حسنة وأجسام جميلة، وذوي فصاحة وألسنة طيّعة، وإذا سمعهم السامعُ، كان يصغي إلى كلامهم لبلاغتهم، ومع ذلك كانوا في غاية الضعف والخَوَر والهلع والجزع والجبن. وأيضًا في الحديث: “إنَّه لَيَأْتِي الرَّجُلُ العَظِيمُ السَّمِينُ يَوْمَ القِيَامَةِ، لَا يَزِنُ عِندَ اللَّـهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ”، اقرأوا {فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ وَزْنًا}.
فضع في قلبك دائمًا ميزان الله عز وجل، أن يكون همك هو رضا الله وليس رضا الناس، لأن الناس تتغير آراؤهم، ما يرونه جميلًا اليوم قد يرونه قبيحًا بعد فترة. لكن الله سبحانه وتعالى ينظر إلى قلبك دائمًا، فركز عليه واهتم به. فكلما سعى الإنسان للتركيز على تقوى الله وإصلاح قلبه، تتغير نظرته للحياة ولما حوله،فعندما يدخل الايمان قلوبنا نُصبح نرى العالم بعيون مختلفة، نبدأ في تأمل آيات الله التي لم نكن نشعر بها من قبل، نبدأ نستشعر شروق وغروب الشمس، وأوراق الشجر، واختلاف الناس. نركز في التفاصيل ولساننا يلهج بقول “رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ” لماذا؟ لأنك أصلحت روحك من الداخل، فأصبح كل شيء انعكاسًا لما في داخلك.
قال سبحانه وتعالى مخبرا عن قول إبليس : “ثم لا تجد أكثرهم شاكرين”. يريد الشيطان أن يُنسي الإنسان قيمة الشكر، أن يجعله يركز على شكل أنفه وينسيه انه قادرًا على التنفس، حتى لا يشكر الله على نعمة التنفس. يذكره بما ينقصه حتى لا يتذكر النعم الكثيرة التي تحيط به ويشكر الله عليها. يريد أن يجعله في حالة جوع مستمر للتجميل والمال وحب الدنيا، حتى إذا جاءت الساعة قال: “إني بريء منك”. فقط تخيل يوم الحساب، الجحود والنكران لكل من تبعه في هذه الدنيا! لكن الإنسان يبقى معمي وغافلًا حتى يبتليه الله ليُقدّر بعد ذلك النعم التي بين يديه، بل قد يشكر الله على بلائِه هذا ، لأن هناك من لا يبتليهم الله بل يتركهم لأنفسهم، ثم يأخذهم فجأة دون أن يعودوا إليه.
طيب كيف ممكن نشكر الله على نعمة خلقي بهذه الصورة ؟ وكيف أدعو باسم الله المصور ؟؟
أول شيء يجب أن نعيه وندركه هو أن جسدنا ملك لله عز وجل، هو ليس ملكًا لنا. الله سبحانه وتعالى خلقنا لعبادته، وشكّل أجسامنا بهذا الشكل لنعبده بأحسن وجه، وميزنا عن بقية المخلوقات لكي نعبده حق العبادة. .فقد قال النبي ﷺ: «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيم أفناه وعن علمه فيم فعل فيه وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه وعن جسمه فيم أبلاه» . فلو كان ملك لك لماذا يسألك عنه؟
« إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ »
كانَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ إذا نظرَ إلى وجهِهِ في المرآةِ قالَ الحمدُ للَّهِ اللَّهمَّ كما أحسنتَ خَلْقي فأحسن خُلُقي.
فالله قد حسن خلقتنا الظاهرة، ولكن هذا لا يعني أن الداخل حسن وجميل أيضًا. فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو الله أن يُحسن أخلاقه وصورته الباطنة. ولا شك أن الله يفضل بعضنا على بعض في كثير من الأمور، ومن ضمنها الجمال. نعم، جميع خلق الله حسن ومتقن، ولكن قد يعطي البعض درجات أعلى من الجمال، وبعضهم درجات أقل. مثل سيدنا يوسف عليه السلام، الذي أعطاه الله شطر الجمال، أي نصف الجمال البشري. ولكن هنا يكمن الابتلاء والاختبار. فقد كان يوسف عليه السلام جميلًا، لكن هذا لم يجعله يتكبر على الناس أو يزدري من هم أقل منه، رغم جماله كان متواضعًاوظل قلبه مليئًا بالإيمان. وفي الجهة المقابلة، نجد أبو لهب، الذي كان يُكنى بهذا اللقب كناية عن تلهب وجهه واحمراره، وهذا يدل على أنه كان جميلًا في ظاهره، فقد كان يتمتع بحسن وجمال ملحوظ. وحتى أن عبد المطلب والد أبي لهب كان قد أطلق عليه هذه الكنية لشدة حسنه. لكن، جماله الظاهري لم يشفع له أمام الله. فقد كان أبو لهب من أشد أعداء الرسول صلى الله عليه وسلم، ومُلئ قلبه بالشر والحسد والكره تجاهه. لهذا، ورغم جماله الظاهر، لكن داخله كان ملوثًا بالضغينة والشر، إذن نجد أن سيدنا يوسف عليه السلام وأبو لهب كلاهما كانا جميلين، ولكن كان هناك فرق كبير بين جمالهما الداخلي. وهكذا نجد أن التفضيل الحقيقي عند الله ليس في الجمال الظاهري، بل في التقوى ونقاء القلب.
الخلاصة ١ : ما واجبنا تجاه هذا الجسد
« يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ »
يجب علينا أن نتذكر أن هذا الجسد هو ملك لله عز وجل، وأنه أمانة يجب أن نعتني بها بما يرضي الله.
عندما يعطينا الله الجمال، يجب أن نكون متواضعين، وألا نتكبر على الناس أو نستهزئ بهم، بل نعمل على تحسين داخلنا كما نحرص على مظهرنا الخارجي. جمالنا الحقيقي يكمن في التقوى ونقاء القلب، لذا علينا أن نتقوى في داخلنا كما نتزين في مظهرنا، ونسعى لأن يكون جمالنا الظاهري انعكاسًا لجمالنا الباطني.
«الطهور شطر الإيمان»
وفي هذا الحديثِ يقولُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم: “مَن كان له شَعَرٌ”، أي: في رأسِه أو لِحْيتِه، “فَلْيُكرِمْه”، أي: فلْيَعتَنِ به ولا يَترُكْه مُفرَّقًا، بل يُنظِّفُه ويُسرِّحُه ويُطيِّبُه.
ومن جمال هذا الدين أنه اهتم بالحفاظ على هذا الجسد والعناية به من جميع النواحي، فالإسلام يولي أهمية كبيرة للنظافة والطهارة ، ومن مظاهر النظافة التي أمر الإسلام بها: تنظيف الجسد من أي شيء يؤدي إلى اجتماع الأوساخ فيه، فأمر بإزالة شعر الإبط، والشعر الذي يكون حول العورة، وأمر بتقليم الأظافر، وأمر بالختان، وقص الشارب؛ لأن هذه الأماكن تجتمع فيها النجاسات إذا تركت؛ لهذا يقول النبي - صلى الله عليه وسلم - كما في الصحيحين: «الفطرة خمس، أو خمس من الفطرة: الختان، والاستحداد، ونتف الإبط، وتقليم الأظفار، وقص الشارب» .
ححتى عندما نتناول موضوع الوضوء ،قد يستنكر بعض غير المسلمين هذا الفعل أو يرونه شيئًا غريبًا أو طقسًا عجيبًا، فيتساءلون عن السبب وراءه ، وهنا أذكر قصة سمعتها في أحد البودكاستات عن شخص ياباني أسلم بسبب الوضوء. كان يتساءل كيف أن هناك شعبًا في العالم أكثر نظافة من الشعب الياباني، فبدأ يبحث عن موضوع الوضوء والغسل، وبالفعل تأكد أن هذا الأمر صحيح، فأسلم بسبب هذا الموضوع. كيف لشعب أن يكون أنظف منه؟ فأسلم. وهنا وقفة تجعلنا نشعر بالفخر كوننا مسلمين، لانه يجب علينا أن نتحلى بأخلاق الإسلام ونمارس طقوسنا بكل فخر، دون الخوف من نظرة الناس أو ردة فعلهم، لأننا لا ندري أي فعل قد يكون سببًا في هداية شخص ما. ،و سمعت أيضًا عن قصة بريطاني كان قد سافر إلى مصر، وأثناء تجواله في شوارع مصر، شاهد طفلًا من الأطفال الذين يبيعون المناديل في الشارع. ابتسم الطفل في وجهه وقال له: “السلام عليكم”، ثم مضى. فكانت تلك التحية قد أثارت إعجابه، فبحث عن معناها، حتى أسلم بسبب ذلك.قد يعتقد البعض أنه يجب أن نصلي أمام غير المسلمين أو نقرأ القرآن لهم، وهذه هي الصورة النمطية المعروفة عن المسلمين. فنحن نظن أنه بهذه الأفعال فقط سوف يسلمون، ولكننا قد نغفل عن أهم جانب، وهو جانب الأخلاق. فممكن من خلال بشاشتك، وإلقاء السلام على الناس، أو إكرامك للضيف، أو إماطة الأذى عن الطريق، أو مقابلة الإساءة بالحسنة، هذه الجوانب هي التي قد تجعل غير المسلمين يتأثرون ويقبلون الإسلام. كما قال ابن القيم رحمه الله: "الدين كله خُلق! فمن فاقك في الخلق فقد فاقك في الدين". بل وأن من أقرب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هم أحسنهم أخلاقًا، فكلما كنت أحسن خلقًا، كنت أقرب إلى الله ورسوله. كما في الحديث الشريف: "إنَّ أحبَّكم إليَّ وأقربَكم منِّي في الآخرةِ محاسنُكم أخلاقًا". فلا تحقرن من المعروف شيئًا.
ولا ننسى كيف أن ديننا يهتم بكل شيء، حتى بأدق التفاصيل التي قد نغفل عنها، مثل الحفاظ على الطهارة والنظافة ليس فقط لأنفسنا، بل نراعي من هم معنا في العالم الغيبي، مثل الملائكة التي تحيط بنا. فلا نأكل ما له رائحة مثل البصل أو الثوم والكراث حتى لا نؤذيهم. فكان النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يترُكُ أكْلَ ما له رائحةٌ كريهةٌ؛ لأنَّه يَتوقَّعُ مجيءَ الملائكةِ والوَحْيِ كلَّ ساعةٍ . تأملوا هذا الدين العظيم. الحمد لله..
الخلاصة ٢ : ما واجبنا تجاه هذا الجسد
«إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ»
إن الاعتناء بالنظافة الشخصية من أهم ما يجب أن نفعله، فقد أمرنا الله عز وجل بالطهارة واوصانا الرسول بتنظيف أجسادنا وإزالة الشعر الذي حدد لنا التخلص منه، كما أمرنا بالتطيب. فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أطيب الناس ريحًا من غير تطيب، وإن طيبه كان يُشم من بعيد، ويُلمس أثره من قريب. كان طيبه يفوح شذاه وينتشر عبقه، وكان من يجالسه يشعر وكأنه في روضة غناء. وإذا لمس أحدهم ثوبه أو جسده، يجد في يده ريحًا طيبًا من أثر اللمس. قال أنس رضي الله عنه: “ما شممت شيئًا قط، مسكًا ولا عنبرًا، أطيب من ريح رسول الله صلى الله عليه وسلم.” ولنا في رسولنا الكريم أسوة حسنة في العناية بالجسد والاعتناء بالنظافة والطهارة.
«ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ»
وعن جِسمِه فيمَ أبلاه؟
“لعن الله الواشمات، والمستوشمات، والنامصات، والمتنمصات، والمتفلجات للحسن، المغيرات خلق الله.”
ومثلما ذكرنا سابقًا، فإن هذا الجسد هو ملك لله عز وجل، وإذا نهانا الله عن فعل معين يجب علينا تجنبه. لذا، إذا قمنا بالوشم أو النمص، نكون قد تعدينا على حقوق وملكية الله، ولهذا كانت العقوبة كبيرة وهي اللعن والطرد من رحمة الله. وأسأل الله أن يسلمنا ويثبتنا . وللأسف، هذه الأمور منتشرة بشكل كبير في مجتمع النساء، وخاصة في هذا العصر الذي انتشرت فيه عمليات التجميل وأصبحت وكأنها أمر مفروغ منه. وأي فتاة لم تلجأ إلى هذه العمليات يُنظر إليها وكأنها لا تفهم شيئًا أو أنها أقل من غيرها. وعندما تفعلي ما نهانا الله عنه، فإن الله سبحانه وتعالى يلعنك، واللعن هنا يعني الطرد من رحمة الله. تخيلوا العقوبة! وهذا الموضوع يعد حساسًا لنا، خصوصًا لأننا نحب الزينة والعناية بمظهرنا، وهو أمر فطري في طبيعتنا. لكن يجب أن نعلم أن هذا باب فتنة وجهاد كبير، وكلنا نواجه تحديات وصعوبة في التعامل معه. ولكن علينا أن نتذكر دائمًا أن الله سبحانه وتعالى يطلب منا ما هو خير لنا، وأن ما عند الله خير وأبقى . .فنصيحتي لكل أخت، وأنا أنصح نفسي قبلكم فكلنا خطاؤون، ولكن نذكر بعضنا بعضًا لأن الذكرى تنفع المؤمنين، فقبل أن تقرري الخضوع لعملية جراحية او تغيير خلقة الله ، فكري جيدًا في الأمر: هل ستختارين هواكِ أم ستختارين رحمة الله؟ وأسال الله أن يرحمنا جميعًا برحمته ..
الخلاصة ٣ : ما واجبنا تجاه هذا الجسد
قال ﷲ تعالى : {حَتَّىٰ إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}
واجبنا تجاه هذا الجسد هو أن لا نتعدى على حدود الله وأن نكون حريصين على عدم التعدي على ما نهانا الله عنه، بل أن نرعى هذا الجسد بما يرضيه سبحانه. في النهاية، الله سيحاسبنا عن كل شيء، حتى أن جسدنا سينطق بما فعلناه، ما أقسى هذه اللحظة.. عندما تلوم جوارحك {لِمَ شَهِدتُم عَلَينا} ، يوم القيامة ستفقد السيطرة على جوارحك. وسيكون جسدك شاهدًا لك أو عليك، وسيشهد على معاملتك له في الدنيا، لذلك ينبغي أن تكون معاملتنا له على أحسن وجه، لأننا سنُسأل يوم القيامة عن كل نعمة منحنا الله إياها.
«ولَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ»
إن الله عز وجل خلقنا وسوانا في أحسن صورة، وعدلنا وكرمنا عن بقية الخلق بأنه لم يجعلنا بصورة مطابقة للحيوانات مثل القردة أو الحمار وغيرهم، بل خلقنا مكرمين بأيدٍ وأرجل، وخلقنا بهذه الخلقة المميزة حتى نعبده عبادة تليق بجلاله وعظمته، نركع ونسجد له سجودًا يليق به سبحانه. وليس كما في الغرب حيث لديهم مصطلح يسمى “Human Pups” أي “الكلاب البشرية”، حيث يختار أفراد، غالبًا من مجتمعات الشواذ، العيش كالحيوانات الأليفة، يرتدون أزياء خاصة، ويتم تقييدهم والتحكم بحياتهم. لقد شاهدت وثائقي يتحدث عن هذه الظاهرة، وللأمانة، لم أستطع إكماله من شدة القرف، عافانا الله وإياكم. كيف لشخصٍ أن يتشبه بكلب أو قط بينما الله قد قدّره وعدله وخلقه في أحسن صورة؟ قال الله تعالى: “الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ”، الله قادر على أن يركبك في أي صورة، لكنه عدلك وفضلك عن باقي المخلوقات. عدلك بأنك تمشي على رجلين، وليس كباقي الدواب. خلق لك ذراعين ويدين وأصابع، حتى تأكل بطريقة محترمة ولائقة بمقامك، وليس كما تفعل الحيوانات التي تضع رؤوسها بالكامل في الطعام، بل كرّمك وعدلك لكي تأكل بصورة سوية ومكرمة. سخر لك هذا الكون كله حتى تستفيد منه، وهذا كله تكريم من الله عز وجل. بل ونفخ فيك من روحه، أي تكريم هذا! وفي النهاية، أجحد هذه النعم وأتصرف كالحيوان؟! الحمد لله الذي عافانا مما ابتلى به كثير من الناس.
في بعض الأحيان، قد نرى تفاعلات سلبية بين الناس، حيث يتبادلون الشتائم والألفاظ الجارحة، فبعض الناس قد يشتمون الآخرين بوصفهم بالحمار أو الكلب أو الخنزير. ولكن من المهم أن نعلم أن هذا لا يجوز. فالإنسان خلقه الله في أحسن صورة، فلا يمكن أن نصفه بهذه الأوصاف التي تخل بكرامته. كما أن المسلم يجب أن يتجنب الفحش في الكلام، وأن يكون محترمًا في تعبيره. فقد قال الله تعالى في سورة الجمعة: {كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا}, ولم يقل: “أنتم حمير”، بل جاء ذلك في صورة تشبيه وليس وصفًا. وكذلك في سورة الأعراف، قال تعالى: {فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ} ، هنا أيضًا تشبيه وليس وصفًا. هذا التشبيه في القرآن كان موجهًا لليهود في وقت معين ولم يكن وصفًا لهم، فكيف يمكن للإنسان أن يصف أحدًا بهذه الأوصاف السلبية؟ وكيف يمكن أن يُطلق مثل هذا على العلماء أو الدعاة الذين هم قدوة للمجتمع؟ هذا غير لائق بأي حال من الأحوال. وفي هذا السياق، قال إبراهيم النخعي رحمه الله: “كانوا يقولون: إذا قال الرجل للرجل: يا حمار، يا كلب، يا خنزير، قال الله له يوم القيامة: أتراني خلقته كلبًا أو حمارًا أو خنزيرًا” وهذا يدل على أن هذه الأوصاف لا تليق بأي إنسان، حتى وإن كان في لحظة غضب أو نزاع. بل يجب أن نتحلى بالحكمة والاحترام في كلامنا مع الآخرين، وأن نحرص على تجنب الألقاب التي قد تسيء للآخرين وتجرح مشاعرهم. ولأن الله عز وجل نهانا عن ذلك في القرآن الكريم كما قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ ۖ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ ۖ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ ۚ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾
الخلاصة ٤: ما واجبنا تجاه هذا الجسد
«وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا »
إن الله عز وجل خلقنا في أحسن صورة وكرمنا بميزات عظيمة تميزنا عن باقي المخلوقات، ويجب أن نحرص على احترام هذا التكريم في كلامنا وأفعالنا. علينا أن نتجنب الإساءة للآخرين بألفاظ جارحة أو ألقاب مهينة، ونحمد الله على نعمه التي منحنا إياها، مؤكدين على ضرورة الحفاظ على كرامتنا وكرامة الآخرين في كل تعاملاتنا.
ختامًا
إن اسم الله “المصور”، لو تأملنا فيه كما يجب، سيجعلنا نقدّر كل شيء في أجسادنا وأنفسنا. سنرى كل جزء فينا كميزة خاصة بنا، لأن الله بعزته وجلاله خلقنا ووضع كل شيء في مكانه بدقة وإحكام. لقد خلقنا بهذا الشكل المميز ليفرقنا عن غيرنا. لذا، يجب أن نحارب ما يمليه علينا المجتمع والنظام الذي نعيش فيه، الذي يسعى لإقناعنا بتغيير خلقتنا لنصبح نسخًا مكررة. دعونا نرفض هذه الفكرة، ونفتخر بكل جزء فينا، لأن كل جزء من خلق الله هو جزء مميز. كل التفاصيل، مهما كانت صغيرة، هي نتيجة لصنع الله الدقيق والجمال البديع. هذا الجزء هو ما اختاره الله لنا خصيصًا، ولن نسمح لأي مخلوق بأن يغيره أو يعدله.
دُعاءْ duʿāʾ
Ya Musawwir (مصوّر), You shaped me in the unseen, gave me form, face, and story. Beautify my character as You've beautified my features. Let what You see within me be more pleasing than what others see outside of me.
يا مصوّر، صوّرتني في الخفاء، ووهبتني الشكل والوجه والقصة. جّمل شخصيتي كما جملت ملامحي. اللهم اجعل ما تراه في قلبي أجمل مما يراه الناس في ظاهري.






















هذا الكون ليس مجرد تراكمٍ للمادة، بل هو معرضٌ إلهيٌّ باذخ، حيثُ تتمايز الوجوه تمايز البصمات، وتأتلفُ الألوان ائتلاف النغم، وما كان ليدركَ هذا المعنى إلا رُوحٌ شفافةٌ تربَّت على مائدةِ الفن، إنَّ وقوفكِ عند التمايز في الوجوه والألسن هو ذروةُ التأمل؛ إذ كيف ليد الله البديعة أن تُصيغ من الطين الواحد ملايين الأنساق التي لا تتشابه؟
لقد صُغتِ مقالاً يفيضُ رُواءً وجلالاً، ومن يكتُب عن الجمالِ بهذا الشغف، لا شكَّ أنه يحملُ في جنباتِه قبساً منه. باركَ اللهُ في هذا الفكرِ الذي رأى في الفراغ لوحةً، وفي العدم بداية التكوين، وفي وجه الإنسانِ أعظم آيات الإتقان.
احسنتي بارك الله فيك
شكرا جزيلا لكِ ان وفقك الله لكتابة هذا الجمال👏🏾