🍂 عامٌ جديد وشعورٌ ثقيل ، أوراق مُتساقطة
من مذكراتي .
1\10 October | ١ أُكْتُوبر- تِشْرِينُ الأَوَّل
لشهر أكتوبر جمال خاص، ليس لأنه شهر ميلادي، ولكن لما فيه من جمال البدايات المنتظرة. بداية دخول الشتاء وتوديع الصيف، تساقط أوراق الشجر وتغير ألوانها إلى اللون البرتقالي والبني والأصفر الجميل، وعبق رائحة الطبيعة المنتشرة في أرجاء المكان، الذي يبعث راحة وطمانينة وشعورًا مريحًا. شعور السكينة الذي يخفف ثقل الأيام التي مررنا بها. تتساقط أوراق الخريف، وتتساقط معها أحزاننا وهمومنا، وربما تبدأ رحلة جديدة تعوضك عن السنة التي مضت، سنة سمّيتها “سنة الصمت”، ليس لأنها تعني الصمت حرفيًا، وولكن لما كانت تحمله من مواقف تدعوني إلى التأمل أكثر من الحديث، إذ خشيت على نفسي أن أتحول إلى كتلة صمت متحركة. سنة كانت تتطلب مني النظر إلى الأعماق فقط، دون شيء،كأنك تقف أمام نافذة مغلقة، ترى العالم من خلفها بألوانه الزاهية، وترغب بشدة في الخروج والمشاركة، لكن الزجاج يعزلك عن كل شيء، لا تستطيع أن تلمس شيئًا أو تكون جزءًا منه، رغم أن كل شيء يدعوك لذلك. فقط تنظر. سنة أحسست فيها أن كل شيء حولي في سرعة شديدة ودوران، وأنا في المنتصف واقفة بثبات،وكأن كل شيء يتسارع من حولي، وأنا ثابتة في مكاني، تشعر أنك تسعى، لكنك لا ترى نتائج ملموسة، إلا أن داخلك يقين تام بأن الأمور ستنفرج في الوقت المناسب.، لكن مع بداية أكتوبر، ومع تساقط أوراق الشجر، بدأت أشعر بأنني أيضًا في مرحلة سقوط المشاعر القديمة واستقبال مشاعر جديدة، مرحلة جديدة تتماشى مع بداية الخريف، وتبدأ فيها فصول التجديد، رغم أن النتائج لم تظهر بعد، لكنني واثقة أنها ستأتي.
في بوادر الشهر الماضي، بدأت تغييرات تحصل. أحسست ببوادر غريبة ومفاجئة، وكأن السنة أرادت أن تتحدث أخيرًا،لم أكن أدري أنه كان الهدوء الذي يسبق العاصفة، وكأن هذا الصمت الذي تراكم طوال الوقت، خرج له صوت مدوٍّ يهز كل شيءء. صوت يقلب كل مشاعرك التي حاولت جاهدة أن ترتبيها لسنوات، لتعود وتصل إلى نقطة الصفر. كالعاصفة التي تهيج كل شيء دفنته في الأعماق، وتعيده إلى السطح دفعة واحدة، لتدمّر ما ظننت أنك قد رتبته، فتعود كأرض مسطحة جدباء، تغطيها آثار العاصفة التي اجتاحت ما بنيته طوال تلك السنوات... أعلم أن كلنا دروس في حياة بعضنا البعض. دروس قد توقظ ما بداخلنا من آلام وجروح. تُعلمنا أن تَعافينا من جرح ما، قد يفتح أمامنا جرحًا آخر ينتظر من يوقظنا حتى نتعافى. هذا هو الثمن الذي ندفعه عندما نبدأ في اتخاذ قرار التغيير. مع بداية عام جديد، يسترجع الإنسان شريط حياته منذ ولادته وطفولته، أول أيامه في المدرسة، أول صديق، أول هدية، أول حب، أول رعشة قلب، وأول خذلان وخيانة. يتنقل بين سعادة وخيبة، بين أملٍ كبير وألمٍ فظيع، متنقلًا بين مشاعره كأنها أرجوحة التوازن (السيسو)، تارة يندفع بحماسة، محلقًا إلى الأعلى بسعادة غامرة، ثم يعود سريعًا إلى الأسفل بقوة شديدة، ليظل بين الصعود والهبوط، ساعيًا بكل ما لديه نحو حالة من التوازن.تعلمت أن لا أضع صورة مثالية لأحد في مخيلتي. كنت أظن أن الأمور ستسير كما رسمتها في ذهني. وعندما حدث التغيير، شعرت بالخيبة. بعد أن استحضرت تلك المشاعر، أسأل نفسي الآن لماذا ألقيت اللوم على الآخرين؟ لماذا لم أوجه اللوم على نفسي أولًا، بما أنني من رسمت هذه الصورة في خيالي؟ فاللوم الذي وجهته للآخرين كان في الحقيقة يجب أن يكون موجَّهًا لي، لأنني كنت المسؤولة عن خلق تلك الصورة . فهذا الدرس أيقظني جدًا ، ربما كان الهدف من ذلك هو أن تُثار مشاعرنا ان نَكْره او ننفعل ونتعرض لتلك الفترات العاصفة ، تمامًا كما ينفجر البركان قد يثير الخوف ولكنه يخلق تربة خصبة تعزز الحياة وهكذا العواصف التي تجتاحنا ، قد تخرب ما جاهدنا في بنائه طوال هذه السنوات ولكن بعد هدوءها تشرق أمامنا فرص جديدة كانت مَخفية عنّا .
أخذت وقتًا لاكتشاف ذلك، لأنني كنت أُمانع هذا الانفجار أن يحدث. وكلما أردتُ أن أنفجر، كنت أختلق الأعذاروأوهم نفسي بأن الوقت لم يحن بعد. ولكن في النهاية، جاء ذلك اليوم الذي انفجرت فيه، فكانت تلك اللحظة نتيجة تراكمات طالما حاولت تجاهلها. وستصل إلى لحظة فارقة تدرك فيها أنك بحاجة للتعامل مع الناس كبشر حقيقيين مثلك، فيهم من العيوب والأخطاء ما فيك أنت أيضًا، ولن تظل متشبثًا بالصورة المثالية التي رسمتها عنهم في خيالك. ما أدركته أيضًا هو أنه يمكننا قياس ذلك على أنفسنا، فإذا شعرت أن الشخص الآخر يمنحك هذا الشعور بالأمان، حيث يمكنك أن تكون على سجيتك تمامًا دون تكلف، كما لو كنت طفلًا معه، فهذا يعني أنك في مكان حقيقي. أما إذا كنت تجد نفسك متقمصًا دورًا أو متصنعًا شخصية بجواره، فهذا يعني أن العلاقة لا تمنحك المساحة لتكون أنت. لذلك أصبح تواجدي مع من أكون معه على سجيتي أمرًا مهمًا لي. لذلك، أحب صديقتي جدًا، لأنني معها أكون كالطفلة. نتحدث عن كل شيء، مع أننا لا نتقابل يوميًا ولا نتحدث كل يوم بسبب انشغالنا، لكن حينما نلتقي، يكون كأننا نلتقي لأول مرة ونتحدث عن كل شيء. أحب أن يكون من معي عفويًا أيضًا ، لا أريد شخصًا يتصنع الحب أو الود، أو يتكلف شيئًا ما.. بمعنى آخر، أُفضّل أن تكون العلاقة قائمة على التلقائية والصدق، دون تكلف أو تصنع، أن يكون الشخص الذي يرافقني في هذه الرحلة في أمان تام معي، يستطيع أن يكون على طبيعته دون الحاجة لتقمص أدوار أو إخفاء لمشاعره... بعد ما تعلّمته في رحلتي مع نفسي، أصبحت أحرص على أن أكون أكثر اتزانًا وسلامًا داخليًا حتى لا أكون سببًا في أذية أحد. لا أريد أن أُسبب ألمًا أو اضطرابًا لشخص آخر، وأدرك أن لكل إنسان نصيبه من الألم في هذه الحياة، ولا أدّعي أنني سأمنعه عنه، لكنني فقط لا أريد أن أكون سببًا فيه. وإن كنتُ سببًا، يا رب ، فأدعوك أن تُبعدني عن حياته وتزيلني عن طريقه، لأنني لا أحتمل فكرة أن أكون سببًا في وجع أحد. فأنا لا أريد لأحد أن يتعافى مني، ولا أن أكون ندبة في حياة أحد. فنحن أحيانًا نؤذي من نحب بأشياء نراها عادية دون أن ندرك أثرها عليهم ،وأننا مهما حاولنا أن نكون صادقين في مشاعرنا، قد نخفق أحيانًا في فهم مشاعر الآخرين. أأصبحت الآن أكثر قدرة على تقبل ما أكرهه في نفسي، على الاعتراف بجهلي أو نقصي أو تعبي. فالناس بطبيعتها تميل إلى الجوانب الجميلة والمشرقة في الآخرين، وتنجذب لما هو حَسن في المظهر أو الخُلق أو القول، فمن السهل أن ينال الجانب المضيء منّا الإعجاب والمحبة، لكن التحدي الحقيقي يكمن في تقَبل العيوب وضعف اللحظات. لأنني لو عرضت عليك كل مزاياي، ستحبني بالتأكيد، بل الكل سيحبني. ولكن ماذا لو رأيت مني العكس ؟ . من السهل أن يحكم الناس على الآخرين بناءً على كلامهم أو ملامحهم أو كتاباتهم، ولكن لا أحد يعلم حقًا ما يشعرون به. كما يقول المثل : ‘الجَمْرة بِتَحرِق الواطِيها’. فمهما حاولتَ أن تبرر أو تشرح، إذا كانت الفكرة السلبية قد استقرت في ذهن الشخص، فإنه لن يصدقك. والأمر االمثير للعجب هو أن البعض يظن أننا نثبت على حالنا، وكأن مشاعرنا ثابتة لا تتغير. وفي الواقع، يغفلون عن حقيقة أن التغيير في الإنسان قد يكون ناتجًا عن ظروف أو تجارب خاصة به، وليس بالضرورة مرتبطًا بتغيير تجاههم. بل قد يكون ببساطة نتيجة لتطورات أو تجارب حياتية قد لا يعرفون عنها شيئًا.... كل شخص يحمل بداخله عوالم كاملة، ويُريك منها فقط ما يرغب في أن تراه. وبعض الناس لا يبحثون سوى عن فرصة للرحيل أو لإثبات خطأك، يوهمون أنفسهم بأنك شخص كما تخيلوه، ثم يصدقون تلك الصورة التي رسموها عنك. لكنها أوهام؛ فهم لم يجلسوا معك، ولم يسمعوا قصتك، بل ولم يسألوك حتى. إطلاق الأحكام أمر سهل ويمنحهم شعورًا مريحًا بأنهم على صواب. نعم، هناك من يريدون منك فقط الصورة المشرقة، الجانب اللطيف الذي يحبه الجميع، لكن عندما تنطفئ أو تمر بمرحلة ضعف، يبدأون في إصدار الأحكام .ففي كثير من الأحيان كنت أكره نفسي، وكرهتُ هذا الشعور الذي يسكن قلبي. أحيانًا أسألها: هل أستطيع أن أجرّد قلبي من أحاسيسه؟ هل يمكنني أن أعيش بلا مشاعر كي لا أتألم؟ لكنني توصلتُ إلى أنني لا أريد أن أعيش بلا مشاعر، فهي الوقود الحقيقي لهذه الحياة، ولا أريد أن أصل إلى مرحلة التبلّد أو أتحوّل إلى جسد حي بلا روح. حاولت أن أبني جدرانًا كثيرة حولي لأحمي نفسي، جدرانًا بنيتها بدقة بين كل خذلان وألم، حتى أصبحت أسيرة خلفها، حبيسة نفسي وأفكاري. لكنها كانت تنهدم سريعًا عند أي موقف قوي، ربما لأنها بُنيت من خوف، ومع ذلك، تعلمت أن أبني جدراني من حب بدل الخوف، حتى وإن سقطت، سيكون السقوط خفيفًا، سأبني حجرًا فوق حجر من الحب، لأنني أدركت أن الحب هو القوة التي تحميني. لقد أدركت أن كل شخص مليء بقصص وجراح وجوانب لا يعرفها إلا هو، وأننا بحاجة أحيانًا لمن يُبصر جروحنا وندوبنا ويحاول فهمها، لا الحكم علينا من بعيد. تعلمت أن أرى نفسي أولًا قبل أن أُسقط كل شيء على الآخرين، وأن الحياة مليئة بالدروس التي تكشف لنا حقيقتها وحقيقة الناس من حولنا.
ا لا أدعي الفضيلة أو اللطف، لكن مما مررت به من تجارب، أحاول أن أكون رحيمة وأتحمل تبعات ذلك، لعل الله يرحمني يوم القيامة. تعلمت أن لا أحكم على الناس من مظهرهم أو ما يقولون أو مقدار تدينهم. لأن الأفعال تنعكس في النهاية، ولا يمكن للإنسان أن يخفي جوهره وراء تصورات مجردة أو تصنيفات سطحية. في كثير من الأحيان، قد نضع شخصًا على سبيل المثال في خانة “المتدين” لمجرد أنه ينزل آيات القرآن أو يُظهر صورة معينة، مما يجعلنا نعتقد أن هذا الشخص لا يمكن أن يصدر منه أي خطأ.وأنا كنت أفكر هكذا أيضًا. لكن الحقيقة أن الإنسان، مهما كانت صورته الدينية، يظل بشرًا يمر بتجارب ومواقف قد تقوده للخطأ. نحن نضخم الصورة التي نراها ونربطها بتوقعات غير واقعية. وعندما نعيب، لا نعيب الإسلام أو القرآن، بل نعيب أنفسنا لأننا لم نطبقه بالشكل الصحيح . فالدين هو مرشد لنا، وليس قناعًا للتظاهر أو للظهور. لذلك، يجب علي ان أرى الشخص من خلال تعامله وكلامه وتفكيره، لأرى جوهره وصدقه ..
فالتغيرات التي مررت بها جعلتني أدرك أنني أريد أن أرجع أو أعود إلى تلك البراءة والبساطة لكن مع فرق ان أكون كالطفل مرة أخرى، ولكن بحب أكبر ووعي أعمق ، قد قرأت اقتباسًا يعبر عن هذا المعنى:
Maybe growing up is just becoming who you were at 14 again but learning how to love her this time.
فمع تقدمي في العمر ومروري بتجارب الحياة المختلفة، وأحمد الله على ما منَّ به عليَّ من تجارب . ما زال لدي الأمل والشغف لاكتشاف المزيد من الأمور التي لم أختبرها بعد. لذلك، أكثر شعور أريد الحفاظ عليه، ولا أريد أن تُفسده لي وسائل الإعلام، هو شعور الدهشة. شعور أن أقرأ كتابًا جديدًا يثير تساؤلات في داخلي، أو أتعرف على شخص يجعلني أستمع إليه وكأنني أتعلم لغة جديدة، أو أتذوق طعامًا جديدًا أو أزور بلدًا لم أزرها من قبل. هذا الشعور هو ما يجعل الحياة أكثر احتمالًا .
وكما قال الاديب السوداني الطيب صالح :
إنني أريد أن آخذ حقي من الحياة عنوة. أريد أن أعطي بسخاء، أريد أن يفيض الحب من قلبي فينبع ويثمر. ثمة آفاق كثيرة لابد أن تزار، ثمة ثمار يجب أن تقطف، كتب كثيرة تقرأ، وصفحات بيضاء في سجل العمر، سأكتب فيها جملاً واضحة بخط جريء.”
― موسم الهجرة إلى الشمال
توصلتُ إلى قناعة راسخة بأنني يجب أن أفعل أولاً ما يرضي الله ثم ما يرضي نفسي، وألا أظلم أحدًا أو أكون سببًا في أذيته.. وأدركت – بفضل الله أولًا وآخرًا – أنه من الصعب، حتى مع المقربين مني، أن أكون دائمًا بالصورة اللطيفة الوردية لذلك، أسمح لهم أن يغضبوا مني، أو يكرهوني، أو يبتعدوا عني, ليس لأنني تعمدت ذلك، بل لأن الظروف أحيانًا قد تجبرنا على الابتعاد أو التصرف بطريقة معينةو الله أعلم بالقلوب وبالظروف. أدعو الله أن يضع في طريقي أناسًا يريدون البقاء معي حتى في لحظات فتوري، حتى وإن لم أكن لطيفة دائمًا، وأن يرزقني بالشخص الذي إذا جئت إليه بهمومي وتساؤلاتي مهما بدت بسيطة أو سخيفة ،يقول لي “لا تقلقي، أنا معك”. الشخص الذي أجد فيه مكانًا آمنًا أضع فيه مخاوفي ومشاكلي وتساؤلاتي، فيطمئنني بأننا سنجد الحل معًا.
أريد أحب مثل طيور تشرين ..
ي تشرين، تتساقط أوراق الشجر وكأنها تحتفظ بكل مشاعر السنة الماضية، تنتظر اللحظة المناسبة لتتساقط في تناغم بديع، كأنها تهمس لنا أن التغيير، رغم ما يحمله من ألم في بعض الأحيان، يحمل في طياته جمالًا خفيّا. في تلك اللحظة، وأنت تتأمل هذا المنظر الخلاب، يهمس في أعماقك شعور من الرضا، يذكرك بأنك على أعتاب بداية جديدة، بداية مليئة بالأمل والتغيير .تشرين، ذلك الشهر الذي يرمز للبداية في تاريخ المشرق العربي، هو بداية الزراعة، بداية موسم هجرة الطيور، وبداية الشتاء بنفحاته الجميلة التي تحمل معها عبقًا جديدًا. هو أيضًا بداية لنا لخلق مساحة جديدة، نفتح فيها أبواب للفرص، ونودّع ما مضى، مُودعين ما لم يعد له مكان في حياتنا. متوقعين أن يرزقنا الله ما يليق بصبرنا وتحملنا .. أسأل الله أن يكون هذا الشهر بداية جديدة، مُباركة، مسهلة وميسرة، تُنير دروبنا وتبشرنا بما هو أفضل .. باذن الله




