عديمُ الوَجه
حين تكون بلا هويّة
Spirited Away 千と千尋の神隠し
المقال من إعداد وكتابة (الأستاذ محمود أبو عادي من قناة مَسار) .
(عطفًا على المشهد أعلاه)
حين تكون بلا هويّة:
- تصيرُ وِعَاءً.. يتقيّأ في داخله الآخرون مبادئهم وشعاراتهم
- تتحوّل إلى ببغّاء.. يتقمّص أفكار الآخرين ويُردّد عِباراتهم
- تصيرُ مُثيرًا للشفقة وأنتَ تبحث عن اعتراف لَم تمنحه لنفسك
أحد الشخصيات التي أجادت تجسيد الشخصيات الفارغة بامتياز، هي شخصية “عديم الوَجه” No-Face في فيلم Spirited Away وهو عبارة عن ظلّ Shadow لا يملك أيّ كيان حقيقي.
لكنّ “عديم الوجه” يتضخّم عبر التهام الآخرين، وهُنا نحنُ نتحدّث عن تضخّم على مستوى الهوية والشخصية وهو تضخّم مُزيّف وهامشي قابل للتقلّص والانحسار في أيّ لحظة.
المُميّز في طريقة عرضه هذه الشخصية، هو هشاشتها الداخلية، وهي أنّها تبدو من الخارج ضخمة وذات هيبة، لكنّها كما يحدث في المشهد نفسه، تتقلّص وتضمر وتنسحق إلى داخلها، عند تذكيرها بـ زَيفها وهشاشتها.
وهذا تجسيد جيّد للشخصية النرجسية، المتضخّمة والشرسة من الخارج.. والهشّة والمُزعزَعة من الداخل.
شخصية “عديم الوجه” في أصلها لا صَوتَ لها، لا تملك صوتًا، لكنّها تتناول ضفدعًا، فتكتسب صوت الضفدع. وهكذا فهي كلّما التهمت شيئًا، اكتسبت صفاته، بدل أن يكون لها هُويّة ومبادئ واضحة تُميّزها، تفصل بينها وبين ما تلتهمه وما تتناوله.
للأسف أنّك قد تركض بكلّ ما تحمله من إثارة الشفقة الداخلية على نفسك، لكنّك تهرب إلى الخارج وإلى الآخرين بحثًا عن ذات تتبنّاها لنفسِك.
خاضعًا لسياسات (العَرض والطَلب) فأنتَ لا تتبنّى الهويّة التي تقنتع بها.. لكنّك تتشبّث بأيّ هُويّة مرتفعة الطلب، والتي تبيع جيدًا في السوق وإن كانت مُزيّفة أو دنيئة أو مُنحطّة.
يُعبّر “عديم الوَجه” عن مقدار شعوره بالوَحدة Loneliness من خلال المشهد الذي يظهر فيه وهو على استعداد أن يُعطي ذهبًا لمَن يعترف به ولمن هو على استعداد لمصادقته ومشاركته وجوده.
إنّك حين تطلب من النّاس أن يُصدّقوا عنكَ، ما لا تصدّقه أنتَ عن نفسك، فإنّك تكذب مرّتين، مرّة على نفسك، ومرّة على النّاس، والمُتَشبِّع بما لم يُعطَ، كَلابِسِ ثَوبَي زُورٍ كما قال سيدي رسول الله ﷺ
هنا تحديدًا تكمُنُ الهشاشة الداخلية، هي أنّك أنتَ بالأساس لا تعترف بنفسك، بقدر ما أنتَ مَهجوس باعتراف الآخرين بك، لذلك فأنتَ تتبنّى كل شخصية تُرضى الآخرين، وتبتعد عن حقيقتك.
إنّ فكرة أن تُعطي النّاس ذهبًا، لكي يبقوا حولَك، ولكي يعترفوا بوجودك، على الرغم من كلّ ما تحمله في داخلك من زَيف ودناءة وقذارة. تذكّرنا بحديث النبيّ الكريم ﷺ:
إنَّكم لن تَسَعُوا النَّاسَ بأموالِكم.. ولكن يَسَعُهم منكم بسطُ الوَجهِ وحُسنُ الخُلُقِ
كما أنّ مشهد التقيّؤ (الاستفراغ) يعكس تجسيدًا ذكيًا لكثير من النقاشات السائدة اليوم، ذلكَ أنّ مُعظَم النقاشات لا تَعدو أن تكون مُجرّد تقيّؤ (استفراغ) فكري لأفكار كثيرة قيلَت دون تمحص، شاع تردّدها، تخرج كما هي، دُون أن تُهضَم (بالنقد والتحليل) فتظلُّ مجرّدَ عبارات مُبتَلَعة.
أخيرًا هُناك فكرة جميلة أخرى، هو أنّ هذا النوع من الشخصيات هي شخصيات التهامية، أيّ أنّها تُعرّف نفسها بمقدار التهامها لما حولها.
من هنا فإنّ أفضل طريقة للنجاة، هي أن تتجاهلها تمامًا وأن لا تنجرّ لمعركة الشراهة والالتهام.. لأنّه كل شخصية التهامية، تتغذّى بكلام الآخرين ولو كان اعتراضًا أو نقدًا ولو كان شتيمة أو توبيخًا، فإنّ الشخصيات الالتهامية تُحاول دائمًا أن تستدرج الآخرين للانهماك بجدالاتٍ تغذّيها بما يُمكّنها من استمداد تعريفها لنفسها.
أن تقضي حياتَك في محاولة لإنكار نفسك، وإثارة إعجاب الآخرين، يعني أن تقضي حياتك تركض مذعورًا في الخارج، بحثًا عن هوية، تحاولُ مَلأَ كأسٍ لا قاعَ لها!
لا تلبس شخصيةَ غيرِكَ.. فتَعرَى .
Once you meet someone, you never really forget them. It just takes a while for your memory to come back to you .
- Spirited Away
SPIRITED AWAY 千と千尋の神隠し
2001, dir. Hayao Miyazaki















نسقط عليه المثل هذا ( لا تلبس ثوب مو ثوبك) بمعنى شخصية ومبادئ وعقيدة الخ.. وتذكرت مره كانت أستاذة فاضلة لي تذكرنا دائما بمقوله :"لا تصيروا اسفنج، يمتص اي شيء يجيه، صيروا منخل او صفاية تصفي الشوائب وتبقى الرواسخ".
ومنها قول الدكتور ياسر الحزيمي: الممتلئ لا يمكن رجهُ ولا خلطة، الإنسان المعتز بهويته امر آخر تماما ( ومن أحسن قولا ممن دعاء إلى الله وعمل صالحًا وقال إنني من المسلمين).
لذلك أجد دئما المسلم المعتز بدينه لا يراوغ ولا يجامل ابدا في ما يتعلق بدينه او بالحدود التي يجب عدم المساس بها، وهنا يخلق بيئة للشخص الآخر بمدى صدق الإنسان ووضوحة.
مقال جميل جدااا. شاهدت هذا الفيلم اكثر من مره وكنت اشعر دائما ان هذه الشخصيه لها رمزيه عميقه جدا ولكن لم استطع اكتشافها .هذا المقال نقل لي هذه الرمزيه بشكل رائع