فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا
التَسْلِيمْ ، وكيف تغيرت حياتي بعد ما طبقته
﷽
لطالما كان لدي إشكالية في مفهوم التسليم، بل وفي أغلب المسميات الإيمانية القلبية مثل التقوى وعلاقتها بالإحسان، التوكل وحسن الظن، السعي، الإسلام والإيمان. كنت أرى أنها جميعًا تحمل نفس المعنى باختلاف المسميات، ولكن كلما تعمق الإنسان في الدين فهم أكثر، والله يرشد ويعين من عرف منه صدق التوكل عليه. ومن الأمور التي كنت لا أفهمها أو أفهمها بشكل خاطئ هو مفهوم التسليم، فلم أكن أعرف ماذا يعني. هل هو الانتظار؟ أم الصبر؟ أم السعي؟ هل هو بمعنى التوكل أيضًا، أم كلاهما بنفس المعنى باختلاف المسميات؟ وهل كل مُسلم مُسَلِّم حقًا؟
في هذا المقال، بحول الله وفضله وكرمه، سأحاول أن أوصل مفهوم التسليم من خلال فهمي، وربطه بأشياء واقعية في حياتنا، مع المقارنة ببعض الفلسفات والمناهج المنتشرة في واقعنا والتي يتم الخلط بينها وبين الإسلام، مع لمسة سينمائية، وسنختم بمثال لذيذ، لذلك تابع معي حتى نهاية المقال لتكتشف هذا التشبيه الذي يربط بين مفاهيم التسليم بطريقة ممتعة وواقعية. أسأل المولى أن يوفقنا لنشر الفائدة للجميع، وأن يجعل العمل خالصًا لوجهه الكريم.
فالإسلام هو التسليم، فنحن نردد دائمًا ونعرّف أنفسنا بأننا مسلمين، ولكن هل فهمنا معنى الإسلام حقًا؟ هل نحن مسلّمون جميع أمورنا لله وخاضعون ومنقادون له بدون ريبة أو شك؟ أم نعبد الله بمبدأ المقايضة (دعوت ولم يستجب لي)؟
أولًا، لنبدأ بتعريف ما هو الإسلام: الإسلام لغةً هو الانقياد والخضوع والذل، يقال: أسلم واستسلم، أي: انقاد. ويُفسّر الإيمان بالاستسلام الباطن الذي هو إقرار القلب وعمله، ولا يصدر إلا من المؤمن حقًا. وقد ذكرنا الإيمان هنا لأنهما متصلان ببعضهما البعض ، وسنوضح الفرق بينهما ان شاء الله . الإسلام هو الأعمدة الأساسية التي تُبنى بها دينك، فإذا سقط عمود واحد ينهدم البناء، وكما نعرف أركان الإسلام خمس:
"بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ، وَالحَجِّ"
، لذلك اتفق أغلب العلماء أن الإسلام هو الأعمال الظاهرة والإيمان هو الأعمال القلبية، والإيمان هو الإسلام، والإسلام هو الإيمان عند الإطلاق؛ لأن الإيمان تصديق القلوب وكل ما يتعلق بالإسلام من قول أو عمل، والإسلام كذلك هو الانقياد لله والخضوع له بتوحيده والإخلاص له وطاعة أوامره وترك نواهيه. وأركان الإيمان هي:
أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره.
وقد نرى في واقعنا كثيرًا من يُقال لهم مسلمين كاسم فقط ولكن أعمالهم لا تدل على ذلك، مثل المنافقين الذين يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر، لذلك يكون الإيمان أعلى، فكل مؤمن مسلم ولا عكس، كما قال الله عز وجل: {قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ}. وهنا يوضح الله فضل الأعمال القلبية فهي الوقود والمحرك للجوارح، فإذا صلح القلب صلح الجسد ككل، ويوجد لدينا مثال امرأة لوط عليه السلام، فقد كانت منافقة كافرة بالباطن، ومسلمة في الظاهر مع زوجها، ولهذا عُذِّبت بعذاب قومها، وهذه حال المنافقين الذين كانوا مع النبي ﷺ مستسلمين له في الظاهر وهم في الباطن غير مؤمنين، فهناك فرق بين المؤمنين والمسلمين، فالبيت الذي كان في القرية إسلاميًا ظاهريًا يشمل امرأة لوط التي خانته بالكفر، أما من أخرج منها ونجا فهم المؤمنون حقًا الذين دخل الإيمان في قلوبهم.
فإذا ذُكر الإسلام وحده فإنه يشمل الإيمان وكل الدين الإسلامي ويشمل الإيمان القلبي والعمل به، أما إذا وردا اللفظان معًا في سياق واحد، فالإيمان يراد به الأعمال الباطنة كالاعتقاد بالله وحبه وخوفه ورجائه والإخلاص له، والإسلام يراد به الأعمال الظاهرة التي قد يصحبها الإيمان القلبي، فإذا حققت الاثنين بالعمل الظاهر والباطن تكون على نور من ربك، كما قال تعالى: {أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ}.
في التخلي التجلّي
كما ورد في سياق تزكية النفس، يوجد لدينا مصطلحان وهما التخلية والتحلية. فالتخلية هي تخلية القلب مما يشغله عن ذكر الله من معاصٍ وذنوب وشهوات وهوى النفس، أي التخلص من قبيح الأفعال، وأما التحلية فهي تحلية القلب بذكر الله وأعمال القلوب من التوكل وحسن الظن بالله والتسليم والطاعات، حتى تتجلى علينا رحمات الله ونوره.وذكرت التخلية والتحلية هنا في موضوع التسليم، وذلك لأنه لن نصل إلى مرحلة التسليم ما لم لم نبدأ أولًا بتنظيف أنفسنا من الذنوب والأفكار المعيقة التي قد تشوّه قلبنا وتمنع عنا النور. هذه المرحلة من التنظيف والتطهير هي التي تفتح لنا أبواب الفهم العميق للروحانية، ولهذا كان دائمًا يرتبط لدي مفهوم التزكية بالجانب الصوفي أو مذهب التصوف، إذ كان يركز على تطهير النفس وتزكيتها بما يسمى بالزهد. فالتصوف في معناه الأول هو الزهد، ولكن لعلمي المتواضع تجاه هذا المنهج، وأنا حاليًا أفكر في أن أقرأ بعض الكتب عن هذا المذهب لأنه يثير لدي بعض التساؤلات، وهو أيضا منتشر جدًا في بلادي . وما يعجبني فيه هو التركيز على تزكية النفس وتطهيرها وحب الله، لكنه مع مرور الوقت أصبح يحتوي على كثير من البدع والشركيات والمبالغة في الامتناع عن الدنيا وتحريم ما أحل الله، وأثناء بحثي عن نقطة معينة في هذا المذهب وجدت نفسي أُبحر حتى وصلت إلى جلال الدين الرومي وقصته مع شمس التبريزي، وقد انتابني الفضول حقًا، فقد كنت أرى اقتباسات عنهما من قبل، وكنت أظن أن شمس هي عشيقته، لكني اكتشفت لاحقًا أن العلاقة بينهما كانت علاقة شيخ بتلميذ، فبان جهلي من أول محطة، وبإذن الله سأبدأ في قراءة هذا المذهب وربما في المستقبل القريب، إذا أحيانا الله، أكتب مقالًا خاصًا عن الصوفية وتساؤلاتي حول هذا المذهب، أما هنا فسأتطرق فقط لبعض النقاط المناسبة لموضوعنا في سياق الزهد والتسليم، دون الخوض في تفاصيل واسعة لا أحيط بها علمًا.
ليس الزّهد أن لا تملك شيئاً، ولكنَّ الزّهد ألا يملكك شيء
- الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه .
وهنا إذا أخذنا الزهد المطابق للقرآن والسنة، وهو قلة الرغبة في الدنيا والتركيز على الآخرة، فلو أخذنا تعريف الزهد: فهو ضد الرغبة أو الترك، فالزهد معناه الصحيح هو الإعراض عن جميع المحرمات والشبهات وتركها، أما المباحات فليس المراد أن ينصرف كل همك إلى الدنيا بمعنى أن تملكها، فالمراد هو ذم التعلق بها. ففي سبيلنا إلى التسليم التام لله يجب علينا أن ننظر إلى حياتنا وأنفسنا ونحدد أولوياتنا، نبدأ بالتصفية والتخلية ووضع كل شيء في مقامه الصحيح، نبدأ ننظر إلى الدنيا كماأراها الله لنا (جناح بعوضة)، فطهارة النفس والتخلية هي أساس كل شيء وهي التي تمهدك للتخلص من جميع الأشياء غير المهمة بسهولة، لأن مشقة تطهير النفس مؤلمة لذلك سماه الله بالجهاد، فهذا كان المبدأ الأساسي من التصوف وهو الزهد المعتدل، ولكن تطور الحال إلى أن أصبح الامتناع عن كل شيء حتى المباحات.
ولأشارككم تجربتي الشخصية، عندما كنت صغيرة في فترة المراهقة وما قبلها، في حصص الدين كان فيه بعض المعلمات أسلوبهن يعتمد على الترهيب، سواء في المدرسة أو في حلقات التحفيظ. رغم أنه لم يكن كل التعليم بهذا الشكل، فقد كان هناك معلمات بأسلوبهن الجميل واللطيف، لا زلت أذكرهن إلى الآن. لكن كان التركيز الأساسي على مبدأ الخوف، فكنت أعبد الله بالخوف، حيث كانت كل الأمور تُعتبر حرامًا. فكانت صورتي لله أنه شديد العقاب فقط، فكنت أخاف من المعلمات أكثر من خوفي من الله، وكنت أخشى من نظرتهم لي إذا أخطأت. كنت أعيش شخصية مزدوجة، ففي التحفيظ أو المدرسة كنت أتصرف بطريقة، ولكنني خارجها كنت شخصًا آخر، وأحيانًا كنت أشعر أنني منافقة وأن الله لا يحبني.و ما رسخ في داخلي منذ الصغر كان صعبًا جدًا إزالته، وواجهت صعوبة كبيرة في ذلك، لكن رحمة الله كانت أكبر من كل شيء. والآن، أرى في كل شيء رحمة الله ولطفه. لذلك، أعتقد أن الخطاب الديني يجب أن يكون ملائمًا للفئة العمرية المتنوعة والشخصيات والبيئات المختلفة، مع الحرص على استخدام أسلوب حسن لا يعتمد على الترهيب، والجدال بالحكمة والموعظة الحسنة. الدين لا يمنعنا من العيش بشكل طبيعي ومتزن، بل على العكس، قال الله في كتابه: {وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا}، أي لا تترك أن تطلب رزقك وحقك في الدنيا. فلو أن الله أراد لنا الشقاء والتعب فقط، لما أمرنا بالسعي والعمل وأخذ نصيبنا من الدنيا، بل كان سيغنيّنا عن ذلك. لكنه سبحانه قدّم لنا النعم، وسَخّر لنا كل شيء لخدمتنا، من الأطعمة والثمرات وكل ما ينفعنا. ولكن الفهم الخاطئ هو الذي قد يحرفنا عن الطريق المستقيم، ويمنعنا من أن نعيش حياة متوازنة ومباركة وسعيدة في الدنيا وفي الآخرة باذن الله .
فمَن رَغِبَ عن سُنَّتي فليسَ مِنِّي
جاء ثلاثة رجال إلى بيت النبي وسألوا عن عبادته فأُخبِروا بكَمِّها وكيفها، فرأوها قليلة وقالوا: أين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم وقد غُفِر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر؟ فعزم أحدهم على قيام الليل أبدًا دون انقطاع، والثاني على صيام الدهر وألّا يُفطر، والثالث ألّا يتزوج أبدًا ويعتزل النساء، فلما علم النبي صلى الله عليه وسلم بمقالتهم جاءهم وقال لهم مستنكرًا عليهم: أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، أي مع كوني أكثركم خشية لله وأكثركم تقوى له، ولكنّي مع ذلك لا أُبالغ في العبادة المبالغة التي تُريدون، فإنّي أصوم وأفطر وأتزوج النساء وأقوم وأنام، ثم حذّرهم النبي صلى الله عليه وسلم من الغلو والابتعاد عن سنّته في العبادة، فقال لهم: فمن رغب عن سنتي فليس مني،فالاسلام والدين يعلمانّا أن نُعطي كل ذي حق حقه، قال الرسول صلى الله عليه وسلم “فإنَّ لجسدك عليك حقًّا، وإنَّ لعينيك عليك حقًّا، وإنَّ لزوجك عليك حقًّا”، . وهذا الحديث وغيره من الاحاديث تدعونا للتوازن في كل شيء فلا نتقاعس لدرجة التواكل والكسل، ولا نتشدد لدرجة الحرمان التام من ترويح النفس المباح، لذلك نهى الرسول عن الغلو، وأن في الإسلام فسحة بما لا يخل بثوابت الدين، فلو فهمنا الدين صحيحًا وطبقناه التطبيق الصحيح سنعيش في نعيم ورضا.
لذلك نجد من الصوفية من يمنع نفسه منعًا شديدًا حتى من المباحات فيصيبه اليأس الشديد، يظنون أنهم بذلك سيصلون في النهاية إلى ما يُسمى “درجة الفناء”. ولكن ما هو الفناء؟ في المعجم الصوفي، يُفهم الفناء على أنه هو الغيبة عن الأشياء، وقيل الفناء أي أن الشخص لا يرى شيء في حياته إلا الله وحده، ولا يشعر بشيء سوى الله، وينسى ذاته وكل ما حوله من أمور الدنيا سوى الله، ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله مبينًا المعنى العام للفناء عند الصوفية: هو استغراق القلب في الحق حتى لا يشعر بغيره، وقد قسمهم شيخ الإسلام ابن تيمية وذكر : 1. الفناء المحمود: هو عندما ينسى الشخص كل ما سواه، ويُركز قلبه على الله، فلا يحب إلا الله، ولا يتوكل إلا عليه، ولا يطلب شيئًا من غيره، ولا يعبد سواه. 2. الفناء المذموم: وهذا هو الذي يظن الشخص أنه عندما يُخفي نفسه ويعتقد أن الله والمخلوقين واحد، أي أنه لا يرى فرقًا بين الخالق والمخلوق فلا فرق بين الرب والعبد، فهذا فناء أهل الضلال والإلحاد . ولو تأملنا نجد أن الشيطان يستغل هذه الأفكار ليجعل الإنسان يظن أنه وصل إلى مرحلة عظيمة من العبادة، فيعتقد أنه أصبح إلهًا أو قريبًا من الله بشكل فائق. وهذا ما يدفع البعض إلى التبرك بأشخاص من أتباع التصوف الذين يزعمون أنهم وصلوا إلى مرحلة عالية من العبادة وأنهم أصبحوا “أولياء الله الصالحين”، فكما أخرج الشيطان ابوينا من الجنة عندما وسوس لهما وقال :﴿ مَا نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ ﴾ يريد أن يوصلهم إلى مرحلة الكِبربحيث يظن الإنسان أنه أصبح شيئًا عظيمًا جدًا لدرجة أنه لا يحتاج إلى شكر الله أو حتى التواضع له .
وأيضًا ممارساتهم لطقوس ورقصات تعبدية يزعمون أنها توصلهم إلى الاتحاد مع الله، وهذا ليس صحيحًا، فهناك ما يُعرف برقصة الروح، وهي ممارسة تأملية وجزء من طقوس الذكر تهدف إلى الاقتراب من الله والاتحاد معه، أما هذا المبدأ الذي وصل إليه بعض المتصوفة المبتدعين فيشبه الفلسفات الهندية مثل الهندوسية والبوذية، ففي الفلسفة البوذية لديهم مصطلح يسمى Renunciation بمعنى الزهد أو التخلي، وهي ممارسة تتمثل في التخلي عن الأشياء والتركيز على ما هو أساسي وجوهري وصولًا إلى حالة التنوير والانفصال عن العالم المادي، وهي ما تعرف بالـ Nirvana، مثل مبدأ الفناء في الصوفية، وكلاهما يسعى إلى وحدة الوجود، التي هي باختصار مذهب يقوم على اعتقاد أن الله تعالى جامع لكل شيء في نفسه، حاوي لكل وجود ظاهر بصورة كل موجود، أي أن الله هو كل شيء ويتجلى تجليًا حقيقيًا في كل شيء، مثلًا هو في عالم الحيوان حيوانًا، وفي عالم النبات نباتًا، وفي عالم الجماد جمادًا، تعالى الله عن ذلك ، فهذا الاعتقاد خاطئ، فالله تعالى منزه عن ذلك، فهو سبحانه الأول والآخر والظاهر والباطن ، ومستوي على عرشه استواء يليق بجلاله وعظمته.
(ॐ)

أعلم أننا قد تناولنا العديد من المواضيع والفلسفات المتعددة لربط المعاني ببعضها البعض، لكن في الإسلام، الحالة التي نطمح للوصول إليها هي التسليم التام لله عز وجل. هذا التسليم يتطلب الخضوع التام والتذلل لله سبحانه وتعالى. كلما زادت معرفتك بالله، زاد تعلقك به وقربك منه. يقول الله تعالى في كتابه الكريم: “واسجد واقترب”، فكلما سجدت وتذللت لله، زاد قربك منه وارتفعت روحك في درجات السماء. في المقابل، ما يروج له اليوم هو أن الإنسان هو “الإله الصغير” وأنه يجب أن يعتمد على نفسه ويستغني عن ربه ، فينسى بذلك مولاه ويصبح عبدًا للشهوات والمال والجاه والناس. فإذا سُئل عن مصدر رزقه، قد يقول كما قال قارون “إنما أوتيته على علم عندي”، فيخسف الله به الأرض جزاءً لفعله. أما إذا عرف الإنسان أنه عبد لله وتوجه إليه بهذه المعرفة، فإنه يدرك قيمته الحقيقية. حتى في صلاتنا، نقول في السجود “سبحان ربي الأعلى”، ولكن في كثير من الأحيان لا نتدبر أن موضع السجود هو أقرب ما نكون فيه إلى الله، لأنك في تلك اللحظة تعترف بعجزك وتُدرك قدرك وقدر الله “الأعلى”، فيستجيب الله لك وتتحقق حينها حالة التسليم التام. وكلما سجدت لله بصدق، رفعك الله درجة، فهذا السجود هو مصدر القرب والتسليم لله.. ولأنه يوجد بنا احتياج طبيعي وفراغ يجب أن يُملأ، في قصة آدم عليه السلام، عندما خلقه الله تركه عز وجل ما شاء من الوقت غير المعلوم دون أن ينفخ فيه الروح، فجعل إبليس يدور حوله وينظر إلى ذلك الجسد من جميع جهاته ليعرف ما هو وما حقيقته، فلما رآه «أجوف» أي صاحب جوف، أي خاليًا من الداخل، والجوف هو الفراغ الذي يقبل أن يُشغَل ويُملأ، فلما رآه إبليس بهذه الكيفية، عرف أنه خُلق خلقًا لا يتمالك، أي لا قوة له ولا ثبات، بل يكون متزلزلًا، متغير الحال، متعرضًا للشهوات، وقيل لا يملك نفسه في كفها عن الشهوات، وفي دفع الوسواس والغضب ونحوه، لأن الجوف يقلبه ويذهب به هنا وهناك، والأجوف ضعيف الصبر من حيث إنه لا يثبت ثبوت ما ليس باجوف، ومن حيث إنه مفتقر للغذاء فلا يصبر عنه، فيطمع فيه إبليس بأن يثير شهوة البطن والفرج، وبأن ينفخ في الفراغات فيهيج الغرائز والانفعالات فيغويه، فهذا الجوف الفارغ يمكن أن يُملأ بأي شيء، ولكن ليس كل ما يُملأ به يكون نافعًا، كما أن الجسد قد نشبعه بالطعام لكن قد يكون طعامًا ضارًا فيجلب مع الأيام الأمراض، أما الطعام الصحي فينفعنا على المدى الطويل، كذلك الروح قد تُملأ بأي شيء فتشعر باللذة العابرة، لكنها على المدى البعيد تهلك إذا لم يكن غذاؤها من الله وذكره وقرآنه، فهو شفاء ونور ورحمة وهداية. فالشيطان سيحاول دائمًا الدخول من أي ثغرة، ينتظر لحظة ضعف لكي يبعدنا عن التفريغ الصحيح لهذا الاحتياج. فيجعلنا نتعلق بالمال أو بالناس، إلى أن نصبح مدمنين، ولا نستطيع الاستغناء عن هذه الأشياء. لكن إذا فرغنا هذا الاحتياج في مكانه الصحيح، وهو عند الله جل جلاله، فإننا نصل إلى المعنى الحقيقي للعبودية. كل شيء في هذه الدنيا زائل وفاني، إلا وجه الله الذي يبقى ويظل. لذلك، يجب أن نُفرغ كل شيء إلى الله، فذلك هو التسليم التام بحوله وقوته.
التسليم قد يكمن في لحظة الاسترخاء هذه التي تأتي بعد الصلاة ، دائمًا عندما أنهي صلاتي وخصوصًا صلاة الفجر ، أستلقي بعدها على سجادتي ، تأتي لحظة السكون تلك التي نسميها بـ «نومة الشرشف » والتي تلخص معنى التسليم بالنسبة لي . ففي هذه اللحظة، إذا تأملنا في الصلاة منذ بدايتها، نجد أنك تدخل في حالة مثقلة بكثير من الهموم والأفكار والتفكير في المستقبل وما ينتظرك من تحديات، لكن ما إن تبدأ بالركوع ثم السجود حتى يبدأ كل شيء بالتساقط عنك فتشعر بالخفة وكأن كل هم وعبء قد تلاشى من قلبك . هذا هو التأثير العميق للصلاة إذا أقمناها كما يحب الله عز وجل. لذلك كان الرسول صلى الله عليه وسلم يقول لبلال : “أَرِحْنَا بِهَا يَا بِلَالُ” . هذا الاسترخاء بعد الصلاة كانه حضن مريح مليء بالسكينة والطمأنينة والهدوء، وكانك تقول يارب توكلت عليك وتركت كل شي بيديك ، هذا الموضع هو ما ترتاح وتتوق اليه نفوسنا من كدر هذه الحياة .
Happy Old Year 2019
ฮาวทูทิ้ง..ทิ้งอย่างไรไม่ให้เหลือเธอ
ربما معضلتي الأزلية كانت في ترك الأشياء أو التخلص منها، كنت دائمًا أجد صعوبة في التخلص من فائض الأشياء التي لا أريدها بحكم أني سأحتاجها يومًا وتمر الأيام والسنوات ولا أحتاجها سواء كانت ملابس، كتب، هدايا، صور، وحتى الأشخاص، ربما كنت متمسكة بالأشخاص لأشعر بقيمتي وكأنني إذا تخليت عنهم كأنني تخليت عن نفسي أو جزء من نفسي، وكأنني أريد أن أحفظ هويتي في ذاكرتهم، لذلك أعتقد أنه من المهم عندما نقابل أناس جدد ألا ننفعل أو نضعهم مباشرة في خانة الأصدقاء أو الأحباب، الخانات التي عندما تُترك قد تولّد فراغًا كبيرًا وألمًا موجعًا، بل يجب علي أدرس الشخص جيدًا وأراه في المواقف وبعدها أضعه في الخانة المناسبة بحيث إذا حصل فراق او أي شيء أو أسوأ الظروف يكون التعافي سهلًا والفراغ أو الفجوة صغيرة، لذلك يجب علينا أن نُغربل أو نبدأ بعملية التنظيف والتي قد تكون من أشق الأمور على النفس، أي التخلص من الذكريات والعواطف والمشاعر المصاحبة لها، دائمًا تراكم الأشياء يجعل التخلص منها صعبًا. أذكر مرة شاهدت فيلم يلخص هذا الشعور برمته، في هذا الفيلم تهدف الفتاة لبدء التخلي عن الأشياء التي لا تحتاجها لأنها تريد أن تجعل البيت بطابع التقليلية "Minimalism" وهي عبارة عن فلسفة بوذية فلسفة حياة وتصميم تعتمد على تقليل العناصر إلى الحد الأدنى، والتركيز على الأشياء الضرورية والهامة فقط وهو مثل مبدأ التخلي الذي ذكرناه Renunciation، وهذا اعتقد موضوع آخر يحتاج إلى تفصيل أكثر، وهو أن جعلوا هذا النهج طريقًا آخر للاستغلال البشري بهدف نحن ندعوك للتقليل، في حين أنك ستدفع دم قلبك فقط لتتحصل على نظام "مينيماليزم" موافق للصورة النمطية المعتادة، لكن اللافت للنظر هو أنها تبدو جميعًا متشابهة بدرجة أو بأخرى، وكأنها تعرض نسخًا مكررة لتصاميم يغلب عليها اللون الأبيض، وعناصر الطبيعة، وملابس متشابهة بألوان محايدة، وكأن المينيماليزم تحوَّل من اتجاه لتحسين الحياة إلى سلعة جديدة وفخ جديد يدفعنا نحو الاستهلاك.
بل وحتى إذا رجعنا لعهد النبي صلى الله عليه وسلم إنَّما كان فِرَاشُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ الذي يَنامُ عليهِ من أَدَمٍ حَشْوُهُ لِيفٌ. والأَدَمُ: الجِلدُ المدبوغُ، "حَشْوُه لِيفٌ"، أي: يُحشَى بداخلِ هذا الجِلدِ اللِّيفُ الَّذي يكونُ مِن قِشرِ النَّخيل، وهنا قد يقول البعض إن زمن الرسول لم يكن فيه هذا الترف والبيوت أغلبها من طين وسعف النخيل فهم مضطرون أصلًا للزهد واتخاذ هذه البيوت، وهذا غير صحيح، فقد خيَّر الله النبي بين أن يكون ملكًا نبيًا وان يُؤْتِيَهُ مِن زَهْرَةِ الدُّنْيا اي نَعِيمُها وزِينَتُها ما شاءَ أو عبدًا نبيًا، فاختار أن يكون عبدًا نبيًا، ومن الصحابة من كان غنيًا مثل عثمان بن عفان رضي الله عنه، كان من أغنى الأغنياء ومع ذلك كان من أكثرهم إنفاقًا، يقول ابن كثير رحمه الله: “وقد كان عثمان رضي الله عنه كريم الأخلاق ذا حياء كثير وكرم غزير، يؤثر أهله وأقاربه في الله، تأليفًا لقلوبهم من متاع الدنيا الفاني لعلَّه يرغِّبهم في إيثار ما يبقى على ما يفنى “. فقد كانوا ينفقون ويتصدقون تصدق من لا يخشى الفقر، وغيرهم الذين كانت الدنيا في أيديهم لا في قلوبهم، وفي ظاهرهم لا في باطنهم. فهنا الزهد لا ينافي الغنى، بل زهد الغني أكمل من زهد الفقير، لأن الغني زهد عن قدرة، والفقير عن عجز، فهنا يكمن الاختبار، لأنه قد تكون مضطرًا لكي تزهد لأنه ليس لديك مال، وليس حبًا في الزهد. لذلك دائمًا يقولون لك لكي تعرف شخصًا ما أو معدنه، انظر إلى حاله إذا رزقه الله بمال أو منصب أو مكانة مرموقة، هل سيظل كما هو أم سيتكبر على الناس.. عذرًا يا رفاق، لعلي تحمست مرة أخرى وأطلت عليكم. والآن نعود إلى الفيلم، لنواصل الحديث عن تجربة الفتاة مع التخلي عن الأشياء التي لا تحتاجها وكيف يمكن أن نتعلم منها في حياتنا اليومية، فقد كانت تظن تظن أن العملية ستكون سهلة، ولكن كل قطعة وكل شيء يذكرها بشعور معين وذكرى معينة، وقد عاشت كل المشاعر من حزن وغضب وندم، بل ستعيش أنت أيضًا معها كل شعور، لأننا جميعًا نمر بفترة كهذه أو حصل وعشنا فترة كهذه في حياتنا، لا أريد أن أحرق عليك الفيلم ولكن شاهده واسأل نفسك هل لو كنت مكانها ستكمل في هذا القرار أم ستتراجع؟ أترك لك هذا التساؤل لتجيب عن نفسك إذ لكل شخص تساؤلاته ورأيه، فكر كيف ستتعامل مع الأشياء التي تتعلق بها، وما الذكريات التي تريد الاحتفاظ بها أو التخلي عنها…

حدث أن مررت بهذه الحالة مرة في أن أذهب وأتخلص من جميع الأشياء التي لا أريدها وأبدأ بالتنظيف العميق، فذهبت وأحضرت كيس القمامة أعزكم الله، وبدأت، وأنا من النوع الذي يحب التمسك بالأشياء خصوصًا القديمة أو التي كانت معي من فترة طويلة، مثل الرسائل الورقية والأكواب والدفاتر وغيرها، حتى إن مصحفي الذي أقرأ فيه منذ الصف الخامس الابتدائي لا أستطيع أن أحفظ بمصحف غيره مع أنه قد تشقق كثيرًا والغلاف الأمامي غير موجود، لكن لا أستطيع التخلي عنه، وهذا كان شعوري تجاه أغراضي وملابسي بالذات، فقررت أن أتبرع بملابسي الفائضة التي ما زالت بحالة جيدة للملابس المستعملة ، بعد أن غسلتها، وهممت أن أضعها في الكيس ،أتاني شعور أنني لا أريد أن أكمل، إذ كل قطعة تذكرني بشيء معين، وهناك ملابس تذكرك بأماكن معينة رغم أنك لا تحتاجها، فقوّيت نفسي ووضعت أغلب الملابس في الكيس دون تردد، وما قوّاني فعليًا أنني عزمت النية أن تكون صدقة خالصة لوجه الله، فبهذا يكون الوضع أفضل من أن تُرمى، أي أن قطعتك تكون لشخص آخر في أمسّ الحاجة لها، وهذا ما يذكرنا الله به في القرآن في قوله تعالى: "لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون"، فبالرغم من أنه ثقيل على النفس إلا أن الله يذكرنا بأجره العظيم، وأن هناك أناسًا محتاجين أكثر منك وأنت سبب بعد الله عز وجل في إطعامهم وكسوتهم، فلذلك ذكرت أن تخلية النفس من عبادة الماديات والتعلق بالله يجعل التخلي عن الأشياء أسهل وأيسر، سواء كان ذلك في الإنفاق أو حتى في الشكر ومساعدة الناس بدون مقابل، ويندرج تحت هذا الباب الكثير من الأمور، اي شي تحبه انفق منه ، من العلم، من الصحة ، من الوقت، وليس المال فقط ،لذلك ارتبطتُ بالفيلم لأنه كان يعكس وضعي آنذاك إذ مررت بنفس المشاعر والذكريات ولم أكن متوقعة أن التخلص من الذكريات مؤلم ،فقد وجدت رسالة لصديقتي المقربة من أيام المدرسة في المرحلة المتوسطة أثناء محاولتي في التخلص من الأشياء، وكانت هذه الرسالة كفيلة باسترجاع ذكريات المدرسة، فسحة الفطور، مكاننا المخصص للجلوس، وصوت الجرس. وأنا أرغب بالبكاء الآن.

ومع كل ما قمت به، لم أتخلص من كل شيء طبعًا. احتفظت برسائلي الورقية وأشياء لأناس فقدتهم وأغراضهم هي الشيء الوحيد الذي يذكرني بهم،وبالرغم من محاولاتي للتخفيف، هناك دائمًا ما أود الاحتفاظ به،لذا أنا لست مع مبدأ التخلص من كل شيء لأن في جانب مني مليء بالذكريات أحب أن أحافظ عليه،وجميعنا لدينا أشياء نحب الاحتفاظ بها، صور تذكارية صغيرة على قلادة، أو ذكرى مختبئة في محفظة النقود، أو جراب الجوال الذي يحوي لمسات يومياتنا، هذه الذكريات الصغيرة هي جزء من هويتنا وتعيد لنا لحظات من الماضي وترافقنا في حاضرنا ، لذلك فإن التخلص من ألم الذكريات متعب جدًا في البداية، ولكن خطوة تلو الأخرى يبقى الأمر أخف وأيسر، ويمكنك أن ترتب الأشياء، أن تتخلص منها بطريقة تنفع الآخرين، وتكون بذلك قللت من الشعور الذي يصاحبك أنك قد تخلصت من شيء ثمين أو غالٍ عليك، ولكن حين تعي أنه بحوزة شخص آخر ربما يجدد ذكرى جميلة في حياة شخص آخر، وتكون بذلك جددت العهد مثل العِقد الذي يتوارثونه في القصص والأساطير من ملكة إلى أخرى يجددون به الحب كل مرة، ولنا في هذا الدين قصة رائعة لرسولنا الكريم في حفظ ذكرى أحب زوجاته إليه خديجة رضي الله عنها، لقد أهدت السيدة خديجة بنت خويلد رضي الله عنها قبل أن تتوفى لبنتها زينب رضي الله عنها أحب عقد لديها لتحتفظ به، هذا العقد كانت تلبسه زينب ولا يفارقها أبدًا، وعندما أُسر زوجها أبي العاص لم يكن لديها سوى هذا العقد الثمين، فأرسلت العقد مع شقيق أبي العاص ليذهب به إلى المدينة ويُطلق سراح أبي العاص، وبعدها بيومين كان النبي صلى الله عليه وسلم جالسًا يتلقى الفدية ويطلق الأسرى، وفجأة رأى عقدًا كان مألوفًا جدًا لديه، كان هذا عقد حبيبته وزوجته وأحب الناس إلى قلبه، السيدة خديجة رضي الله عنها، فحن قلبه وأخذت العبرة تخترق صدره الطاهر فسأل: هذا فداء من؟، قالوا: هذا فداء أبو العاص بن الربيع، فبكى النبي بشدة وقال: هذا عقد خديجة، لأنه بهذا العقد وجد ابنته بهذه القلادة تذكره بالحب الذي كان بينه وبين خديجة، ، كان الموقف مؤثرًا، ثم نهض وقال أيها الناس، إن هذا الرجل ما ذممناه صهرًا، فهل فككتوا أسره؟ وهل قبلتم أن ترُدوا إليه عقدها؟، فقالوا نعم يا رسول الله. فأعطاه رسول الله العقد وقال له: قل لزينب لا تُفرطي في هذا العقد أبدًا، قصة السيدة زينب رضي الله عنها وزوجها أبو العاص من أجمل قصص الحب التي قرأتها، أنصحكم أن تقرأوها، لأنه لو كتبتها هنا قد لا ينتهي هذا المقال. ومن هذه القصة يتضح لنا أن بعض الذكريات والأشياء تظل محفورة في قلوبنا، لا يمكننا التفريط فيها بسهولة،فهي تحمل معنا اللحظات التي شكلت جزءًا من هويتنا وروحنا.
بعد هذا التنظيف العميق تصبح تبصر الأشياء وتسمح للنور والتجليات أن تظهر في حياتك، فكثيرًا ما نكون عالقين في أوج فوضانا الداخلية لدرجة أنها قد تعمينا عن أنفسنا وعن قدراتنا وجمالنا الداخلي، نكون غرقى في هذه الفوضى ولا نستطيع الخروج منها لأننا نعرف أن الطريق صعب وطويل، لكن يجب علينا فعله وإلا سنموت في بحر الغفلة والنسيان والحزن، ما إن نعزم قرار الخروج حتى نرى أشياء كثيرة كنا متجاهليها عن أنفسنا، هذا هو نور الله، نور البصيرة والإيمان، نرى كل شيء بوضوح حتى لو تراكم شيء من جديد أو ازدحم المكان مرة أخرى، يصبح الترتيب سهلًا وسريعًا لأنك أصلحت الأساس والعمق، وأيضًا هذا النور يجعلك تبصر نفسك وتعرف مواطن قوتك ومواطن ضعفك، إذ أصبح كل شيء واضحًا الآن فتعرف كيف تستثمر نقاط قوتك وتقوي نقاط ضعفك، والقرآن ضرب لنا مثالًا في ذلك على لسان يوسف عليه السلام حين قال للملك "اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم"، فهو وعي بقدراته التي جاءت ، بعد رحلة طويلة من الابتلاء والمعاناة، .يوسف- عليه السلام- إنما قال ما قال للملك، وطلب ما طلب منه، لأنه علم أن هذا المنصب لا يصلح له أحد سواه في ذلك الوقت وفي تلك الظروف، فهو يريد من ورائه خدمة الأمة لا لأجل منفعة شخصية لنفسه ...
.وما قاله إنما هو من باب التحدث بنعمة الله-تبارك وتعالى- الذي أعطاه هذه الصفات الكريمة، والمناقب العالية
حلاوَةَ الإيمانِ
بعد هذا الجهد في تنظيف النفس وترتيب القلب وتخفيف الأثقال، يحتاج الإنسان أن يمنح نفسه لحظة من الحلاوة، كجائزة صغيرة على ما بذله من صبر وعمل. لحظة تلتقط فيها النفس راحة وسعادة، وتستشعر طعم الخير والسكينة التي تعقبت الجهد. وهنا تأتي التحلية، ليست مجرد طعم، بل رمز لحلاوة الإيمان التي تذوقها القلوب بعد التصفية والتزكية .
قال أحد السلف: "مساكين أهل الدنيا خرجوا منها وما ذاقوا أطيب ما فيها، قيل وما أطيب ما فيها؟ قال محبه الله تعالى ومعرفته وذكره والأنس به؟ وقال آخر: "أنه لتمر بالقلب أوقات يرقص فيها طربًا، حتى أقول إن كان أهل الجنة في مثل هذا إنهم لفي عيش طيب".
كعادتي،أحب أن أربط بين مختلف الأشياء، وذلك نتيجة كوني كثيرة التأمل فيما حولي، ويمكننا تعلم أشياء كثيرة من الحياة ومن التأمل في خلق الله، وهو عبادة في حد ذاته، ومن مثال الكيك والخَبز هنا سنرى كيف يتجسد مفهوم التسليم في حياتنا ، ويكون ملخص لجميع ما ذكرناه من البداية ..
كهاوية للطبخ، في فترة كورونا، كانت تلك السنة بالنسبة لي سنة التحول وأعتقد أنها كانت كذلك للجميع، إذ إن كل شخص أُجبر على الجلوس بمفرده ومواجهة نفسه، فكانت بدايتي في كتابة اليوميات وتعلم الخَبز والعجن والقراءة وغيرها من النشاطات ، وخلال فترة الحجر ازدادت رغبتي في تعلم الطبخ وتجربة وصفات عدة من دول مختلفة، لكن تركيزي الأكبر كان على المعجنات والخبز، فقد كنت أواجه صعوبة في صنع كيكة مثالية أو عجينة هشة، وبما أن الأيام كانت حجرًا ولا نخرج من البيت، قلت لنفسي هذه فترة مناسبة لتعلم شيء جديد، فكنت أستيقظ من الصباح الباكر وأبدأ في خبز الأشياء، وربما كانت تلك الأيام المفضلة لعائلتي لأنني كنت أدللهم يوميًا بفطور جميل ورائحة الخبز تفوح من الصباح في أرجاء البيت، وبعد محاولات عديدة ، الحمد لله ، أصبحت ماهرة في عجن الخبز بيدي، وزيادة على تعلم الخبز أصبح الأمر متنفسًا للأفكار السلبية، فكما هناك علاج بالفن والألوان والرسم، يوجد أيضًا علاج بالطبخ والخبز، وحتى طريقة العجن نفسها تحتاج قليلاً من الضرب والعنف لتتماسك مادة الغلوتين ، فكل ما عليك فعله هو أن تتخيلي وجه من أساء إليك مثلًا في العجينة وتبدأي بالضرب، لا أُحرض على العنف هنا، مجرد طريقة مرحة لتفريغ الطاقة . وحتى لمن يعانون من التفكير المفرط فقد ساعدني العجن من جوانب عدة، وهذه جمالية الأشياء المحسوسة باليد، ففي زمن بات فيه كل شيء رقميًا لم يعد هناك إحساس مباشر بالأشياء، حتى النقود لم نعد نشعر بملمسها ولا بحسابها، أو العجن حتى،وأشياء أخرى كثيرة . فباستخدام الآلة مثلًا لن تشعري بتكوّن مادة الغلوتين (وهي مادة بروتينية تتشكل عند خلط دقيق القمح أو الحبوب المشابهة بالماء) والتي هي عامل أساسي في جعل العجينة طرية ومتجانسة، وتجعل العجين قابلاً للانتفاخ والاحتفاظ بشكله . بينما بيديك ستشعرين بكل مرحلة، من رؤية انتفاخ العجين وتكويره إلى ملمس المكونات وطراوتها، هذا اللمس يجعلني حاضرة بكل شعور مرتبط بالمكونات وكأنني ألمس كل لحظة وأستشعر كل إحساس، ففي عالم أصبح كل شيء فيه ماديًا ويميل الإنسان للاستغناء عن يده واستبدالها بالآلات، أستحضر هنا اقتباسًا من كتاب الفيلسوف الكوري بيونغ تشول هان،:
أنا لا أنكر أن آلة العجن وغيرها من أجهزة الطبخ الحديثة قد ساعدتني كثيرًا، فهي اليوم مهمة ومفيدة جدًا، خصوصًا لمن يعانون ضيق الوقت، وأستخدمها حين لا يتوفر لدي وقت. لكن الاعتماد المفرط على هذه الأجهزة يقلل من التفاعل المحسوس مع المكونات، ودائمًا أشعر أنه إذا استخدمت الآلة وحدها، فلا يُحسب أنني طبخت حقًا، لأنني لم أبذل جهدًا فيها. بينما عندما أعجن العجين بيدي، أقدر قيمة تعبي وأستمتع بطعمه بسعادة ورضا.
قد يبدو الأمر وكأننا في حصة تدبير منزلي، لكنني لا أقصد وصف خطوات الطبخ بقدر ما أريد أن أسقط من خلالها معنى أعمق.فبعد أن قمنا بالتنظيف العميق وأفرغنا ما بداخلنا من فوضى،كما ذكرنا، بعد كل هذا التعب والجهد، لا شك أننا نحتاج لمكافأة أنفسنا بشيء لذيذ.، وهنا تأتي دور التحلية. الآن بعد ما عرفنا طريقة الخبز، أنت الآن الخباز، صانع الكيك، تعرف كيفية صنعه والمكونات الأساسية لنجاحه وما قد يؤدي لعدم نجاحه .وعندما نتأمل المقادير أو المكونات، يمكن تشبيهها بالمشاعر: مشاعر الإنسان المختلفة من حزن وضيق وفرح وشغف وغيرها، كل واحدة منها تحتاج أن توضع بكمية معينة، فإن زادت عن حدها سببت مشكلات أو فقدان في التوازن . طيب، كيف نعرف أن هذه المشاعر متوازنة؟ يكون ذلك بالتزكية والتطهير.، فكما ذكرنا لدينا التخلية والتحلية، فالتخلية هي أن نخلي القلب من أمراضه مثل الحسد والحقد والغل، ثم نحليه بالتوكل واليقين وحسن الظن بالله، وفي هذا المثال، إذا أردنا توضيح الأمر، قبل وضع الدقيق، نقوم بتصفيته باستخدام المصفاة للتأكد من خلوّه من أي تكتلات أو عوائق.، ثم تأتي التحلية، وهي السكر والنكهات التي تمنح الكيكة طعمها المميز، أما العجن باليد فهو قلب التجربة الشعورية، أن تعطي كل شعور حقه ووقته دون تجاوز، وفي هذه التجربة حين أعجن أستحضر كل شعور وأعطيه حقه ووقته وأنا مُسلّم لله بالتسليم التام. وبعد ذلك يأتي الاختبار كما في قوله تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾، كيف ستعرف أنك مؤمن بحق إذا لم تُختبر؟ كثير من الناس نسمعهم يتحدثون عن تزكية النفس وقوة الإيمان، وربما أنا واحدة منهم، فهناك تجارب لم أخضها بعد ولا أعلم كيف سأتصرف فيها. قد نظن أننا حسّنّا أنفسنا وعرفناها وقوّيناها، ولكن عند مواجهة موقف أو امتحان حقيقي، يظهر ما استوعبناه فعلاً. هنا ستُختبر تزكية نفسك وطهارتها حين يمتحنك الله بصبرك وتحملك. الامتحان الحقيقي يكمن في حرارة الفرن؛ أي الصعاب والمشاكل التي تواجهنا في الحياة. ستعرف أنك رتّبت نفسك جيدًا عندما تنضج الكيكة وتنتفخ. نعم، الحرارة مؤلمة أحيانًا، لكنها ما صقلك وجعلك تصل إلى النضج والوعي والاتزان. وهذه هي حرارة الفرن التي يمتحننا الله بها لنرى صدقنا. كما أن الكيك يحتاج إلى الوقت ودرجة الحرارة المناسبة للنضج، كذلك نحن نحتاج لصبر وتقدير في مواجهة الابتلاءات. وقد يظن البعض أن الابتلاء عقوبة أو ظلم، لكنه في الحقيقة رحمة، وصقل، وتعليم، ونضج في الحياة. وأنت الخباز، تحدد الوقت ودرجة الحرارة المناسبة لخبزك، ولله المثل الأعلى، فهو سبحانه يحدد لكل إنسان درجة تحمل تناسبه، لأنه خالقنا الأعلم بما ينفعنا وما يضرنا. وكذلك في الأرزاق، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ﴾، أي يوسع ويضيّق بحكمة لكل عبد بما هو أصلح له.
كذلك في الخبز والعجن، كل طبق يحتاج إلى درجة حرارة معينة وتحديد جهة الحرارة، هل هي من الأعلى أم من الأسفل أم من كلاهما؟ وهذا هو الاختبار الذي يكون لمختلف الناس على حسب درجة تحمّلهم وإيمانهم. ففي وقت النضج، هنا يأتي دور التسليم، كما ذكرتُ أن الخباز يحدد وقتًا معينًا حسب الطبق المعد للخبز، وهو يعلم أنه في هذا الوقت سيكون جاهزًا. فدور التسليم هنا ليس الوقوف والانتظار وتضييع الوقت في مراقبة الطبق حتى ينضج، بل اذهب واشتغل بما ينفعك واغتنم وقتك في أشياء أخرى. ولربما لاحظت دائمًا عندما تكون منتظرًا شيئًا ما وتراقبه لا يحدث ما تنتظره، حتى الكيك يأخذ وقتًا طويلاً تمامًا مثل القهوة عندما تحضرها وتكون ماسكًا الإبريق، ما إن تلتفت حتى تغلي وتنسكب. وتذكرت موقفًا مضحكًا من الطفولة حينما نريد أن نلعب في البلاي ستيشن، فإذا أدخلنا الشريط ولم يشتغل وجربناه مرات عديدة وفي آخر محاولة نغلق أعيننا ونردد بصوت خافت "يارب يشتغل يارب يشتغل"، والمفارقة أنه يشتغل دائمًا بعد أن نغمض أعيننا، كنت أتساءل لماذا؟ كل شيء في الدنيا يسير بنفس الوتيرة، ما إن تصرف انتباهك أو تفقد الرغبة في شيء يأتيك.
في الحديث: من كانت الدنيا همه فرّق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له، ومن كانت الآخرة نيته جمع الله له أمره وجعل غناه في قلبه وأتته الدنيا وهي راغمة.
وهذه هي الحكمة من كل شيء. لأن انبساط الدنيا واقبالها على من خدمها ورغب فيها يكون عقوبة من الله لخادم الدنيا؛ إذ كل شيء في الكون خلق لنا ونحن خُلقنا لربنا، فإذا ثبتنا هذا المعنى في حياتنا أتتنا الدنيا وهي راغمة، لذلك يجب أن نكون متيقنين داخليًا أنها ستنضج في وقت معين، ولكن ماذا لو استعجلنا وفتحنا الفرن قبل أوانه؟ ستهبط الكيكة لأن التغير المفاجئ في درجة الحرارة وضغط الهواء يعرض الكيك للصدمة، ، فبسبب استعجالنا نُخرب على أنفسنا. وهنا يكمن التسليم، الاطمئنان أن كل شيء سيكون على ما يرام وأن كل شيء بيد الله لأنه خالقنا ويعلم في أي وقت سنضج، وبالتالي ربنا برحمته لن يتركك في حيرة من أمرك بل سيبعث في قلبك راحة وطُمأنينة متمثلة في رائحة الكيك الجميلة المنتشرة في أرجاء البيت لتثبت الأمل واليقين في صدرك، ورائحة الكيكة هي الإحساس الذي يأتِيك من الله الذي يقول لك: “الله معك، ما ناسيك “ ، وهذا بدوره يبعث شعور الطمأنينة والرضا في نفس المؤمن. في قوله تعالى عن يعقوب عليه السلام: «إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ» نرى بلاغة القرآن في اختيار لفظ "أجد" فهو أعم من "أشمّ": "أجد" تشمل الإحساس بكل الحواس بل وحتى الإحساس القلبي والروحي، بينما "أشمّ" خاص بالشم فقط. فَيَعقوب عليه السلام لم يقصد مجرد إدراك رائحة يوسف بل شعورًا كاملاً بوجوده وقربه، وهذا إحساس أعمق من مجرد شمّ. وبهذا نرى أن اليقين يكون كاليقين الذي عاشه يعقوب، أن تكون موقنًا بالإجابة . فلن يشم ريح يوسف إلا من ذاق قلبه طعم الفراق وطعم الأمل في الله عز وجل . أحيانًا تكون استجابة الدعاء هي السكينة نفسها، في تخفيف وطأة الألم، وفي بعض الأحيان يصل بك المقام إلى مقام تُحب فيه الدعاء لمجرد الأنس بالله وبالعبادة لا لطلب شيء، هنا تصل لحلاوة الايمان« أنْ يكونَ اللهُ ورسولُهُ أحبَّ إليه مِمَّا سِواهُما» . وأسأل الله أن يبلغنا هذا المقام.
وقال بعض الشيوخ: إنه ليكون لي إلى الله حاجة فأدعوه فيفتح لي من لذيذ معرفته وحلاوة مناجاته ما لا أحب معه أن يعجل قضاء حاجتي خشية أن تنصرف نفسي عن ذلك؛ لأن النفس لا تريد إلا حظها فإذا قضي انصرفت.
فكل ما عليك فعله يا صاحبي هو أن تحسن الظن بالله، وأن تؤمن أن الله معك ولن يخذلك، فالله عند حسن ظن عبده به .وهنا أستحضر قصة مريم عليها السلام، حينما كانت في أشد المحنة والتعب، وقالت: "يا ليتني مت قبل هذا". كم مرة رددنا عبارات مشابهة من اليأس والجزع والقنوط؟ لكن ماذا قال الله لها؟ قال لها: "فكلي واشربي وقرّي عينا"، لأن الله يعلم وأنتم لا تعلمون. فهو متكفل بها ويعلم أنه سينصرها ولن يتركها وحيدة.
لو أنكم تتوكلون على الله حقَّ توكُّله ؛ لرزقكم كما يرزق الطيرَ : تغدوا خماصًا وتروح بطانًا .
فالتسليم لا يتحقق من أول مرة، بل هو رحلة من التجربة والسقوط والنهوض، من الدموع واليأس ثم العودة من جديد، حتى يرسخ الإيمان ويثبت القلب.، لذلك الله قال في الحديث القدسي « وما يزالُ عبدي يتقرَّبُ إليَّ بالنَّوافلِ حتَّى أحبَّهُ »، وما يزال اي : ما زال يحاول ويجاهد ويخطئ ويتوب حتى أُحبه ، « فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها. ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه »، وهنا يحدث التجلي باذن الله . أي شي تريده وترغب فيه يمنحه الله لك بحوله وقوته، لأنه أحبك، ولك أن تتخيل أن الله بعظمته وكبرياءه وجبروته ، يحبك ،هذا والله شرف وكرم عظيم. اللهم إنا نسألك حبك .
قد اطمأنَّ قلبُه بالله، وسكنت نفسُه إلى الله، وخلصت محبَّتُه لله، وقَصَرَ خوفه على الله، وجعل رجاءه كلَّه لله، فإن سَمِعَ سَمِعَ بالله، وإن أبْصَر أبْصَر بالله، وإن بطش بطش بالله، وإن مشى مشى بالله، فبه يسمع، وبه يبصر، وبه يبطش، وبه يمشي، فإذا أحبَّ أحبَّ لله، وإذا أبغض أبغض لله، وإذا أعطى فلله، وإذا منع فلله.
تمنيت لو كانت هناك خاصية تسمح بإرسال الطعام عن بُعد، لكنت أول من قدّم لكم لتتذوقوا المذاق، ولمن يريد أن يعرف كيف نجحت في إعداد الكوكيز بعد محاولات عدة وما هو سر طراوته، يمكنه أن يضيفني في مدونتي الثانية سر طراوة الكوكيز المختصة بالطبخ، والحقيقة أنني أنشأت هذه الصفحة للتقليل من صوري الموجودة على هاتفي، فكل طبق كنت أعدّه ألتقط له مئات الصور، فقلت: لما لا أتخلص منها بطريقة لا تشعرني بتأنيب الضمير وتفيدني وتفيد الناس إذا احتجت إلى وصفة ما وأيضًا يُعتبر ذلك تمرينًا مطابقًا لما تعلمناه في هذا المقال من التخلية والتخفف من التعلق بالأشياء .
ختامًا
"كُنْ في الدُّنيا كأنَّك غريبٌ أو كعابرِ سبيلٍ"
قال النبي صلى الله عليه وسلم: "كُنْ في الدُّنيا كأنَّك غريبٌ أو كعابرِ سبيلٍ"، وكان ابنُ عمرَ رضي الله عنه يقول: "إذا أصبحتَ فلا تنتظرِ المساءَ، وإذا أمسيتَ فلا تنتظرِ الصباحَ، وخذْ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك"، هذا الحديث يختصر كل شيء، أن تعيش يومك وتُسلم أمرك كله لله، دون التعلق بأي شيء يجعل قلبك أسيرًا لذكريات أو مواقف مضت، كأنك عابر سبيل في هذه الدنيا، متنقّل بين أيامها بطمأنينة، متحرّرًا من أي تثبيت يعيق حركتك.
لستُ أتحدث وكأنني تجاوزت هذه المرحلة، بل ما زلت أعيشها وأتخبط بين مشاعر متضاربة، وهذا هو الامتحان لو جئنا للحق. دعوني أوضح لكم الفكرة بمثال بسيط، هل مرّ عليكم ذلك "الميم" أو الرياكشن المضحك لشخص يحتسي الشاي وخلفه بركان وحرائق؟ هذا بالضبط وضعي حاليًا. لكن مع التسليم، أستطيع أن أستمتع بفنجان الشاي بهدوء، وأنا على يقين أن الله معي، وأن تلك الحرائق مهما اشتعلت فمصيرها أن تنطفئ، ولو طال بها الوقت.، فهذا طبيعي أن تكون متخبطًا، وتفكيرك مليء بالهم والضغط النفسي، فهذا جزء من كبد الحياة الطبيعي، لكن لك الاختيار أن تسلم أمرك لله أم لا. كنت في السابق أجزع وأتوتر ويغمرني التفكير طوال اليوم، أما الآن، وبعد ما مررت به من تجارب، تعلمت أن أبذل وسعي فيما أستطيع، فإن لم أوفَّق أسلّم الأمر لله تمامًا دون سخط، ومع ذلك يظل في قلبي يقين راسخ بأن كل شيء سيأتي في وقته المناسب، وأي فكرة مقلقة تلاحقني أحوّلها تلقائيًا إلى دعاء، فتتسلل السكينة إلى داخلي. ، فبعد أن تمرن نفسك على التسليم والدعاء المستمر، أي شيء يصيبك ستردّد: "الخِيرة فيما اختاره الله"، ولن تشيل الهم كما في السابق، ولن تُسحب إلى الدوامة التي قد تجرك إلى أسفل سافلين .. فأنا أحمدُ الله عز وجل أنه ثبّتني وقوّى قلبي، وغرس في داخلي شعورًا أن كل شيء بيده، وهذه رحمة عظيمة أن يعلّمنا الله النظر للأمور من هذه الزاوية، مع الأخذ بالأسباب طبعًا. ودائمًا عندما أشم رائحة التوتر أو يغمرني التفكير المفرط في شيء ما، أتذكر النبي صلى الله عليه وسلم حين انقطع عنه الوحي فأصبح حزينًا مشتاقًا لكلام ربه، وظن أن الله لا يريده، فأنزل الله سورة الضحى، وعندما قال الله له :{ما ودعك ربك وما قلى} أي ما تركك وما أبغضك، ويذكّره بأن الآخرة خير له من الدنيا، مذكرًا إياه على الزهد والتسليم، وكان الجواب: {ولسوف يعطيك ربك فترضى}، فمع التسليم التام تأتي الإجابة مباشرة. ثم يذكره الله بأنه وجده يتيمًا فآواه، وضالًا فهداه، وفقيرًا فأغناه، وختم بقوله: {وأما بنعمة ربك فحدّث} أي اشكر نعم الله وتحدّث بها كي لا تنساها. هذه السورة كانت مواساة للنبي عليه أفضل الصلاة والسلام، وهي مواساة لي وآمل أن تكون لكم أيضًاا. كلما ضاقت بي الأيام أجد نفسي أرددها وأكررها حتى أشعر بالسلام والطمأنينة، أحبها جدًا، فهي تبعث في النفس يقينًا أن الله معك دائمًا ومطلع عليك، ولن يخيبك أبدًا.





























🤍🤍🤍
رائع جدا جدا ما شاء الله