كيف أدعي في رمضان ؟ | 🌙
يا باغيَ الخيرِ أقبلْ ، ويا باغيَ الشرِّ أقْصرْ .
﷽
رمضان على الأبواب، كل عام وأنتم بخير اصدقائي ، أسأل الله أن يوفقنا فيه للصيام والقيام وجميع الأعمال الصالحة.
هيئوا أنفسكم لأفضل شهر في السنة، شهر تتفتح فيه أبواب الجنة وتغلق فيه أبواب النار. مثلما يزين الناس بيوتهم وشوارعهم لاستقبال رمضان، فإن السماء والجنة أيضًا تتزين للصائمين وتفتح أبوابها لهم. قال صلى الله عليه وسلم: (قد جاءكم رمضان، شهر مبارك، افترض الله عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب الجنة، وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتغل فيه الشياطين، فيه ليلة خير من ألف شهر، من حُرِم خيرها فقد حُرِم). فاللهم يا سامع الدعوات، ويا مقيل العثرات، ويا غافر الزلات، اعتق رقابنا ورقاب آبائنا وأمهاتنا من النار، ولا تردنا عن بابك مطرودين، واغفر ذنوبنا أجمعين يا أرحم الراحمين.
هذا المقال هو تكملة لما ذكرته في مقال الدعاء السابق،« رِحلتي مَع الدُعاء وسِر استجابة الدُعاء »، حيث تناولت فيه بعض الأساسيات حول الدعاء. ولكنني شعرت أنني لم أذكر بعض النقاط المهمة التي يجب أن أتطرق لها. موضوع الدعاء واسع جدًا، ويشمل العديد من الأبعاد التي ربما لم أقم بتغطيتها بشكل كاف. في هذا المقال، سأسلط الضوء على ما فاتني من أفكار في المقال الأول، وأوضح بعض المفاهيم المغلوطة المتعلقة بالدعاء. كما سأشارك معكم فيديو كان بمثابة رسالة عظيمة من الله لي، والتي تلخص الكثير من المفاهيم حول الدعاء .
لا أحب أن أضع طريقة محددة للدعاء، لأنني أؤمن أن الدعاء رحلة خاصة بين العبد وربه، وكل شخص يقترب من الله بطريقته الخاصة ويطلب ما شاء. ومع ذلك، ما أود أن أشير إليه في هذا المقال هو أهمية التأدب مع الله واحترام حدود الدعاء كي لا نتعدى على حدود الله . كما سأذكر أيضًا ما الذي نطمح إليه بعد انقضاء شهر رمضان بإذن الله تعالى.
أسأل الله أن يوفقني في كتابة هذا المقال، ويلهمني الصواب، ويجعل كلماتي نورًا وهداية، وأن تعم الفائدة لي ولكم جميعًا. وأسأله أن يوفقني لما يحب ويرضى، يا أكرم الأكرمين.
دائمًا في رمضان ندخل بنية أداء العديد من الطاعات والعبادات، ونثقل على أنفسنا بالكثير من الأعمال، وقد نتحمس في البداية ولكننا قد نفتر في النهاية، رغم أن النهاية هي الأهم والأعظم بما فيها من أجر مضاعف وليلة القدر. يقول ابن الجوزي: "إن الخيل إذا شارفت نهاية المضمار بذلت قصارى جهدها لتفوز بالسباق، فلا تكن الخيل أفطن منك! فإنما الأعمال بالخواتيم". ولذلك، حتى لا نصل إلى الاحتراق بسبب الجهد المبالغ فيه، يجب أن نبدأ خطوة خطوة. وأهم شيء هو النية، فالله سبحانه وتعالى يعلم ما في قلبك، وإذا كانت نيتك صادقة للطاعات، فذلك بحد ذاته يُعد أجرًا. ولكن بسبب كثرة الخطابات والإرشادات، قد نتشتت في النهاية ولا ننجز شيئًا. لذلك، من المهم أن نركز على الأهم، ونوازن بين الجهد والراحة، ونحرص على الاستفادة من كل لحظة في رمضان.
بالنسبة للدعاء، كثيرًا ما يسأل الناس أسئلة تتعلق بتوقيته وكيفية الدعاء، مثل: “متى يجب أن أدعو؟ هل قبل الفطور أم بعده؟ وهل أذكر تفاصيل الدعاء أم أكتفي بالجوامع؟” وهذا التشتت الناجم عن كثرة التوجيهات والآراء حول هذا الموضوع يمكن أن يسبب حيرة كبيرة. لقد أرقتني هذه الأسئلة أيضًا، خصوصًا عندما تداخلت الأفكار حول الدعاء بالتفاصيل. فمثلاً، هل من الأفضل أن أدعو بما أريد من تفاصيل، أم أن ذلك يُعد تعديًا في الدعاء؟ كنت في حيرة لأنني دائمًا أسمع أن الصحابة كانوا يدعون الله حتى في الأمور الصغيرة مثل ملح الطعام وشسع النعل، فما المانع أن ندعو الله بالتفاصيل؟ ومع ذلك، كنت أخشى أن أكون قد أعتديت على الله في دعائي . لذلك، عندما أرى الصحابة يسألون الله حتى في تفاصيل حياتهم، مثل ملح الطعام أو شسع النعل، والشِّسْعُ : « سَورُ النعل الذي تدخل بين الأصبعين ، ويدخل طرفه في الثقب الذي في صدر النعل المشدود في الزمام» . فهذا يدل على أن الدعاء ليس مجرد كلمات بل هو استحضار دائم لله في جميع أمورنا.
وقد لاحظت ، وأكيد أغلبنا يقول هذه الكلمات بشكل عفوي أثناء يومنا. يعني مثلاً لما نكون في السوق أو رايحين على أي مكان، نردد في أنفسنا: "يا رب، ألقى الشيء اللي أبحث عنه" أو "يا رب، ما يكون الطريق زحمة" أو حتى "يا رب، اللهم ارزقني هذا الموقف". وهذا هو بالضبط ما نقصده من الدعاء، أن يكون الله على لساننا في كل الأوقات، حتى في الأمور الصغيرة. أن يكون الله على لساننا دائمًا، هذا ما نريده من الدعاء والذكر عمومًا. قال ابن القيم :
“إنّ اللهَ لَا يَتَبَرَّمُ بِإِلْحَاحِ الْمُلِحِّينَ، بَلْ يُحِبُّ الْمُلِحِّينَ فِي الدُّعَاءِ، وَيُحِبُّ أَنْ يُسْأَلَ، وَيَغْضَبُ إِذَا لَمْ يُسْأَلْ “.
الله يحب أن يسمع منا، ويحب الملحين في الدعاء، ويحب أن يسأله العباد جميع مصالح دينهم ودنياهم من الطعام والشراب والكسوة وغير ذلك وفي الإسرائيليات : أن موسى عليه الصلاة والسلام قال : يا رب ! إنه ليعرض لي الحاجة من الدنيا فأستحي أن أسألك . قال : سلني حتى ملح عجينك وعلف حمارك » . فهو يحب سماع صوتنا. وفي الفقرات القادمة، سنتعرف على صوت كان معروفًا عند الله والملائكة، وسنكتشف ماذا كان يفعل هذا الشخص العظيم حتى وصل إلى مرحلة أن يكون صوته معروفًا عند الله.
. أأحيانًا، كثرة التدخلات التربوية في طرق العبادة تفسد العلاقة بين العبد وربه، وكأن البعض يريدوننا أن نعبد الله بنفس الطريقة والمقدار والعدد. أصبح الناس يبحثون عن خطة كاملة لما يجب عليهم القيام به، وكأنهم يطلبون من شخص آخر أن يتحمل العبء عنهم. ولكن في الحقيقة، كل شخص لديه علاقة فريدة مع ربه. فهناك من يتقرب إلى الله بالصدقة، وآخر بالدعاء، وآخر بالبر، وآخر بالصيام، وهكذا. لذلك، نجد في الجنة أبوابًا متعددة: باب الريان للصائمين، وباب الصدقة، وباب الصلاة، وغيرها. لو أراد الله أن نعبده بطريقة واحدة، لما تنوعت العبادة ولكانت أبواب الجنة واحدة. لذا، لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم الصحابة بطريقة واحدة، بل كان يعرف قدرة كل واحد منهم وطريقته التي تناسبه. كان النبي ﷺ قائدًا تربويًا فذًا، يمتلك بصيرة نافذة لمعرفة طبائع أصحابه ونقاط قوتهم، فيضع الشخص المناسب في المهمة المناسبة .كان النبي صلى الله عليه وسلم يعرف ما يناسب كل صحابي ويعلم نقاط قوته ويضعه في المكان المناسب. وهذا هو الأسلوب التربوي الفعّال الذي اعتمده ﷺ. فكل شخص لديه قدرات مختلفة
ومن ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم سُئِلَ مرات كثيرة عن أفضل الأعمال؛ فأجاب إجابات متنوعة، تختلف باختلاف أحوال الأشخاص وحاجاتهم. إذ المقصود هنا تحقيق مراد الله -تعالى- في واقع الناس بتعبيدهم لله -تعالى-، وبيان حكم الله في شؤونهم بما يُفْضِي إلى هدايتهم إلى التي هي أقوم وأحسن. وهذا من خصائص الشخصية الناجحة؛ التي تتصف بالحكمة وتتصرف بمقتضى الربانية؛ إذ الرباني كما عرفه ابن عباس -رضي الله عنهما- هو: «الذي يُربّي بصغار العلم قبل كباره». فيكون كلامه صوابًا، وجوابه سديدًا؛ عملاً بموجب قوله -تعالى-: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ ومن الأمثلة التطبيقية للهدى القرآني في هذا المعنى؛ الأحاديث الآتية:
عن أبي موسى -رضي الله عنه- قال: قالوا: يا رسول الله أي الإسلام أفضل؟ قال: «مَن سلم المسلمون من لسانه ويده» وعن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما-، أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم : أي الإسلام خير؟ قال: «تطعم الطعام، وتقرأ السلام على مَن عرفت ومَن لم تعرف». فالسؤال واحد والجوابان مختلفان؛ لاختلاف أحوال السائلين، ومراعاةً لظروفهما .
فكل شخص لديه طريقته الخاصة في التقرب إلى الله، فكل واحد منا يحمل شخصية فريدة واهتمامات خاصة به. فقد يفتح الله لشخص في باب من أبواب العبادة ويغلق عليه بابًا آخر، وهذا لا يعني تفضيل شخص على آخر، بل يتعلق بقدرة تحمل كل فرد. من هذا المنطلق، علينا أن نفهم أن العبادة ليست محصورة في طريقة واحدة، بل هي متنوعة وتعكس اختلاف شخصياتنا وقدراتنا. وقد يظن البعض أنه إذا قام بكل الطاعات والعبادات، فسيكون بذلك أفضل من غيره، وأن الله سيقبلها منه بلا شك. لكن الحقيقة أن الله يريد منا الصدق في العمل وحسن النية. فأن أؤدي عبادة واحدة بصدق وإخلاص وحب ، أفضل من أن أؤدي العديد من العبادات دون نية صافية أو خشوع حقيقي.
( يَطْلُعُ عَلَيْكُمْ الْآنَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ )
وهنا استحضرت حديثًا عن صحابي بشره رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه من أهل الجنة، فتعجب الصحابة وأرادوا أن يعرفوا ماذا يفعل هذا الصحابي ليصل إلى هذه المنزلة، وظنوا أنه قد يكثر من قيام الليل أو يعمل الكثير من الأعمال الصالحة، لكن تبين لهم أنه لا يحمل في قلبه حقدًا ولا غلًا تجاه أحد. هذا الفعل البسيط الذي كان يفعله الصحابي هو ما كان سببًا في دخوله الجنة، وهو أمر عظيم في ميزان الله سبحانه وتعالى.
الاعتداء في الدُّعاء
«وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ »
سوء الأدب مع الله في الدعاء هو الذي يؤدي إلى الاعتداء في الدعاء، وهو أن الإنسان لا يقدر الله حق قدره. مشكلتنا تكمن في أننا لا نعرف قدر الله سبحانه وتعالى كما يجب، ولا نستشعر عظمته الحقيقية. إذا عرفنا الله حقًا وقدرناه كما يستحق، واستشعرنا عظمته وخلقه حولنا، لعرفنا أن الله قادر على خلق كون عظيم بهذه التفاصيل الدقيقة. تأمل جسم الإنسان، وما يحتويه من أجهزة وتفاصيل معقدة ودقيقة؛ إذا نظرنا إلى هذه التفاصيل فقط، لن ننتهي من عدها. فكيف إذا نظرنا إلى الفلك، والنجوم، والكواكب، وعالم النبات، وأشكالها المتنوعة، والبحار والأنهار، والمخلوقات العجيبة التي لا حصر لها؟ كيف بالله نغفل عن كل هذا؟ ثم تأمل كيف أن الله يعلم كل شيء، كيف يسوق رزق كل شيء، كيف يتدبر حال كل مخلوق، حتى الحيوانات والنباتات، وكيف يعلم جريان البحار والأنهار في كل لحظة. سبحانك ربي! وما تسقط من ورقة إلا يعلمها. تخيل كم ورقة شجرة سقطت الآن في هذه اللحظة؟ هل تستطيع عدها أو معرفة مكانها؟ الله جل في علاه يعلم كم ورقة سقطت في كل مكان على وجه الأرض في ذات اللحظة، هذه ورقة شجر فقط! فما بالك بتساؤلاتك ورزقك وهمومك؟ أليست هذه كلها في علم الله؟ أليست قلوبنا وأحوالنا بين يديه؟ إذا كان الله يعلم كل شيء، فلماذا الخوف؟ الله يعلم كل شيء، وهو القادر على حل كل مشكلة. فإذا كنت متأكدًا أن الله قادر، فلماذا لا تدعوه بكل يقين؟ يجب أن ندعوه بثقة مطلقة، وأن نؤمن أن ما نطلبه بين يديه الآن، وأننا في انتظار الاستجابة بصدر رحب، ودون شك أو قلق. الدعاء يجب أن يكون بحب وتفاؤل، مؤمنين بالإجابة واثقين أن الله قادر على كل شيء..
يجب علينا أن نعرف أننا نخاطب الله عز وجل، وليس شخصًا عاديًا مثلنا. عندما نتوجه إلى أي شخص ذو مكانة أو سلطة، يكون لدينا وعيٌ كامل بكيفية التعامل معه، فنحرص على أن نكون في أتم الأدب والاحترام. نعلم جيدًا أننا أمام شخص يتسم بمقامٍ عالٍ، فنتحدث معه بأدب وانكسار، ونبدأ بالثناء عليه ومدحه. ولكن هل نتعامل مع الله عز وجل بنفس الطريقة؟ الله سبحانه وتعالى هو صاحب المقام الأسمى والأعلى، هو الذي يعلم كل شيء، ونحن في حضرته لا بد أن نكون أكثر احترامًا. إذا كنت ستذهب إلى ملك أو رئيس أو أي شخصية مرموقة، هل ستتحدث معه كما تتحدث مع أي شخص آخر؟ بالطبع لا. ستتحدث معه بأدب وانكسار، وتبدأ بالمدح والثناء عليه، أليس كذلك؟ والله عز وجل أولى بذلك. بل في كثير من الأحيان نسيء الأدب معه، ندخل على الله ونحن منشغلون بأمور كثيرة وأفكار مشتتة، ولا يوجد حضور للقلب. ندخل على الله بصيغة “أجرب يمكن يضبط”، وإذا لم يضبط، نقول “لن أدعو مرة أخرى”. ندخل على الله ونحن نشك، وغير موقنين. ندعو، وفي قرارة أنفسنا نعتقد أن الله لن يستجيب، ثم نستغرب عندما لا يستجيب الله لنا. لأننا فعلنا عكس ما أمرنا الله به. يقول الله عز وجل: “ادعوني استجب لكم”. ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم : “ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة”. لكن مشكلتنا أننا ندعو الشيطان وفي النهاية نتقاعس، فعلينا أن ندخل على الله بضعفنا وانكسارنا وخضوعنا، وليس بتكبر أو غرور، وكأن الله مجرد خيار من خياراتنا إذا "ضبط" وإلا سنغيره! بل يجب أن نراه الخيار الوحيد في حياتنا. يجب أن نتذلل إلى الله بكل مشاعرنا، ونثق في قدرته ورحمته. والمفارقة أن كلما تذللت للخالق، زادك الله هيبة وقبولًا من الناس. كما قال الفضيل بن عياض: "إنما يهابك الخلق على قدر هيبتك الله". أما إذا تذللت للناس، استحقروك وقللوا من شأنك. ولكن عندما تنكسر لله، العزيز العليم بحالك وضعفك، بقدر انكسارك له يزيدك قوة وهيبة…
فمثلًا، عندما تجري عملية جراحية قبل أن يشرعوا في العملية، ماذا يفعلون بك؟ يخدرونك، لا تشعر بشيء، فقط تترك الوظائف العضوية مثل التنفس، ومراقبة القلب والاوعية الدموية ، وتدخل العملية متوكلًا على الله أولًا، ومُسَلمًا نفسك تمامًا للجراح لأنك تعلم أنك في أيدٍ أمينة. ولله المثل الأعلى، ما نفعله في حياتنا هو أننا نريد أن نكون جراحي أنفسنا. ندعو الله وكأننا نعطي أوامر لله، وكأن الله لا يعلم« حاشاك ربي » . فالله هو العليم وهو يعلم كل شيء، بل هو خالقك ويعلم ما الذي يصلح لك. نحن لا نريد أن نسلم أمورنا لله، بل نريد أن نتحكم في النتائج والقرارات. تخيل إذا لم تكن مخدرًا في العملية، ستخاف وتهلع وتصرخ وتسأل الجراح كل دقيقة متى سننتهي، ماذا تفعل، وهكذا ستعيق الجراح وقد لا ينهي لك العملية. وهذا ما نفعله: ندعو الله ونستعجل في الإجابة، “يُسْتَجابُ لأحَدِكُمْ ما لَمْ يَعْجَلْ، يقولُ: دَعَوْتُ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي.” نحن ندعو ولكن نعطل أو نؤخر الإجابة بالشك والاستعجال والخوف واليأس، وكلها من عمل الشيطان كما ذكرنا. فهو يعدنا بالفقر، في حين أن الله يطلب منا أن نسلم أمورنا، نعيش ونتفائل ونحن ننتظر، لا نشك أو نستعجل، بل نعيش بطمأنينة وثقة بأن الله سيعطينا ما هو أفضل في الوقت المناسب بإذنه تعالى.
بما أننا تطرقنا إلى موضوع الاعتداء في الدعاء، كما قلت لن أتوسع فيه لكثرة أبوابه، وإنما سأذكر النقاط المهمة. أولًا، ما هو الاعتداء في الدعاء؟
الاعتداء في الدعاء
* قال ابنُ القيِّم: الاعتداءُ في الدُّعاء هو كلُّ سؤال يناقض حكمةَ الله، ويتضمَّن مناقَضَة شرعه وأمره، أو يتضمَّن خلاف ما أخبر به؛ فهو اعتداءٌ لا يحبُّه الله ولا يحبُّ سائلَه، وفُسِّرَ الاعتداءُ برفع الصَّوت أيضاً في الدُّعاء؛ قال ابنُ جرير: من الاعتداء رفعُ الصَّوت في الدُّعاء، والنِّداء في الدُّعاء والصِّياح .
والاعتداء: هو تجاوُزُ الحدِّ الذي حدَّه الله لعبده في دعائه ومسألته ربَّه .
والاعتداء في الدعاء تارةً يكون في الأداء والطريقة، وتارةً يكون في الألفاظ والمعاني.
أنواع الاعتداء في الدعاء:
باب الاعتداء في الدعاء كبير جدًا ومفصل، ولكن بما أن التفرعات كثيرة، سأركز على النقاط المهمة وأترك التفاصيل لمن يريد الاطلاع على المزيد عبر الرابط.
المبحث الأول: الاعتداء في المعاني
يحدث الاعتداء عندما تتضمن الأدعية معاني محرمة أو مكروهة، مثل:
طلب ما هو مستحيل عقلاً، مثل إحياء الموتى أو رؤية الله في الدنيا.
طلب منازل الأنبياء أو معجزاتهم في الدنيا.
المبحث الثاني: الاعتداء في الألفاظ
الاعتداء هنا يكون في استخدام تراكيب كلمات غير معتادة، مثل:
الدعاء بطريقة غريبة أو بتفاصيل غير معروفة من السلف.
دعاء مع شرك أو توجه لغير الله، مثل: “يا رسول الله، اكشف كربتي” أو “يا علي”، وهو أمر ينافي التوحيد ويعد كفرًا.
المبحث الثالث: الاعتداء في الهيئة والأداء
يحدث الاعتداء في طريقة الدعاء إذا كانت مخالفة للسنة أو إذا لم يكن الدعاء متضرعًا أو مستكينًا، مثل:
رفع الصوت أو الصياح في الدعاء.
الدعاء في حالات لا تليق مثل التحدث أثناء النعاس أو أثناء الشبع الزائد أو مدافعة الأخبثين.
التلحين والتغني والتطريب في الدعاء، لأنه ينافي الضراعة والابتهال.
المبحث الرابع: الاعتداء في الدعاء المكاني
إن إفراد بعض الأماكن وخصها بالذكر واتخاذ ذلك سنة راتبة مما لم يرد فيه دليل, لا من الكتاب ولا من السنة فإنه يعتبر من البدع المحدثة.
المبحث الخامس: الاعتداء في الدعاء الزماني
الاعتداء يحدث إذا تم تخصيص أوقات معينة بالدعاء دون دليل شرعي، مثل دعاء أول وآخر يوم من السنة أو ليلة النصف من شعبان. هذه الأدعية لم ترد عن النبي صلى الله عليه وسلم أو الصحابة.
هذا ما تيسر انتقاؤه من كتب أهل العلم، أسأل الله أن يرزقنا جميعاً العلم النافع والعمل الصالح، والإخلاص في القول والعمل، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
لمن يرغب في التوسع أكثر في هذا الموضوع، يمكنه الاطلاع على الرابط المرفق للكتاب للحصول على مزيد من التفاصيل:
موانع اجابة الدعاء ؟؟
« يا أيُّها النَّاسُ إنَّ اللَّهَ طيِّبٌ لا يقبلُ إلَّا طيِّبًا ، وإنَّ اللَّهَ أمرَ المؤمنينَ بما أمرَ بِه المرسلينَ فقالَ يَا أيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ وقالَ يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ قالَ وذَكرَ الرَّجلَ يُطيلُ السَّفرَ أشعثَ أغبرَ يمدُّ يدَه إلى السَّماءِ يا ربِّ يا ربِّ ومطعمُه حرامٌ ومشربُه حرامٌ وملبسُه حرامٌ وغذِّيَ بالحرامِ فأنَّى يستجابُ لذلِك» .
١ الأول: أكل الحرام وشربه ولبسه: كما ورد في الحديث: «الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب ! ومطعمه حرامٌ، ومشربه حرامٌ وغُذي بالحرام فأني يستجاب لذلك» [رواه مسلم].
٢ الثاني: الاستعجال وترك الدعاء: فعن أبي هريرة – رضي الله عنه – أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، فيقول قد دعوت فلم يستجب لي» [رواه البخاري ومسلم].
٣ الثالث: ارتكاب المعاصي والمحرمات .
٤ الرابع: ترك الواجبات التي أمر الله بها وأوجبها: فعن حذيفة – رضي الله عنه – أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «والذي نفسي بيده لتأمرون بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أني يبعث عليكم عقابًا منه، ثم تدعونه فلا يستجاب لكم» .
٥ الخامس: الدعاء بإثم أو قطيعة رحم: عن أبي سعيد – رضي الله عنه – أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من مسلم يدعو الله بدعوة ليس فيها إثمٌ، ولا قطيعة رحم، إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث إما أن تعجل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها» قالوا: إذا نكثر قال: «الله أكثر» .
« صوتٌ معروفٌ من بلادٍ غريبة »
لا تُفقد السماء صوتك، كن عبداً إذا دعا تعرفه الملائكة فتقول : “يا رب صوتٌ معروف من عبد معروف”
طبعًا جميعنا نعرف قصة سيدنا يونس عليه السلام في بطن الحوت ودعائه المعروف «لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين» وهي من أروع القصص التي تعلمنا الكثير. فعندما كان سيدنا يونس في بطن الحوت وكان يسبح الله عز وجل، قالت الملائكة: « يا ربِّ، هذا صوتٌ معروفٌ من بلادٍ غريبة، فقال الله - عز وجل -: أما تعرفون ذلك؟ قالوا: ومَنْ هوَ؟ قال: عبدي يونس، قالوا: عبدُك يونس الذي لم يزل يُرفَعُ له عمل متقبل ودعوةٌ مستجابة؟ قال: نعم، قالوا: يا ربِّ، أفلا ترحم ما كان يصنع في الرخاء فتنجيَه من البلاء؟ قال: بلى، قال: فأمر الله الحوتَ فطرحه بالعراء » . سيدنا يونس عليه السلام كان يذكر الله كثيرًا، خصوصًا في الرخاء، وقد كوَّن علاقة قوية مع الله من خلال الذكر والدعاء، حتى إذا أصابته مصيبة أو ضائقة، يكون معروفًا عند الله، فيرحمه برحمته. ولكننا غالبًا ما ننسى هذه النقطة المهمة؛ فعندما نكون في نعمة ورخاء، نغفل عن ذكر الله ودعائه، ولا نتذكره إلا في المصائب والمشكلات. والله سبحانه وتعالى قال في كتابه الكريم: "( وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً )"، أي أن الله يبتلينا بالرخاء والشدة، بالغنى والفقر، كل ذلك امتحانات، والهدف منها هو أن نلجأ إلى الله أكثر. ولعلَّ الهدف ليس في التقاعس، بل في أن نرى أنفسنا في أي موضع وضعنا الله فيه، ثم نتوجه إليه من هذا المنبر. إذا كنت في نعمة المال، فلتتصدق به، وإذا كنت في فقر، فاستغل هذا الوقت في التوكل على الله وحسن الظن به، وأكثر من ذكره ودعائه. في بعض الأحيان قد يبتلينا الله بوقت فراغ كبير أو تأخير في شيء معين، وهنا قد ننسى أن الله يريدنا أن نتقرب إليه في هذا الفراغ. فقد نفكر أن الله يجب أن يبتلينا بشيء حركي، أي شيء نتحرك فيه مثل العمل أو العلاقات أو أي مجهود آخر، وقد نيأس إذا لم نتحصل عليه، ولكن الله يريدنا أن نتقرب إليه من هذا المنبر. فهنا تكون فرصة لنستغل كل دقيقة في الخير، مثلًا فرصة لبر الوالدين بأن نجلس معهم ونساعدهم، فرصة للتقرب إلى الله بأن نُحسن حفظ القرآن، أو حتى الاستفادة من مواقع التواصل في نشر العلم للفائدة. كما يمكننا اكتشاف مواهبنا المدفونة، وكل هذا، إذا أخلصنا النية لله، سيكون لنا أجر كبير بإذن الله. وهكذا نكون قد استفدنا من وقت الرخاء في الاستزادة من جميع الجوانب. وعندما نقع في محنة أو مشكلة، نجد أنفسنا قد بنيّنا علاقة قوية مع الله، فتكون استجابتنا أقرب وأسرع بإذن الله. وإنَّ جميع هذه الطرق، إذا أخلصنا النية لله وحرصنا على التقرب إليه، تؤدي في النهاية إلى الله، وتجعل لك مكانة خاصة عنده. وعندما تقول "يا رب"، يتردد اسمك في السماء، وتحمله الملائكة إلى الرحمن وتشفع لك.
كما أن صوت سيدنا يونس عليه السلام كان معروفًا في السماء بفضل دعائه وذكره لله في بطن الحوت، فإننا نحن أيضًا نسعى إلى أن يصبح اسمنا معروفًا عند الله سبحانه وتعالى، وأن تكون استجابتنا قريبة عندما ندعوه. فقد قال الله عز وجل للملائكة عندما سمعوا دعاء يونس: “هذا صوت معروف من بلاد غريبة”، مما يدل على أن الدعاء والذكر يرفعان مقام العبد ويجعلانه معروفًا في السماء. وفي هذا السياق، نجد أن الهدف من الدعاء ليس فقط طلب الاستجابة في الشدائد، بل هو ذكر الله دائمًا في كل وقت. فإذا لاحظنا يومنا من بدايته، سنجد أنه يبدأ بالدعاء وذكر الله. أول ما نستيقظ نقول “اللهم ما أصبح بي من نعمة”، وبعدها نذكر أذكار الصباح، وحتى في الصلاة، وسورة الفاتحة بحد ذاتها هي دعاء. فيومنا كله عبارة عن ذكر ودعاء. مثل ما قال الله تعالى :« الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ».
وهنا تذكرت حديثًا عجيبًا، وهو أن الأذكار التي نقولها من تسبيح وتحميد وتهليل لله عز وجل، كل هذه الأذكار لها دوي وصوت يشبه صوت النحل، ينعطف حول عرش الرحمن جل في علاه. ما هو العرش؟ هو عرش الرحمن عز وجل، أكبر المخلوقات وأعظمها وأوسعها وأشرفها، هذا العرش لا يعلم قدره إلا الله عز وجل. كلما ذكرنا الله عز وجل، هذه الأذكار تطوف حوله وتذكر صاحبها، فتخيل أن كلما قلت “سبحان الله” وتكررها، فإنها تصل إلى الله عز وجل. شيء عجيب سبحان الله.
لذلك، بكثرة ذكر الله عز وجل في أي وقت، سيكون صوتك واسمك معروفًا. فإذا أصابتك مصيبة ودعوت، هنا يثبتك الله وينصرك، والملائكة تشفع لك. وهذه هي الخلاصة التي نريدها، أن نجعل يومنا كله رطبًا بذكر الله، ليس فقط في رمضان أو في أوقات وأماكن معينة، بل أن يكون نهجًا كاملًا نسير عليه في حياتنا.
وفي هذا الحديثِ يُخبِرُ النُّعمانُ بنُ بَشيرٍ رضِيَ اللهُ عنهما، أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: "إنَّ ممَّا تذكُرونَ مِن جَلالِ اللهِ"، أي: تَعظيمِه "التَّسبيحَ"، وهو قولُ: سُبحانَ اللهِ، وما شابَه ذلك، "والتَّهليلَ" وهو قولُ: لا إلهَ إلَّا اللهُ، "والتَّحميدَ" وهو قولُ: الحمدُ للهِ، "يَنْعَطِفْنَ حَولَ العرْشِ"، أي: هؤلاء الكلماتُ والجُمَلُ الأربعُ يَمِلْنَ ويَدُرْنَ حولَه، والمُرادُ طَوافُهنَّ حَولَ العرشِ، "ولهنَّ دَوِيٌّ كدَوِيِّ النَّحلِ"، أي: صَوتٌ يُشْبِهُ صَوتَ النَّحلِ؛ مِن كثرةِ تَكرارِ هذه الكلماتِ وتَرديدِها، "تُذَكِّرُ بصاحبِها"، أي: تذكُرُ أنَّ قائلَها فلانٌ، في المَقامِ الأعلى، وفي هذا أعظَمُ حَضٍّ على الذِّكْرِ بهذه الألفاظِ.
فما رأيته اليوم من بعض الأقوال حول ذكر الله بعدد معين، حيث يصر البعض على أنه يجب أن نذكر الله بعدد محدد، بينما يعتبر آخرون أن هذا نوع من البدعة، جعلني أتوقف وأتأمل. شخصيًا، لا أجد مشكلة في أن يذكر الانسان الله بعدد معين. يمكن للإنسان أن يضع جدولًا لنفسه ليذكر الله بعدد معين من الذكر يوميًا، مثل 100 استغفار في يوم، ثم يزيد العدد في اليوم التالي إلى 200، وهكذا، حتى يتعود لسانه على الذكر.
في السابق، لم أكن أعلم أن هناك وردًا من الأذكار، كنت أعرف فقط ورد القرآن، والأذكار المعروفة مثل أذكار الصباح والمساء. لكن مع مرور الوقت، بدأت العديد من المقاطع تتحدث عن الأذكار مثل الصلاة الإبراهيمية، الاستغفار، والتسبيح بعدد معين. فقررت أن أضع في جدولي اليومي ذكرًا معينًا غير الأذكار المقررة للصباح والمساء. ومن خلال تجربتي، أصبحت أكثر ذكرًا لله، وأصبح الذكر جزءًا من يومي؛ حتى في أوقات الفراغ، مثلًا أثناء التمشية أو أثناء الطهي، أستغفر الله أو أصلي على النبي ﷺ.
في البداية، كان لدي تخوف من البدع والشركيات، خصوصًا من أولئك الذين يستخدمون الذكر واسماء الله لمصالحهم الشخصية أو لنشر أفكار خاطئة. وقد سمعت عن بعض من يرددون آيات معينة بأعداد خاصة أو يربطون الذكر بعقائد مشوهة. هنا يجب أن نكون حذرين وألا ننجرف وراء هذه الممارسات، لأن هدفنا من الذكر هو التقرب إلى الله، وزيادة البركة في حياتنا، سواء في الوقت أو المال، ولا بأس أن ينتفع الشخص أو يتقرب إلى الله بالاستغفار ليُرزق بما يريد، كما فعل أصحاب الغار الذين تقربوا إلى الله بأعمالهم الصالحة. إذًا، يعمل الإنسان الخير ويذكر الله لتوطيد العلاقة مع الله أولًا، ثم يطلب منه ما يريد في الحياة الدنيا.
بالنسبة لي، لا أعتقد أن هناك مشكلة في من ينصح الناس بذكر الله، لأن هؤلاء الأشخاص لم يرتكبوا أمرًا محرمًا. لكن المشكلة تكمن في أولئك الذين يحاربون من ينصح الناس بالذكر ويهاجمونهم، في حين كان من الأفضل أن يوجهوا هذا النقد لمن يحاربون الإسلام والعقيدة ويشوهون الدين بأفكار خاطئة. ليس من المقبول أن يكون تركيزنا على محاربة المسلم الذي ينصح الناس بالذكر، بينما نغض الطرف عن أولئك الذين يبثون أفكارًا تُحرف الدين وتضر بعقيدتنا. وأيضًا، من المهم أن نفرق بين من يذكر الله فقط من أجل منفعة شخصية له، ومن يفعل ذلك أيضًا بهدف الآخرة ومنفعة الآخرين ونشر الدين. من يذكر الله فقط لتحقيق منفعة دنيوية، وعندما لا يستجيب الله له يترك الذكر، فهذا بعيد عن الهدف الأسمى للذكر، الذي هو التقرب إلى الله والاعتراف بفضله ورحمته، بغض النظر عن استجابة الدعاء.
لذا، هدفي هنا هو أن نُكوّن علاقة حقيقية وقوية مع الله عز وجل، وأن لا تقتصر هذه العلاقة على شهر رمضان فقط. نعم، قد يكون رمضان بداية لتكوين هذه العلاقة، لكن يجب أن تستمر وتصبح عادة لنا في جميع الشهور. علينا أن نذكر الله دائمًا، وان نتذكر هذا الدوي الذي يحدثه ذكر الله حول العرش، وأن هدفنا أن نستشعر هذا الشعور العظيم، وأن يكون اسمنا معروفًا في السماء وعند الملائكة…
«رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي»
عن أبي هريرة: «إذا دعا أحدكم فليعظم الرغبة فإنه لا يتعاظم على الله شيء»
فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ
في السابق، عندما كنت أدعو الله، كنت أطلب الشيء وأقول: "يارب، إذا استجبت لي هذا الشيء، فلن أطلب منك شيئًا آخر"، وكأن رزق الله سينفد إذا استجاب لكل دعواتي! أسأل الله أن يعفو عني، فرزق الله لا ينفد سبحانه. كما عرفنا، إذا تأدبنا مع الله وعرفنا قدره وقدرته، سنطلب منه كل شيء دون خوف أو شك، لأننا نعلم تمامًا قدرة الله عز وجل. وهنا نستحضر قصة نبي الله سليمان عليه السلام، الذي وصل إلى مقام يعرف فيه قدرة الله العظيمة. ماذا قال؟ "قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّن بَعْدِي ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ". طلب ملك عظيم، فما كان رد الله عليه؟ سَخَّرَ له الجبال والطير، والجن بمختلف وظائفهم، يعملون بأيديهم القصور والتماثيل والقدور، وتغوص له في البحار الشياطين تستخرج له اللؤلؤ والمرجان ، كلهم تحت أمره. وبعد أن استجاب الله له، ماذا قال؟ هل قال: "أنا استحق هذا لأنني تعبت واجتهدت وتوكلت؟ بل قال "هَٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ ۖ". نسب الفضل لله، وعلم أن ذلك اختبار، وليس مجرد نتيجة لتعبه وجهده. وعندما يُعطى الإنسان المال أو أي نعمة، يجب أن يتوجه مباشرة إلى الله ليتساءل: كيف أتصرف بهذا المال بما يرضي الله أولاً، ثم يرضيني ثانيًا، أي كيف أوفق بين الدنيا والآخرة.
هذا لا يعني أننا ندعو مثل ملك سليمان عليه السلام، فكما ذكرنا فإن طلب مثل هذا الملك هو شيء خاص ومعجزة خاصة بالأنبياء، بل نحن نتعلم من هذه القصة أنه يمكننا أن نطلب من الله أي شيء، ولكن دون أن نقلل من قدرته أو نشك في استجابته. كما اننا ننسى أحيانًا أن الله سخر لنا هذا الكون كله لخدمتنا، ننسى حِلم الله ومغفرته ومعيته لنا. كما قال تعالى: "وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَابَّةٍ وَلَٰكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى". الله يرانا نخطئ في الليل والنهار، ومع ذلك يرحمنا، مع أنه قادر على معاقبتنا بذنب واحد فقط. ومن رحمته بنا، اننا سندخل الجنة برحمته، وليس بأعمالنا، لأننا إذا حاسبنا الله على أعمالنا، لكان مصيرنا الهلاك. وأيضًا، الله، يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه، فلو شاء لأذن لها فسقطت على الأرض، وهلك من فيها، ولكن من رحمته وقدرته يمسك السماء عن السقوط ولهذا قال: إن الله بالناس لرءوف رحيم أي: مع ظلمهم ، وأيضا نعمة الإسلام هي أننا وُلِدنا مسلمين في عائلة مسلمة، وفي بلد مسلم، نؤدي عباداتنا بسلام وأمان، دون خوف من أن يأتي شخص متعصب ليقتلنا. وإذا شاهدتم مقاطع للمسلمين الجدد الذين كانوا يؤدون عباداتهم في السر خوفًا من أن يُكتشف أمرهم، وتعرض بعضهم للطرد من منازلهم فقط لأنهم أسلموا، فنعمة عظيمة هي الإسلام . ونِعم عظيمة جدا محيطة بنا ولكننا لا نتاملها ولا نتعظ منها..
قصّة نبي الله سليمان عليه السلام تذكرنا بأننا مهما كنا في الدنيا من أصحاب الفضل أو القوة أو المال، فإننا بحاجة إلى الله في كل لحظة من حياتنا. سليمان عليه السلام طلب من الله ملكًا عظيمًا، وكان يعرف أنه في النهاية كل شيء من عند الله، وكل خير إنما هو بفضل الله وحده. وهذا هو دربنا في الدعاء: أن نتوجه إلى الله بكل ما في قلوبنا، دون أن نستخف أو نستصغر أي شيء، سواء كان كبيرًا أو صغيرًا. ولكن في النهاية، يجب أن نعلم أن الله وحده هو الأعلم بما هو صالح لنا، وأن ما يقدره لنا هو الأفضل، حتى وإن لم نفهمه في البداية..
فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ ، هذه الاية دائمًا عندما أسمعها أجد نفسي أردد (كل الخير ياربي ) ، ظنّي بك يفوق كل شي، أعلم أنك تراني وتسمعني وتعلم مافي صدري وترحمني رغم السوء الذي بداخلي .. وبالرغم من ذنوبي وتقصيري أريدك يارب أن ترى ظني بك وترجمني لأنني مهما قصرت وأذنبت ما زلت أحبك، فاللهم اجعلني أرجع إليك دائمًا مهما تصدع قلبي وتهشم لا تتركني لنفسي أبداً بل ردني إليك ردًا جميلا لأنني اعلم أنك ستصلح كل شي فيّ ..
« وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا »
هناك صفات اختص بها الله سبحانه وتعالى، ولا يجوز للإنسان أن يتصف بها مثل الكبرياء والعظمة وغيرها من الصفات التي تليق بالله وحده. ومن جانب آخر، هناك صفات أخرى يجب على المسلم أن يتحلى بها مثل الجود والإحسان والعفو، وهي مقتضيات من صفات الله تعالى التي يجب أن نسعى لتحقيقها في حياتنا. من الأشياء التي لم أكن أعلمها عن الدعاء بأسماء الله الحسنى هي كيفية الدعاء بها. فقد كنت أتساءل دائمًا: كيف أدعو بها؟ هل أكرر الأسماء فقط أم أقولها جميعًا في الدعاء؟ ولكن ما فهمته هو أننا نستمد كل شيء من الله عز وجل، حيث إنني أصف نفسي وكأنني وعاء فارغ، ملأه الله بصفاته وأسمائه الجليلة. فملأ هذا الوعاء بالعلم من اسمه العليم، وملأه بالرحمة من اسمه الرحمن الرحيم، وملأه بالحب والجمال وغيرها من الصفات العظيمة. فعندما ندعو الله، مثلاً، باسمه "العليم"، نقول: "يا عليم، علمني وارزقني من علمك ومن لدنك"، وعندما ندعو باسمه "الرحمن"، نقول: "يا رحمن، ارحمني". : "يا رزاق، ارزقني من واسع رزقك"، و"يا وهَّاب، هب لي من فضلك". وكل اسم من أسمائه الحسنى هو دعاء نوجهه إلى الله ليتفضل علينا بما فيه من عطاء.
وعندما أتلقى مدحًا في صفة معينة، فإنني على الفور أنسب الفضل لله عز وجل، وأدعو ربي دائمًا أن أُسند الفضل له أولاً، لأن كل الصفات الجميلة من الله سبحانه وتعالى، وأي شيء سيء هو فعل مني أو من الشيطان. عندما نتوجه إلى الله في دعائنا، ينبغي أن نكون على وعي تام بعظمة الله وجلاله. علينا أن نُدرك أننا نخاطب الخالق، وليس مجرد شخص آخر فمشكلتنا تكمن في أننا نعامل الله عز وجل كما نعامل بعضنا البعض.فالله سبحانه وتعالى لا يحتاج منا إلى رد أو مكافأة، بل هو الذي يهبنا من فضله ورحمته بلا مقابل فعندما أقدم شيئًا لشخص ما، أكون في انتظار شكره أو تقديره أو ردًا على هديتي في وقت لاحق. لكن الله لا يريد منا شيئًا، فهو الغني سبحانه وتعالى.
كما قال الله في الحديث القدسي :
قال اللهُ تعالَى : يا عبادي ! إنِّي حرَّمتُ الظُّلمَ على نفسي وجعلتُه مُحرَّمًا فلا تَظالموا ، يا عبادي ! إنَّكم تُخطِئون باللَّيلِ والنَّهارِ وأنا أغفِرُ الذُّنوبَ جميعًا ولا أُبالي فاستغفروني أغفِرْ لكم ، يا عبادي ! كلُّكم جائعٌ إلَّا من أطعمتُ فاستطعِموني أُطعِمْكم ، يا عبادي ! لم يبلُغْ ضُرٌّكم أن تضُرُّوني ولم يبلُغْ نفعُكم أن تنفعوني ، يا عبادي ! لو أنَّ أوَّلَكم وآخرَكم وجِنَّكم وإِنسَكم اجتمعوا وكانوا على أفجرِ قلبِ رجلٍ منكم لم يُنقِصْ ذلك من مُلكي مثقالَ ذرَّةٍ ، ويا عبادي ! لو أنَّ أوَّلَكم وآخرَكم وجِنَّكم وإنسَكم اجتمَعوا في صعيدٍ واحدٍ فسألوني جميعًا فأعطيتُ كلَّ إنسانٍ منهم مسألتَه لم يُنقِصْ ذلك ممَّا عندي إلَّا كما يُنقِصِ المَخيطُ إذا غُمِس في البحرِ ، يا عبادي ! إنَّما هي أعمالُكم تُرَدُّ إليكم ، فمن وجد خيرًا فليحمَدْني ومن وجد غيرَ ذلك فلا يلومَنَّ إلَّا نفسَه” .
ما اكتشفته هو أننا أغلبنا كنا نغذي أرواحنا من الشيطان، من خلال أسماء الشيطان التي تتمثل في الفقر، القلق، التفكير المستمر، الاستعجال، وهذه كلها مشاعر قد تحدث لنا جميعًا وهي طبيعية، لكن ما أقصده هو المبالغة فيها لدرجة الهوس. هذا ما يريده منك الشيطان أن يوصلك إلى هذه المرحلة، سواء في القلق أو التفكير المستمر أو الاستعجال وغيره. فالشيطان يريد أن يجعلنا نعيش بلا روح، أن نكون أجسادًا بلا قلب، هو الذي يحركنا ويسيطر على أفكارنا.
الشيطان لا يتغذى فقط على الأفكار السلبية التي تدور في أذهاننا، بل يتغذى أيضًا على ما نقوله عن أنفسنا. يبدأ الشيطان بالوسوسة بلطف في البداية، ويراقب رد فعلنا هل قبلنا هذه الوسوسة؟ على سبيل المثال، قد يقول لنا “أنت غير ناجح”، ثم يلاحظ إن كنا صدقنا هذه الكلمات واعتقدنا بها. وإذا آمنّا بها، يبدأ الشيطان في التغذي على هذه الأفكار السلبية والمخاوف حتى تكبر تمامًا ويستحوذ علينا «اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ ۚ أُولَٰئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ ۚ» . هنا لابد من الانتباه إلى نقطة مهمة جدًا: يجب أن نكون حذرين بما نقوله لأنفسنا، فكل كلمة نلفظ بها تساهم في تغذية هذه الوساوس. الشيطان دائمًا في المرصاد، يحاول أن يشكك في كل شيء، ويجعلنا في حالة من التشتت المستمر. كما أنه يزرع فينا شعورًا دائمًا بالنقص والجلد للذات. لذلك، من الأفضل دائمًا أن نكون في حالة ذكر لله، لأن الشيطان يهرب عندما يراك تذكر الله.
أذكر أنني سمعت عن الشيخ ابن باز رحمه الله، كان كثير الذكر ، ففي دروسه، لاحظ طلابه أنه كان يعض على شماغه أثناء سماع الأسئلة. لماذا؟ لأن لسانه تعود على الذكر بشكل مستمر، حتى أنه كان يعض على شماغه لكي يوقف لسانه ويستطيع التركيز على الأسئلة. كان يذكر الله حتى أثناء تناول الطعام، بين اللقمة والأخرى. تخيلوا أن حياته كانت مليئة بالذكر، فكان الشيطان لا يستطيع أن يدخل من أي جهة.
بدون الذكر، الشيطان يرافقنا في كل مكان: ينام معنا، يأكل معنا، يسمع معنا، ويرى معنا. حتى في علاقات الزواج، قد يكون الشيطان حاضرًا ويشارك الرجل أهله في الجماع إذا لم يذكر الله، مما يؤدي إلى القلة في البركة والمشاكل الكثيرة التي نراها اليوم ، لأنه يهدف إلى جعل حياتنا مليئة بالفقر والهموم. يعرف الشيطان أن ذكر الله هو السعادة والراحة في هذه الدنيا، ولهذا يسعى لابعادنا عنها.
في مقال سابق، كتبت عن الأذكار التي يجب أن نركز عليها في حياتنا اليومية، وكيفية معرفة مداخل الشيطان إلينا. سأرفق الرابط هنا لمن يرغب في قراءته « هَلْ عَرَفْتَ عَدُوَّكَ بَعْدُ؟ » ..
ونحن نعلم كيف أن بعض الناس والمشاهير الآن، خاصة في المجتمعات الغربية، قد باعوا أرواحهم للشيطان، وأصبح هو المتحكم فيهم. وما يمارسونه من أفعال قبيحة وفحش هو نتاج هذه الأفكار الشيطانية. قال الله تعالى: «الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ ۖ وَاللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلًا ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ». فالله لا يستجيب لنا عندما نغذي أنفسنا بتلك الأفكار السلبية، لكن عندما نغذي أرواحنا من خلال أسماء الله الحسنى وصفاته الجليلة، يعطينا الله من فضله ورحمته الواسعة.
فحينما نغذي أنفسنا بأسماء الله، مثل: “الغني”، الله يُغني قلوبنا أولًا، ثم يرزقنا من واسع فضله. “العليم”، الله يرزقنا من علمه. “القوي”، الله يقوينا وهكذا. وأهم شيء في هذا كله أن قلبك سيكون مرتاحًا ومطمئنًا، لأنك ملأته بالله وبأسمائه، فأصبح مليئًا بالله. فلن يكون لديك مكان للشك أو الريبة أو الخوف، بل سيكون قلبك مطمئنًا. وبالتالي، عندما تطلب شيئًا من الله، سيستجيب لك. لكن هذا عكس ما يحدث عندما ندعو ونحن في قلوبنا شك أو يأس. عندها سيكون قلبك مثقوبًا، كأنك ملأته بالماء، ولكنك خرقته بالشكوك والاستعجال وسوء الظن.
هنا لابد من التفريق بين استجابة الله عز وجل واستجابة الشيطان، كما قال الله تعالى : "قال الله تعالى : وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ ۖ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي ۖ فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم ۖ". هذا يعني أن الشيطان يستدرجك خطوة بخطوة إلى أن يجعلك تستجيب له، ويسهل لك الحرام. فلو اردنا ان نفرق بين استجابة الله واستجابة الشيطان :
التفريق بين استجابة الله واستجابة الشيطان:
استجابة الشيطان:
قال الله تعالى: “وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ ۖ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي ۖ فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم”.
الشيطان يبدأ باستدراجك خطوة بخطوة إلى أن يستحوذ عليك بالكامل وينسيك ذكر الله.
هنا تكون قد استجبت له، وأصبح يحركك ويعطيك إشارات تشوش ذهنك.
وحي الشيطان:
بعد أن استحوذ عليك، يبدأ الشيطان في إلهامك بأفكار مشوهة.
هذه الأفكار تتمثل في القلق المستمر، الفقر، الاستعجال، والشكوك التي تؤدي إلى الريبة.
هذه المشاعر هي من عمل الشيطان لتشتيت ذهنك وإبعادك عن الطمأنينة واليقين.
استجابة الله:
في مقابل ذلك، الله عز وجل قال: “ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ”.
دعوة الله لنا لا تعني فقط الدعاء بالكلمات، بل تتمثل في اتباع أوامره سبحانه، واجتناب نواهيه، والتقوى، والابتعاد عن كبائر الذنوب.
فالله يدعونا لنتوجه إليه بتفكير قلب صاف وأعمال صادقة، وفي حال الالتزام بما أمرنا به، وترك ما نهانا عنه، يستجيب لنا بحوله وقوته .
كما يجب علينا أن نبتعد عن موانع استجابة الدعاء التي ذكرناها سابقًا، مثل الاستعجال أو الدعاء بمعصية، أو اذا كان في قلوبنا شك أو سوء ظن.
عندما تفرق بين استجابة الله واستجابة الشيطان، ستتمكن من التمييز بين الوحي الإلهي والإلهام الشيطاني. فإذا كانت الفكرة التي تطرأ على ذهنك مليئة بالشكوك، الكراهية، والبغضاء، فهذا من الشيطان. أما إذا كانت الفكرة مليئة بالطمأنينة والراحة، فهذا إلهام من الله، وعليك أن تستمسك بها وتلجأ إلى الله بها.
التمييز بين الإلهام الإلهي والشيطاني:
إذا كانت الأفكار التي تأتيك مليئة بالطمأنينة، الراحة، والسكينة، فهي إلهام من الله.
أما إذا كانت مليئة بالقلق، الريبة، والشكوك، فهي من الشيطان، وعليك أن تستعيذ بالله منها.
بإذن الله، عندما نتغذى على أسماء الله الحسنى ونستشعر معانيها العميقة في حياتنا، سنجد أن قلوبنا مليئة بالسكينة والاطمئنان، ولن يكون لدينا مكان للشك أو الخوف، وسنرى استجابة الله لنا في كل لحظة. أسأل الله أن يستجيب لنا دعواتنا وأمانينا، ويرزقنا من واسع فضله وكرمه.
قصتي مع هذا المقطع ❤︎
في سنة ٢٠٢٤ بتاريخ ٢٣\٣\٢٠٢٤ - ١٣\٩\١٤٤٥
بعد أن انتهيت من تحضير السمبوسة وتجهيزات المطبخ، كان الوقت المتبقي حوالي ساعة قبل أذان المغرب. دخلت غرفتي وقررت أن أكمل قراءتي للقرآن حتى يؤذن. بعد أن أنهيت وردي، فتحت اليوتيوب لأستمع إلى محاضرة أو بودكاست. وفجأة، ظهر لي فيديو كان عدد مشاهداته قليلًا وكان قد مر عليه حوالي 13 سنة. تساءلت في نفسي “لماذا ظهر لي هذا الفيديو الآن؟”، وأنا دائمًا أؤمن بأن الله يرسل لنا رسائل بطريقته الخاصة. فتحت الفيديو، وإذا به يشرح الدعاء بأجمل طريقة سمعتها في حياتي، وكان أسلوبه جديدًا ورائعًا في شرح الدعاء وأثره. وفي آخر الفيديو، قام بتلخيص الأمور التي يجب أن نعملها قبل أن ندعو. كتبت الأدعية التي كنت في حاجة إليها، وفي السنة التي تلتها، كررت نفس الشيء وكتبت الأدعية في نفس الورقة، وها أنا ذا في هذا العام أيضًا سأمضي على نفس المنوال.

والغريب أن هذا الفيديو، الذي كان في البداية يحتوي على مشاهدات قليلة، انتشر بشكل واسع مؤخرًا ، وبدأ الناس بمشاركته على نطاق كبير. سبحان الله، رغم أن الفيديو في البداية كان محصورًا في عدد قليل من المشاهدات، إلا أن الله شاء له أن ينتشر بهذه الطريقة، وكل الناس استفادوا منه وبدأوا في نشره. لا أعلم إذا كان صاحب الفيديو ما يزال موجودًا، لكنه لم يكن يتوقع أن ينتشر فيديوه بهذا الشكل. ولكن الله، إذا أراد الخير لعباده، حتى وإن مضت سنوات، وإذا كانت النية صافية لله، فإن الخير يصل إلى الناس، سواء كنت حاضرًا أو غائبًا في تلك اللحظة.
. ما أردت توضيحه أيضًا هو أن البعض قد يعتمد بشكل كامل على هذا المقطع، معتقدين أن الله سيستجيب لهم لا محالة. نعم، الله سيستجيب بإذنه، ولكن في الوقت الذي يراه هو الأنسب لنا. قد تأتي الاستجابة في هذا الشهر الكريم، وقد تكون في شهر آخر غير رمضان، أو قد يستجيب الله لنا دون أن نرى هذا المقطع أصلًا. لم أنشر هذا الفيديو أو المقال هنا من أجل أن أضمن لكم تجربة فعالة أو أن أقول لكم إنه ضمان مئة بالمئة كما لو كنا نتعامل مع الله كـ “تجربة”؛ هذا غير صحيح. هدفي الأسمى هو أن نبني علاقة حقيقية وقوية مع الله عز وجل، لأننا إذا كنا من أحبائه، كان سمعنا الذي نسمع به، وبصرنا الذي نبصر به، وإذا دعوناه، استجاب لنا، سواء في رمضان أو في غيره.
لكن، كما تعلمون، كل هذه النقاط والمقاطع ما هي إلا أسباب للاقتراب من الله والوصول إلى محبته. محبة الله هي أساس استجابة الدعاء، وهي أغلى ما نطمح إليه. أرجو أن تكون هذه الفكرة قد وضحت لكم، وأتمنى أن يسدد الله خطواتنا جميعًا في طريقه.
ملخص لكل ما سبق :الأشياء التي يجب القيام بها قبل الشروع في الدعاء:
النية الصافية: يجب أن تبدأ بنية صافية. أولاً، من القلب، بحيث لا يكون لديك حسد أو ضغينة تجاه أحد أو نية انتقام، بل يجب أن يكون قلبك نظيفًا من هذه الأمور. بعد تطهير القلب، يجب أن تتوضأ. هكذا تكون قد نظفت قلبك وجسدك، مما يهيئك للدعاء بشكل أفضل.
الوقت المناسب : في رمضان يمكنك الدعاء في أي وقت، ولكن كما نعلم، للصائم دعوة لا ترد. من الأفضل تخصيص ساعة أو نصف ساعة قبل الأذان للدعاء. كذلك، يمكن الدعاء بعد التراويح أو صلاة التهجد، حيث ينزل الله سبحانه في الثلث الأخير من الليل. هذا الوقت يعتبر الأقرب للإجابة بإذن الله.و من الضروري تنظيم وقتنا خلال رمضان. يجب أن نضع جدولًا أو خطة للتأكد من أننا لا نضيع الأوقات المهمة في رمضان، خاصة مع انشغالنا بتحضير الطعام . فكما نعلم، رمضان أيام معدودات، والوقت يمر سريعًا. لذلك، يجب أن نستغل كل دقيقة في هذا الشهر المبارك.
التوجه إلى الله: عندما تبدأ بالدعاء، افرش سجادتك وانسَ كل شيء من حولك. ركز مع الله فقط، وأظهر له افتقارك وكسرك وخضوعك. في هذه اللحظة، يجب أن تظهر لله صدق توكلك وتوجهك إليه.
مدح الله وشكره: ابدأ دعاءك بمدح الله، وثنائه، وشكره على نعمه الكثيرة. كما أوضح الإمام ابن القيم رحمه الله في كتابه الداء والداء عن شروط قبول الدعاء وقد ارفقت الصورة في المقال الاول وايضا انصحك بقراءة هذا الكتاب لانه تطرق الى الكثير من الادعية التي هي مظنة الإجابة .
الدعاء بما تشاء: بعد ذلك، اطلب من الله ما شئت من خيري الدنيا والآخرة. يمكنك أيضًا أن تحفظ كل يوم دعاءً من جوامع الدعاء التي كان يقولها الرسول صلى الله عليه وسلم، وتستمر في قولها طوال رمضان. بعدها تصبح هذه الأدعية عادة يومية لك، سواء في رمضان أو غيره.
الاستمرار: الهدف هو أن تصبح هذه العادة جزءًا من حياتك اليومية، وأن تدعو الله بصدق وحب، ليس فقط في رمضان، بل في جميع الأوقات.
هذا هو المقال الأول عن الدعاء، ويمكنك الاطلاع على المقال الثاني الذي يتناول موضوع الذكر . ستجد فيه معلومات هامة تساعدك على الحصول على صورة شاملة ومتعمقة عن الدعاء وأثره بحول الله . لقد أرفقت في المقال الثاني أيضًا بعض النقاط التي تكمل هذه الفكرة وتوفر لك رؤى إضافية حول كيفية تعزيز علاقتك بالله من خلال الذكر، لذلك اوصي بقراءته بعد هذا المقال للحصول على أقصى استفادة.
اللّهُمَّ اجْعَلْ شَهْرَ رَمَضَانَ شَهْرًا لِلْعِبَادَةِ وَالتَّدَبُّرِ فِي آيَاتِكَ الْكَرِيمَةِ، اللّهُمَّ اجْعَلْ هَذَا الشَّهْرَ شَهْرًا لِلصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالتَّصَدُّقِ وَالْقِرَاءَةِ، اللّهُمَّ اعْتِقْ رِقَابَنَا مِنَ النَّارِ، اللّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنْ عُتَقَاءِ شَهْرِ رَمَضَانَ وَاجْعَلْنَا مِنَ الْمَقْبُولِينَ، يَا رَبُّ وَقَفْنَا بِبَابِكَ سَائِلِينَ فَلَا تَرُدَّنَا خَائِبِينَ، وَلَا عَنْ بَابِكَ جُودِكَ مَطْرُودِينَ، فَإِنْ طَرَدْتَنَا فَإِنَّهُ لَا حَوْلَ لَنَا وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِكَ. اللّهُمَّ اعْتِقْ رِقَابَنَا وَرِقَابَ آبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا مِنَ النَّارِ، اللّهُمَّ اعْتِقْ رِقَابَنَا مِنَ النَّارِ وَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا، يَا رَبُّ يَا رَحِيمُ اجْعَلْنَا مِمَّنْ تَعْتِقُ رِقَابَهُمْ مِنَ النَّارِ فِي هَذَا الشَّهْرِ الْفَضِيلِ.














في أربع نقاط أربكتني:
أولًا: وش قصدتي بنقطة "الدعاء بطريقة غريبة أو بتفاصيل غير معروفة من السلف"؟
ثانيًا: ليه الاستعجال سيء؟ أحيانًا أكون قاعدة أصلي قبل خروجة مثلًا، وأهلي يصايحون فوق راسي يبوني أخلص، فأدعي كل شي أبيه بسرعة وأطلع. حرام؟
ثالثًا: ليش ما يجوز الصياح في الدعاء؟ أشوف كثير مقاطع لأشخاص يكونون متضايقين مثلًا، فيدعون بصياح، وكأنهم يبون يطلعون الي بقلبهم وكذا
رابعًا: لما أدعي وأنا فيني نعاس أحس اني قريبة لله أكثر، لأن وقتها عقلي يكون ثقيل، وما أفكر بأشياء كثيرة أو أكون مشتتة كالعادة، فيكون تركيزي على الدعاء بس، وأحس بنشوة لطيفة. فليش يعتبر الدعاء وأنا نعسانة اعتداء إذا كان يقربني من الله أكثر؟
وشكرًا
بارك الله فيك ونفع بك وثبتك على دينه وطاعته وحسن عبادته
فضلاً منك إن كان لديك متسع من الوقت عددي اكثر ل الاعتداء في الدعاء كي نتجنبها نظراً ل شرحك اليسير والمفهوم والجاذب ولك منا جزيل الشكر❤️